فيسبوك.. صديق أم عدو للثورة السورية

الثلاثاء 2013/08/27

عندما ظهرت بوادر انتفاضة الشعب السوري ضد ظلم وقمع وفساد نظام الأسد كان الناشطون الأوائل قد سجلوا في ذاكرتهم كثيرا من المجازر التي ارتكبت بحق السوريين في سجون مثل صيدنايا وتدمر وفي مدن مثل حماة وحلب ومناطق الأكراد وكيف تمكن منفذو هذه المجازر من طمس معالم جرائمهم، فلم يتناقل العالم أخبارها، وبالتالي دأب هؤلاء الناشطون منذ اليوم الأول لتحرك الشارع على توثيق وتصوير ما يجري من انتهاكات لحقوق الإنسان ومن وحشية في التعاطي مع المطالبين بحريتهم ومن ثم بثها ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي..

غير أن السوريين البسطاء الذين افتقروا إلى الخبرة والمعرفة بكواليس الإعلام نتيجة تغييب متعمد من حكم فردي شمولي دام عقودا لم يستطيعوا تنظيم أنفسهم بالشكل الذي تتطلبه خطورة المرحلة.

في حين تمكنت آلة الأسد الإعلامية المدربة كثيرا على طمس الحقائق وتشويهها من أن تندس بين صفوف المعارضين بعد مرور فترة من الزمن وأن تبث أخبارا كاذبة وفيديوهات مشكوكا بأمرها ليتضح فيما بعد أنها كانت تلاعبا بمشاعر الناس المتحمسة من جهة وبتعطش الأجهزة الإعلامية للخبر السوري من جهة أخرى، خصوصا أن نظام الأسد استمر بقوة وعناد وصلابة في سياسته المعهودة من التعتيم الإعلامي ومنع الصحافة الحرة المستقلة من الدخول إلى البلاد بل واستهداف المتسللين من الصحفيين سرا إلى سوريا عبر قصف مراكز تواجدهم وقتلهم أو خطفهم، بل ولم يحد إعلام الأسد الرسمي قيد أنملة عن رواية وحيدة تكررت دون كلل أو ملل باتهام مخربين عملاء متعاونين مع أجهزة استخبارات أجنبية بضرب ما يسمونه قلعة المقاومة في وجه إسرائيل عدو البلاد الأوحد، وهو العذر الذي استخدمه النظام سنوات طويلة لتكميم الأفواه وقمع أي صوت معارض على أساس أولوية مواجهة العدو..

مشكلة كثير من السوريين أنهم رغم كل تلك السنوات التي عاشوا فيها تحت حكم الأسد ومخابراته لم يفهموا تركيبة حكامهم وطرق تعاملهم الملتوية مع الأمور وقدرتهم على التلاعب بسياسات دول كبرى بخبث ودهاء، في حين فهم قادة أجهزة المخابرات تركيبة ونفسية الشعب السوري بشكل جلي وواضح، حتى عندما قرروا قتل المتظاهرين السلميين ونشر فيديوهات التعذيب والإهانات البشعة التي واجهها المعتقلون..

خبر حكام سوريا نفسية السوريين جيدا وهم من بناها وشكلها، إذ أنهم عملوا عقودا على نشر ثقافة الرأي الواحد والجهل بما يجري خلف أسوار سجنهم الكبير وإشغال الناس بالجري وراء لقمة عيشهم بحيث لا يتسنى لأحد الوقت للاطلاع والتفكر، ثم فتحوا الباب على مصراعيه أمام الجميع كي يختاروا طريقة معيشتهم كما يحلو لهم بهدف إلهائهم، فمن اختار دروس الدين وحلقاته والانغلاق على الذات مع مناجاة الله بطريقة صوفية تركوه، ومن اختار التحرر السافر في السهر وتعاطي الخمر والرقص والملذات تركوه، بل إن سياحة الشذوذ الجنسي في سوريا في الفترات الأخيرة صارت مشهورة وصار البلد مقصدا لمن يبحث عن رفيقه..

تحت غطاء كاذب سموه «العلمانية» أطلقوا العنان لكل من يريد ممارسة شهواته الخاصة كل على هواه، وبالتالي لم يكن صعبا على هؤلاء المراقبين عن كثب لطريقة عيش الناس وتفكيرهم أن يتلاعبوا بهم في ثورتهم..

هكذا اجتمعت عوامل بعض من السذاجة مع بعض من قلة المعرفة بالتعاطي مع الخبر الإعلامي وبعض من سيطرة العواطف المتقدة لتشكل عونا قويا للآلة الجبارة التي يوظفها عناصر الأسد في خدمة وجودهم.

وقد نجحت خطتهم منذ البداية عندما شاهد الناس فيديوهات مدسوسة أولا لتعذيب منهجي زرع بذور الحقد والطائفية في النفوس، ثم لأشخاص قيل إنهم من الجيش الحر يرتكبون أفعالا لا تليق بثورة أو بثوار، فانقسم الجميع بين مهاجم ومدافع ومبرر ومشمئز وتتالت الروايات والفيديوهات التي هزت ثقة المعارضين بثورتهم وأحدثت شرخا عميقا في وحدتهم التي كان عمرها قصيرا جدا..انتشرت عناصر مخابرات الأسد كالسرطان أو الأخطبوط بين صفحات المعارضين على فيسبوك (وسيلة المعارضة الوحيدة لتناقل الأخبار والأفكار)، وذلك بأسماء وصور وهمية خادعة على اعتبار أنهم معارضون، وعاثت فيها فسادا.

ولأن ثقافة أكثر من عاشوا داخل سوريا عن الآخر واحترامه وتبادل وجهات النظر معه كانت شبه معدومة، فقد تحولت مواقع التواصل الاجتماعي بالنسبة إلى السوريين المعارضين إلى نقمة وسبب رئيسي لتراجع أدائهم وإصابتهم بالشلل تجاه أي مبادرة جديدة تظهر لتوحيدهم.. من يدري، ربما كان هذا هو السبب الحقيقي الذي جعل نظام الأسد عدو الحريات والحقيقة يحجم عن حجب مواقع فيسبوك وتويتر عن السوريين منذ بداية الثورة إلى اليوم.

إعلامية وكاتبة سورية

18