فيسبوك عيد ميلاد سعيد: تكنولوجيا تعيد تشكيل حياتنا

السبت 2015/02/07
مواقع التواصل الاجتماعي احتلت مكانة البشر في العلاقات الفعلية

لندن- عيد ميلاد سعيد للفيسبوك الذي يطفئ شمعته الحادية عشرة، كم يمرّ الوقت بسرعة عندما تكون مشغولا بتصفح آخر الأخبار على صفحات فيسبوك والمشاركة الفعالة والتعليق في صفحات أصدقائك، واستخدام المدونات وتويتر، وربما نشر صور “السيلفي” بنفسك، وهو ما لم نسمع به قبل أحد عشر عاما.

بعد مرور أحد عشر عاما على إطلاقه، يضمّ فيسبوك اليوم حوالي 1.4 مليار شخص يقومون يوميا بتسجيل الدخول للحاق بركب الأصدقاء والتعرف على المزيد منهم.

ويبلغ مجموع المسافة بين كل صديق على فيسبوك 73 تريليون كيلومتر، أي ما يساوي 1.8 مليون مرّة المسافة حول الأرض. لنا إذن أن نقول أنّ فيسبوك يجعل العالم أصغر قليلا بالنسبة للملايين من الأصدقاء المنتشرين في كافة أرجائه.

تقول الكاتبة مارجي واريل في مقال لها، أعترف أنني كنت في البداية أسخر من فيسبوك (وظننت أنه لا يهمّ سوى أطفالي وحدهم)، إلّا أنني سرعان ما تعلقت بصفحاته (وهو ما أثار دهشة أطفالي)، معظم الوقت على أي حال.

إنها طريقة رائعة للبقاء على اتصال مع العديد من الأصدقاء المنتشرين حول العالم والاتصال مع أشخاص لم أكن لأتعرف إليهم أبدا لولا هذه الأداة.

ربما كنت أنت أحدهم، ولكن مثل كل الأدوات، لا يمكننا الاعتماد على فيسبوك لتحقيق أشياء يستحيل عليه القيام بها، فهو غير قادر مثلا أن يحل محل العنصر البشري الذي لا غنى عنه في بناء علاقات قوية، حقيقية ودائمة.
الوقت الذي نقضيه في التواصل عبر الإنترنت يقوُض ثقتنا في التواصل مع أشخاص حقيقيين بحضورنا الشخصي

ويدهشني فعلا أن أحدث دراسة تكشف أننا، بالتوازي مع بنائنا المتواصل لمساحات شاسعة من الشبكات الاجتماعية على الإنترنت، قد قلصنا بشكل ملحوظ من عمق واتساع نطاق علاقاتنا الفعلية (خارج شبكات الإنترنت).

وبالنظر إلى الإشباع الفوري الذي توفّره أجهزتنا الإلكترونية الحديثة، يمكن أن تصبح عقولنا مدمنة على شعور الأدرينالاين والإندورفين اللذين تسببهما رؤية شخص ما يعيد نشر تعليق لنا على موقع تويتر، أو أحبّ صورة أو مدونة.

وتتلاعب وسائل الإعلام الاجتماعية بغرورنا وضعفنا، ويمكنها بسهولة أن تستهوينا وتضللنا وتدفعنا إلى الاعتماد عليها للتأكُد والتحقق من صحة وصلابة شعورنا بالانتماء.

ولكن لا يمكن للإفادة والمتعة اللتين تمنحانهما لنا وسائل التواصل الاجتماعي أن تعوضا المحادثات “ذات الطراز القديم” والتي تبقى الطريقة الوحيدة لبناء علاقات جيدة مع الشبكات الاجتماعية الحقيقية (الواقعية خارج شبكة الإنترنت).

وقد يكون أكثر ما يثير الدهشة في استنتاجات الدراسات التي أجريت مؤخرا، أن أولئك الذين يعبرون عن شعور حقيقي بالوحدة هم الشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم الـ35 سنة (وهو أمر غير متوقع)، أي أبناء الجيل الرقمي والأكثر نشاطا ومشاركة على شبكات التواصل الاجتماعي على الإطلاق.

ولكني لا أستغرب فعلا هذا الأمر بعد أن شهدت لمرات لا تحصى طريقة التقاء الشباب مع أصدقائهم حول طاولات المقاهي والمطاعم، ورؤوسهم مدفونة باستمرار في أجهزتهم.

وكشفت دراسة سوسيولوجية قادتها الرابطة الأميركية أن عدد الناس الذين يعترفون بعدم وجود أي أحد يناقشون معه المسائل الهامة، قد ارتفع إلى حوالي ثلاث مرات على مدى العقدين الماضيين.

ووجدت دراسة أخرى أنّ ثمانية وأربعين بالمئة من الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع يملكون صديقا واحدا موثوقا به، بالمقارنة مع دراسة مماثلة سابقة (منذ 25 سنة) كانت قد كشفت أنّ عدد هؤلاء الأصدقاء الموثوق بهم لا يقل عن عن ثلاثة أشخاص.

أبناء الجيل الرقمي هم الأكثر شعورا بالوحدة على الإطلاق

إن الوقت الذي نقضيه في التواصل عبر الإنترنت لا يكتفي بتثبيط رغبتنا في التواصل وجها لوجه، ولكنه يقوُض كذلك ثقتنا في الدخول في محادثات مع أشخاص حقيقيين بحضورنا الشخصي.

وتوفر الشبكات الاجتماعية وسيلة للهروب، وهي طريقة سهلة تسمح لنا بتفادي مواجهة تلك الأجزاء من حياتنا التي نتمنى لو كانت مختلفة وأكثر جاذبية وأقل مللا. إنها طريقة ملائمة جدا تسمح لنا كذلك أحيانا، بتجنب حقائق قاسية والتظاهر (لأنفسنا وللآخرين) باكتساب حياة ليست لنا.

كما تعدنا مواقع الإنترنت بمنحنا هويات خفية تسمح لنا أن نعجب بأجسادنا، أن نحب حياتنا، ونحلم بالرومانسية في ظروف غامضة ومريبة.

ولكن ما هي تكلفة ذلك فعليا على مستوى حياتنا الحقيقية -الزواج والشؤون المالية والعمل والصداقات– التي يتوجب علينا مواجهتها عندما نخرج أخيرا من عالم الإنترنت؟ وكما أن أجمل الهويات الخفية غير قادرة على تعويض ما فقدناه في الحياة الحقيقية، لا يمكن لشبكة اجتماعية على الإنترنت أن تحل محل شبكة اجتماعية حقيقية.

خلال قراءة هذا المقال حاليا، يقوم الملايين من الناس “بالتواصل” وبناء علاقات مع أناس قد لا يلتقون بهم أبدا شخصيا، في حين يعجزون حتى عن تبادل النظرات (أو حتى أقل من ذلك بكثير) مع أشخاص يبعدون عنهم خطوات قليلة أو يجلسون بجانبهم.

فالتواصل عبر الإنترنت “آمن” ويسمح لنا بكشف فقط القدر الذي نريده. فالآخرون يطالبوننا دائما بإظهار ضعفنا. لذلك، ففي غضون تسلل التكنولوجيا إلى حياتنا، يتوجب علينا توخي الحذر واتخاذ خطوات مدروسة بالفعل من خلال المحافظة الدائمة على التواصل مع الناس المحيطين بنا وعدم نسيان أن العنصر البشري في أي علاقة لا يمكن تعويضه بالتكنولوجيا.

ولم يحدث قط من قبل أن احتجنا إلى ذلك الانضباط في إيقاف تشغيل الأجهزة والتفرغ على الفور للأشخاص من حولنا، محتضنين بشجاعة حرج وعيوب العلاقات الحقيقية والمباشرة مع أشخاص حقيقيين.

فالعلاقات ذات المعنى الحقيقي تتطلب منا درجة من الضعف وقدرا من الشجاعة، وذلك من خلال التخلي عن الأقنعة الزائفة والمزينة التي تخوّل لنا الاختباء وراءها بكل سهولة، والكشف عن هويتنا وعمقنا الحقيقيين وما يحدث فعلا في حياتنا التي أقل ما يقال عنها أنها ناقصة وغير مثالية.

مواقع الإنترنت تعدنا بمنحنا هويات خفية تسمح لنا أن نعجب بأجسادنا، أن نحب حياتنا، ونحلم بالرومانسية في ظروف غامضة

إحقاقا للحق، علينا الاعتراف أن فيسبوك وتويتر وغيرهما من وسائل التواصل ليست هي التي تدفعنا إلى الوحدة. بل نحن نخلق وحدتنا بأنفسنا. وبالمثل، نحن نقرّر كذلك كيف نستخدم أجهزتنا وليس العكس.

التكنولوجيا تعيد هيكلة حياتنا، علينا أن نعيد التفكير بما يجب عمله بهدف إنشاء وصيانة العلاقات المثمرة التي نريدها في حياتنا.

لن نستطيع إرساء العلاقات الناقصة والرائعة -التي نصبو إليها ونحتاج إليها لاكتمال حياتنا- إلا عندما ندرك وجوب إيقاف تشغيل أجهزتنا ونقوم بذلك فعليا للتفرغ للأشـخاص الحقيقـيين من حولنا.

إذا لمست كلمات هذا المقال وترا حساسا في داخلك، فإنني أدعوك إلى المبادرة بإيقاف تشغيل الأجهزة والاهتمام بالأشخاص من حولك، من خلال مشاركتهم حقيقة ما في داخلك وما يحدث حقا في عالمك.

في نهاية المطاف، نحن ننجح فعلا في التواصل مع الآخرين من خلال تقاسم نضالنا، أكثر من أي وقت نقوم فيه بمجرد تقاسم نجاحنا.

تمثّل الصداقات الحقيقية إحدى أعظم متع الحياة . أتمنى لكم حياة غنية بها. ليس بالآلاف من الأصدقاء، ولكن ما يكفي لكي تستمتع بمعنى التواصل الحقيقي والاكتمال اللذين تصبو إليهما.

18