فيسبوك منصة للتواصل مع الطلاب: جدل الفكرة وحدود التطبيق

استشارة رقمية في الجزائر تخترق القطيعة بين الفاعلين في التعليم، وتلكؤ في تونس ومصر مرده محدودية التغطية الإلكترونية.
الثلاثاء 2018/03/20
موقع فيسبوك يسهل المهمة

صابر بليدي/ الحبيب مباركي - هل يمكن أن يكون موقع فيسبوك أداة للتواصل المباشر مع الطلاب؟ هل يمكن ربط الصلة مباشرة بأولياء أمور الطلاب لإطلاعهم على كل ما يتعلق بمستقبل أبنائهم الدراسي؟ ماذا يعني أن تكون مواكبا للعالم الافتراضي بكل ما يتضمّنه من محتوى يخدم مصلحة الطلاب ويساعدهم على تحسين تحصيلهم العلمي؟ هذه الأسئلة وغيرها تمثّل مدخلا استقصائيا يروم البحث في معرفة ما يمكن أن يوفره موقع فيسبوك من مزايا للطلاب، فيما كان منطلق الفكرة جزائريا ولكن تطبيقه يمكن أن يشمل دولا أخرى مثل تونس والمغرب ومصر وغيرها من البلدان العربية.

مع توجّه وزارة التربية الجزائرية نحو رقمنة قطاع التعليم، باشرت الأخيرة عملية توظيف منصات التواصل الاجتماعي لتوسيع الاستشارة في مجال التربية والتعليم، بغية التمهيد لاتخاذ قرارات مهمة بعد تقصي آراء وأفكار المعنيين حول مختلف القضايا، كما هو الشأن بالنسبة إلى توقيت امتحان شهادة البكالوريا خلال الموسم الدراسي الحالي.

وكشفت نتائج عملية الاستشارة الرقمية التي أطلقتها وزارة التربية خلال الأسبوع الماضي، على منصة فيسبوك لفائدة الأولياء والطلاب معا من أجل التصويت على الموعد المفضل لإجراء امتحان شهادة البكالوريا، عن أغلبية تفوق 70 بالمئة من المصوّتين ترغب في التاريخ المقترح، فيما استقر أقل من 30 بالمئة على التاريخ السابق الذي يتزامن مع شهر رمضان.

وذكّرت أرقام الاستشارة الرقمية التي تم الكشف عن نتائجها مؤخرا، بمشاركة أكثر من 50 ألف مصوّت في الاستبيان الذي أطلقته الوزارة على صفحتها الرسمية في فيسبوك، وهو ما يمهّد لمراجعة أجندة امتحان البكالوريا لتلافي الامتعاض الذي أبداه الطلاب وأولياء الأمور خلال الموسم الماضي بسبب إجراء الامتحان خلال شهر رمضان.

وأكدت فاطمة الزهراء فاسي، المسؤولة بوزارة التربية، أن “الاستشارة التي أطلقتها الوزيرة نورية بن غبريت تؤكد رغبة الوزارة في توسيعها لتشمل كافة المعنيين، لمعرفة آرائهم وأفكارهم في المسائل الحساسة التي تتعلق بمصير الطلاب ومستقبلهم الدراسي”.

وأضافت في اتصال مع“العرب” أن “الخطوة غير مسبوقة في تاريخ المدارس الجزائرية، لكنها لبنة في طريق طويل نحو رقمنة القطاع والتخلّص من بيروقراطية الإدارة وتقارير الهيئات والمؤسسات، من أجل فتح تواصل مباشر مع الفاعلين في القطاع، خاصة في ظل توفر التكنولوجيات الحديثة التي قطعت أشواطا معتبرة في الكثير من المجتمعات”.

وتعكف وزارة التربية على رقمنة مصالحها وهيئاتها بصفة تدريجية حيث وضعت أرضية رقمية للتوظيف في القطاع، وأنشأت منصة لدى ديوان التعليم عن بعد لتقديم دروس دعم لفائدة طلاب الامتحانات النهائية، فضلا عن فتح أبواب إلكترونية لفائدة الأولياء لتحصيل نتائج أبنائهم    .

وصرّح محمد رضا، تلميذ في السنة الثالثة ثانوي من ضاحية برج الكيفان بالعاصمة، لـ“العرب” بأنه صوت في الاستشارة التي أطلقتها وزارة التربية بشأن الموعدين المقترحين لإجراء امتحان البكالوريا، وقال “صوّتت لصالح التاريخ الثاني الذي يأتي بعد عيد الفطر، لأنني أرى أن ظروف الصيام تؤثر على الأداء والتركيز”.

وبالمقابل شدد محمد طاهر مهني، ولي طالب من بلدة ريفية بمحافظة البليدة (50 كلم جنوبي العاصمة) في اتصال مع “العرب” على أن “خطوة وزارة التربية سابقة لأوانها ولا تمثل الاهتمام الحقيقي لأولياء الأمور والطلاب أنفسهم، لأن تعداد المشاركين في التصويت محدود جدا ولا يمثّل الفئة المذكورة، قياسا بالتعداد الإجمالي المرشح لاجتياز امتحان البكالوريا المقدر بأكثر من 800 ألف مترشح”.

وفيما ثمّن رئيس الفيدرالية الوطنية لجمعيات أولياء التلاميذ أحمد خالد، جهود الوزارة لرقمنة القطاع، وفتح الاستشارة القاعدية حول تعديل موعد اجراء امتحان البكالوريا، واعتبرها لبنة مهمة لخلق آليات تواصل فعّالة، فإن العيد بوسري، رئيس جمعية أولياء محلية في محافظة البليدة، يذهب عكس ذلك، بسبب ما يراه “خلط الوزارة للأولويات اللازمة”.

وذكر في اتصال مع “العرب”، أن مشكلات القطاع أكثر من إلهاء الرأي العام بإطلاق استشارة شكلية تمهد لاتخاذ قرار معين، على حساب معاينات ميدانية، يمكن تحصيلها من جمعيات أولياء التلاميذ ومن النقابات وجميع الفاعلين في القطاع بما فيها المصالح والقطاعات الأخرى.

وفي تونس تبدو الآراء متباينة ومتناقضة لكنها تجمع في مجملها على أهمية الفكرة، ورغم أنها تطبق في أغلب المؤسسات التعليمية من معاهد ثانوية ومدارس إعدادية، حيث عملت وزارة التربية منذ سنوات على توفير فضاء افتراضي لإطلاع أولياء الأمور على نتائج أبنائهم ومستوى السلوك والمواظبة في الحضور عبر إرسالية قصيرة يتم إرسالها إلى الوليّ للحضور عند الطلب أو خلال الاجتماعات الدورية التي تنظمها المؤسسة ويلتقي فيها بعض المدرّسين مع أولياء أمور الطلاب.

وأشارت الطالبة يسرى عمدوني في حديث لـ“العرب” إلى أنها تستحسن فكرة إعلامها عن توقيت الامتحان عبر فيسبوك وتتمنى لو تطبّق هذه الخدمة هذا العام خصوصا وأنها تتزامن مع خوضها امتحان البكالوريا، فيما يعارض زميلها فؤاد نصيبي ذلك، مشيرا إلى أن المسألة ستلقى صدى من الأساتذة أنفسهم، حيث قال “كيف لي أن أتواصل مع أستاذي أو أستاذتي عبر فيسبوك وأن أستشيرها حول الامتحان.. هناك من الطلاب من لا يقدر حدود هذه العلاقة، فقد تتطوّر إلى مستوى أكثر من الامتحان. كل شيء جائز. أرى أنها فكرة تتطلب مراجعة كبيرة”.

50 ألفا عدد المصوتين على الاستبيان الذي أطلقته وزارة التربية الجزائرية على فيسبوك

ويشرح حسين اليعقوبي، الأستاذ بالمعهد الثانوي بمنزل بوزلفة من محافظة نابل لـ“العرب” ذلك بقوله إن “الفكرة يصعب تطبيقها في المؤسسات التعليمية بتونس”. اليعقوبي برّر ذلك بأن “الفضاء الافتراضي هو ملك للمؤسسة وخاص بها وهذا من طقوس معهدنا. لكن أن يكون بين الأستاذ والطالب، فذلك وقوع في الخطأ”. وأضاف “لا أعقد صداقات افتراضية مع من أدرّسهم إلا بعد النجاح والذهاب إلى الجامعة”.

لكن منصور البلومي، أستاذ الفلسفة بمحافظة بنزرت، يثني على الفكرة ويعتبرها خطوة هامة لو كتب لها النجاح. البلومي قال لـ“العرب” “أعتقد أن الفكرة جيدة خاصة بالنسبة إلى جيل يعتمد كثيرا على فيسبوك ولكن هذا المشروع كان سينجز في المؤسسات التعليمية التونسية حيث ترسل كل المعطيات محيّنة للوليّ، ولكنه ظل مجرد فكرة لم تطبّق أو لم تعمم لا أدري صراحة”.

الجدل حول فكرة استخدام فيسبوك للتواصل مع الطلاب لم يقتصر على تونس والجزائر فقط، حيث سعت “العرب” للوقوف على أبرز ردود الأفعال في مصر، ولو أن الآراء تتقارب مع نظريتها في تونس، لكنها تؤكد على أهمية الفكرة.

 وقالت إيمان رزق، وهي طالبة بكلية الحقوق جامعة عين شمس بالقاهرة، إن فكرة التواصل عبر فيسبوك بين الطلاب والأساتذة جيدة، وأصبحت ضرورة حتمية لمواكبة تطوّرات العصر، ولكن في مصر هناك معضلة كبيرة تحول دون تحقيق ذلك، وتكمن في نظرة بعض مسؤولي الجامعات لمواقع التواصل على أنها “وباء” مجتمعي.

وأضافت لـ“العرب” أن هذه النظرة السلبية من الصعب تغييرها بسهولة، لأن الفارق العمري بين الطالب والأستاذ من ناحية يمثّل سدا منيعا، والكثير من الأساتذة المتقدّمون في السن لا يستخدمون مواقع التواصل من الأساس، وهذا ما عرفته منهم عن قرب.

وأوضحت أن الفكرة تصطدم ببعض السلبيات منها محدودية التغطية الإلكترونية، وعدم احترام بعض الطلاب وحتى الأساتذة لخصوصية الآخرين وإمكانية ممارسة مضايقات بحق الطالبات، إضافة إلى أن هناك دخلاء يصعب تحديد هوياتهم الحقيقية حيث يستخدم بعضهم فيسبوك بأسماء وهمية.

لكن هذه النظرة السلبية للعلاقة بين الطالب والأستاذ على فيسبوك لا تلقى صدى عند محمود سعد، وهو طالب بكلية الإعلام جامعة القاهرة. محمود قال إن “التحوّل إلى تعليم إلكتروني هو السبيل الوحيد لتكون هناك علاقة بين الطالب والأستاذ الجامعي قائمة على التواصل التكنولوجي على غرار فيسبوك”.

 وأضاف أنه بالرغم من أن ذلك تم تفعيله داخل جامعات أخرى، إلا أن المشكلة تكمُن في أن هناك أساتذة كثر يعتبرون أن التحاور معهم عبر منصات التواصل انتهاكا للخصوصية.

17