فيسبوك والعري

إذا كان العذر في تلك المرة أن المصادرة تمت بأمر من شرطي استاء من صور العري أمام بيته، فلا عذر هنا سوى أن البشرية تشهد ردّة حضارية عميقة.
الخميس 2018/04/26
ما وجه الإثارة في صنم صغير لا يتجاوز ارتفاعه أحد عشر سنتمترا؟

اعتاد فيسبوك أن يصادر صور العري التي يرى فيها الطهرانيون إخلالا بالآداب، ولم يعترض على ذلك إلا دعاة التفصّي من كل قيد في المجتمعات الغربية، ولكن هذا الموقع الاجتماعي العالمي أثار حفيظة السواد الأعظم من المشتركين حيثما كانوا، حين بدأ يصادر الأعمال الفنية، بالتعلة نفسها، إذ تعالت الأصوات حتى في وسائل الإعلام الكبرى معربة عن استيائها من ذلك السلوك القروسطي، الذي لا يختلف في شيء عن موقف الأصوليين من الفنون بعامة، والفنون التشكيلية بخاصة، وتساءل أصحابها في استنكار ما إذا كان يجوز أن نعامل الآثار الفنية كما نعامل صور المجلات الإباحية.

والحق أن للمصادرة في هذا المجال تاريخا طويلا، ولم تسلم منها حتى اللوحات التي لا يبرز فيها العري بجلاء، كما في لوحات النهضة الأوروبية في إيطاليا وهولندا، ففي مطلع القرن الماضي لفت الفرنسي مارسيل دوشامب الانتباه بلوحة “عارٍ ينزل السلم”، لوحة أثارت السخط قبل أن تشكل منعطفا في حركة الفن المعاصر، وتعلن عن ولادة فنان ألقى بظلاله على القرن العشرين.

لوحة ذات منحى تكعيبي كان دوشامب ينوي عرضها عام 1912 في صالون المستقلين بباريس، ولكن المنظمين رفضوا تعليقها لأنها لا تستجيب لما ينبغي أن يكون عليه العري، فالعاري كما قال أحدهم لا ينزل السلم، وقد اعتادوا ألا يروه إلا جالسا أو مستلقيا على كنبة كما في لوحة “أولمبيا” لإدوار مانيه.

وإذا كان بعضهم قد وجد الأعذار لمصادرة القائمين على فيسبوك لوحةَ “أصل العالم” لغوستاف كوربيه لكونها قد تصدم بعض الحساسيات لفرط واقعيتها، فبماذا يفسرون هذه المرة مصادرته صورة عن “فينوس ولندورف”، تلك المنحوتة الجيرية المعروضة في متحف التاريخ الطبيعي بفيينا، والتي تُعد تحفة فنية نادرة من مأثورات العصر الحجري؟ ما وجه الإثارة في صنم صغير لا يتجاوز ارتفاعه أحد عشر سنتمترا، عتيق يرجع عهده إلى ثلاثين ألف عام قبل الميلاد؟

تراجع فيسبوك أمام الضجة العالمية التي أثارها الحجب، واعتذر لمن نشرها على صفحته، ولكنه ذكّر بأن سياسته في مجال الإشهار لا تسمح بعرض العري الفادح ولا العري الموحي، باستثناء التماثيل، ما يعني أن فنانا مثل مودلياني لا يمكن نشر لوحاته على هذا الموقع، حتى بعد مرور قرن على مصادرتها في أول معرض أقامه في باريس. وإذا كان العذر في تلك المرة أن المصادرة تمت بأمر من شرطي استاء من صور العري أمام بيته، فلا عذر هنا سوى أن البشرية تشهد ردّة حضارية عميقة.

15