فيسبوك وتويتر يزدادان خطورة على الحرية والديمقراطية

تحاول العديد من الأطراف الاستفادة من الانتشار الكبير لمواقع التواصل الاجتماعي وتأثيرها الكبير على متابعيها من كامل أنحاء العالم، من خلال توظيفها لخدمة مصالحها بهدف دفع المستخدمين لتبني مواقف سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية معينة، لا سيما وأن هذه المواقع مثلت نقلة هامة في صناعة الإعلام زادت من حجم مساحة حرية التعبير في الكثير من الدول.
الاثنين 2017/11/20
منصات إعلامية بديلة

كان ظهور مواقع التواصل الاجتماعي نقلة هائلة بلا شك في صناعة الإعلام، إذ أنها كسرت الاحتكار الذي تمتعت به وسائل الإعلام التقليدية، من صحف ومجلات ووكالات أنباء وشبكات الإذاعة والتلفزيون، لسنوات طويلة في نقل الأخبار والتقارير، وبث المقابلات والتحليلات.

وأصبح بمقدور أي فرد أن يبث ما يشاء من أخبار على موقع فيسبوك أو موقع تويتر أو أن يقدم برامجه الخاصة على موقع يوتيوب، بل وأصبح لبعض النجوم من زعماء سياسيين ودينيين ونجوم سينما ولاعبي كرة القدم، بفضل هذه المواقع متابعون بالملايين يفوق عددهم أحيانا من يتابع بعض محطات الإذاعات أو قنوات التلفزيون.

وتطور الأمر بحيث باتت مواقف قادة وزعماء، مثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تظهر أولا عبر ما يغرد به على تويتر، وبعدها تتولى وسائل الإعلام التقليدية تحليل هذه التغريدات سعيا لمعرفة مواقف ترامب وتوجهاته.

وكان من الطبيعي نظرا لأن صناعة الإعلام تؤثر بشكل واسع في المجال السياسي الذي تعمل به، أن تكون لصعود مواقع التواصل الاجتماعي نتائج سياسية هامة.

ومن أبرز هذه النتائج أنها ساهمت في زيادة مساحة حرية التعبير في الدول التي تعيش في ظل أنظمة قمعية، وقدمت لمن يطالبون بالتغيير في هذه الدول منصات لمخاطبة الجماهير، والتأثير في مواقفها، وهو ما كان غير متاح في ظل سيطرة الحكومات على وسائل الإعلام التقليدية.

ويرى الكثيرون في ظهور مواقع التواصل الاجتماعي وانتشارها، إضافة للتعددية والحرية، بل وتناولت الكثير من الدراسات دورها في حركات الاحتجاج التي شهدتها مناطق مختلفة في العالم، مثل ما حدث في العديد من الدول العربية تحت مسمى الربيع العربي”، أو في أوكرانيا أو في إيران.

غير أنه مع مرور الوقت، وتعاظم تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة موقعي فيسبوك وتويتر، على الجماهير، تزايدت درجة اهتمام الأحزاب السياسية وجماعات الضغط وأجهزة الأمن بها، وذلك بهدف دفع الجماهير لتبني مواقف سياسية أو اجتماعية معينة.

وظهرت الكثير من المشكلات المرتبطة بهذه المواقع، لعل أبرزها وجود سيل من الأخبار والتقارير والتحليلات التي تمرر عبر هذه المواقع دون أن تخضع لأي تدقيق أو فحص للتأكد من صحتها، كما هو الحال مع وكالات الأنباء وشبكات التلفزيون التي تحرص على التثبت من صحة الأخبار التي تبثها وإن كان بدرجات متفاوتة.

ما يزيد من قوة مواقع التواصل الاجتماعي أنها تقوم على آلية جذب انتباه المستخدم بشتى الطرق، ثم إعطاء مساحة أكبر للمواد التي تحظى بالقدر الأكبر من الانتباه

وكانت النتيجة أن مستخدمي فيسبوك وتويتر يتناقلون أحيانا أخبارا كاذبة عن أحداث لم تقع أصلا، أو على الأقل أخبارا غير دقيقة يختلط فيها ما هو صحيح بما هو ملفق، وذلك بهدف التأثير على مواقف واتجاهات من يتلقون هذه الأخبار.

وأوردت مجلة الأيكونوميست البريطانية، على سبيل المثال، أن موقع فيسبوك أقر بأنه قبل وبعد انتخابات الرئاسة الأميركية السابقة، وبالتحديد في الفترة من يناير 2015 إلى أغسطس 2017، قام 146 مليون من مستخدميه بتداول معلومات مضللة بثتها روسيا، وكان الهدف هو التأثير على مواقف الناخب الأميركي.

وقال القائمون على موقع يوتيوب إنه تم بث 1108 أشرطة فيديو من جهات مرتبطة بروسيا للغرض ذاته في الفترة نفسها. أما موقع تويتر، فقد تم استخدام 36745 حسابا تابعا له في الحملة ذاتها.

توظيف فيسبوك

هناك أمثلة أخرى ملموسة على استخدام الفيسبوك وتويتر لمساندة حملات شعبوية تقوم على المتاجرة بمخاوف الجماهير من المهاجرين عموما، ومن المهاجرين المسلمين خصوصا. وذلك مثل ما حدث في الحملات الانتخابية للأحزاب اليمينية في بولندا والمجر، أو ما قام به حزب “البديل من أجل ألمانيا”، والجماعات اليمينية المتشددة المؤيدة له، أثناء الانتخابات البرلمانية الأخيرة في ألمانيا من نشر سيل من الأخبار والتقارير، الكثير منها ملفقة، عن اللاجئين السوريين.

ومن بين هذه الأخبار المزيفة الادعاء بأن اللاجئين السوريين يحصلون على مساعدات من الدولة تفوق ما يحصل عليه المواطنون الألمان، أو نشر أخبار عن محاولات شباب مسلم العمل على فرض أحكام الشريعة الإسلامية في أحياء معينة، وهو ما لم يحدث.

ومع ذلك تمكن حزب “البديل من أجل ألمانيا” من حصد 12.6 بالمئة من أصوات الناخبين، وأصبح الحزب الثالث في البرلمان الألماني (البوندستاغ)، وذلك للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية.

وكان أحد أسباب هذا النجاح استخدام فيسبوك وتويتر لكسب أصوات الناخبين الذين يخشون تزايد وجود اللاجئين السوريين في بلادهم.

وتم في ميانمار، التي يعد الفيسبوك فيها هو المصدر الرئيسي للأخبار بالنسبة إلى الكثير من مواطنيها، تداول الكثير من المواد التي تحرض على العنصرية ضد مسلمي الروهينغا.

وهذا يعني أنه تم استخدام فيسبوك وتويتر كساحة لنشر الكراهية والخوف والعنصرية عن طريق تلفيق معلومات كاذبة أو مغلوطة ومشوهة.

وهنا تبرز مشكلة أخرى مرتبطة بطريقة استخدام فيسبوك وتويتر من قبل جمهور المستخدمين، وهي أن الكثير من المستخدمين ينشرون أو يعلقون أو يغردون ليس بحثا عن الحقائق المجردة في القضايا المختلفة التي تواجههم، ولكن تعبيرا عن توجهاتهم وعواطفهم ومواقفهم.

ومع تكرار تداول المواد ذاتها التي تتبنى خطا معينا، يصبح الجمهور الذي يتبع هذا الخط معزولا عن المواقف السياسية الأخرى، ويبدو مثل من يقف على ضفة من النهر، ولا يرى من هم على الضفة الأخرى. وبهذه الطريقة تسهم مواقع التواصل الاجتماعي في دعم الانعزالية ورفض الرأي المختلف، بدلا من أن تسهم في دعم التعددية وقبول الاختلاف.

الكثير من المشكلات المرتبطة بهذه المواقع، لعل أبرزها وجود سيل من الأخبار والتقارير والتحليلات التي تمرر عبر هذه المواقع دون أن تخضع لأي تدقيق أو فحص للتأكد من صحته

اقتصاد جذب الانتباه

لعل ما يزيد من قوة وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي أنها تقوم على آلية جذب انتباه المستخدم بشتى الطرق، ثم إعطاء مساحة أكبر للمواد التي تحظى بالقدر الأكبر من الانتباه، وهو ما يطلق عليه “اقتصاد جذب الانتباه”. وهنا تعمل مواقع التواصل الاجتماعي على مستويين: الأول كمي، وذلك بخلق مجموعة من الخدمات التي امتدت لمختلف نواحي الحياة بهدف جذب انتباه المستهلك، والثاني نوعي، وذلك بإعطاء فرص جديدة لمشاركة الآخرين بما أثار اهتمام بعض المستخدمين، مثل إعادة بث تغريدة على تويتر، أو إعادة نشر رابط على الفيسبوك.

وتُضاف إلى هذا قوة التأثير التي يتمتع بها عدد قليل من الشركات التي تمتلك مواقع التواصل الاجتماعي. وفي السوق الأميركية، على سبيل المثال، يتم تداول 40 بالمئة من المعلومات على الإنترنت عبر موقع فيسبوك ومواقع تمتلكها شركة غوغل مثل موقع يوتيوب، وهي نسبة كبيرة في سوق هائلة مثل السوق الأميركية.

ويثير هذا بدوره مخاوف أخرى من إمكانية دخول غوغل أو فيسبوك بشكل مباشر في الحملات الانتخابية لدعم مرشح رئاسي بعينه، أو مرشح للكونغرس، أو تأييد حملة لدعم قضية اجتماعية أو سياسية معينة. وإذا حدث هذا يوما ما، فلن تكون هناك منافسة عادلة في ظل التأثير الهائل لمواقع التواصل الاجتماعي على الجماهير، وفي ظل تركزها بقبضة عدد قليل جدا من الشركات.

وبدأت الحكومات في الغرب نظرا لوجود جانب سلبي واضح في الطريقة التي تعمل بها مواقع التواصل الاجتماعي حاليا، في التحرك لوضع قيود على هذه المواقع.

ولعل ألمانيا كانت في طليعة هذا التحرك، إذ أصدرت قانونا في أكتوبر 2017 يلزم هذه المواقع بحذف أي مواد تحض على الكراهية والعنصرية، وحذف أي أخبار كاذبة أو ملفقة في مدة لا تتجاوز 24 ساعة وإلا تعرضت لغرامات ضخمة تصل إلى 50 مليون يورو.

وتبحث مجموعة من أعضاء الكونغرس في الولايات المتحدة عن قانون جديد يلزم مواقع التواصل بالقواعد نفسها التي تطبق على وسائل الإعلام التقليدية، من صحف ومجلات وشبكات إذاعة وتلفزيون، عند نشر أو بث أو تداول أي أخبار أو تقارير.

وهناك من يطالب بتحويل مواقع التواصل الاجتماعي إلى شركات عامة تمتلك الدولة أغلب أسهمها، ويكون هدفها توفير الخدمات للجماهير بالطريقة نفسها التي تعمل بها هيئات الإذاعة العامة، بدلا من أن تكون مجرد شركات خاصة تهدف إلى تعظيم أرباحها، وهو اقتراح يصعب تطبيقه في مجتمع يقوم على المبادرات الفردية مثل المجتمع الأميركي.

ولكن المؤكد أن طريقة عمل مواقع التواصل الاجتماعي في الوقت الحالي، وانتشار الأخبار الكاذبة عليها، وتوظيفها أحيانا من قبل حكومات أو مجموعات متطرفة لتحقيق أهداف سياسية، يجعل هذه المواقع، في الكثير من الأحيان، خصما من مساحة التعددية والديمقراطية، وليست إضافة لها، وذلك بصورة ربما تتوافق مع ما ينسب للدكتاتور الإيطالي موسوليني من قوله إن “الديمقراطية جميلة على المستوى النظري، ولكنها مجرد خدعة عند التطبيق”.

وهذا ما قد ينطبق على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ بدت مساحة جميلة للحرية في البداية ثم اتضح أنها قد تكون ساحة للكراهية والعنصرية عند التطبيق. ولكن، كما نجحت الدول الغربية في تطوير الديمقراطية لتوافق احتياجات مجتمعاتها، يمكنها أيضا أن تطور عمل مواقع التواصل الاجتماعي لتصبح أكثر فائدة وأقل ضررا.

كاتب مصري

12