فيسبوك يقدم لعالم التكنولوجيا أهم عناصر وصفة النجاح

مع أن الواقع الافتراضي ليس تقنية جديدة، وقد بدء العمل على تطويرها منذ سنوات طويلة، إلا أنها لم تلاق نجاحا كبيرا إلا في العامين الأخيرين. شركات عملاقة، أهمها فيسبوك وغوغل وسوني، تتسابق في مجال الواقع الافتراضي وتعتزم طرح منتجات متطورة نهاية هذا العام.
الأحد 2016/10/16
زوكيربيرغ لبى غريزة التواصل الاجتماعي في التقنية

لندن - في بداية تسعينات القرن الماضي، كانت المرة الأولى التي أضع نظارات الواقع الافتراضي وأجرب شخصيا عالما سحريا يجعلك تشعر وكأنك انتقلت إليه فجأة.

كان هذا عندما قامت إحدى الشركات بجولة عروض في الجامعات الأميركية لتعريف الطلاب على هذه التكنولوجيا الواعدة والتي ستصبح في يوم من الأيام في متناول الجميع وجزءا أساسيا من حياتنا اليومية.

أتذكر مغادرة المنصة التي وقفت عليها لتجربة الواقع الافتراضي المليء بالدهشة وبمشاعر مختلطة، فمن ناحية، بهرت بما رأيت، ومن الناحية الأخرى لم أشعر برغبة لمعايشة الواقع الافتراضي مرة أخرى في أيّ وقت قريب، ولم أخرج بانطباع أن هذه التقنية ستجد رواجا كبيرا في السنوات القادمة.

الواقع الافتراضي في المقعد الخلفي

مر على تلك التجربة الأولى أكثر من ربع قرن، بقيت أثناءها تقنيات الواقع الافتراضي تحتل المقعد الخلفي لعالم التقنيات، ولوقت طويل لم تستطع هذه التقنية اجتذاب استثمار الشركات الكبرى، لا المالي ولا الوقت الكافي أو التقنيات الإضافية التي تحتاجها، فالكلفة العالية لتصنيع الأجهزة اللازمة منعتها من أن تصبح مُنتجاً يمكن تسويقه وبيعه للجماهير بسلاسة وبالتالي جعلت من الشركات الكبرى تتمهل وتنتظر.

غوغل وإتش تي سي وسوني من بين هذه الشركات التي تدفع بقوة لجعل عام 2016 عام فتح أبواب المستقبل للواقع الافتراضي وجعله من المنصات المهمة

والأجهزة عالية الكلفة لم تكن العقبة الوحيدة، أيضا نجد أن إنتاج المحتوى للواقع الافتراضي كان عقبة كبرى لأسباب كثيرة منها عدم وجود عدد كاف من المتخصصين من عديد المجالات مثل مصممي الغرافيك ثلاثي الأبعاد، والسينمائيين المناسبين لتخيل وإنتاج العوالم الافتراضية، ومبرمجي التفاعل لجعل معايشة العالم الافتراضي تجربه استثنائية يقبل عليها الجميع.

وعدم توفر كمية كبيرة من محتوى الواقع الافتراضي الثري والمتنوع كان سيجعل من اقتناء الأجهزة عالية التكلفة ضربا من ضروب العبث بالنسبة إلى المستهلك العادي.

ساد انطباع عام عند عامة الناس والخبراء أن استعمال الواقع الافتراضي عملية انزوائية تتطلب أن ينعزل المستخدم عن الواقع وعن الناس في محيطه الاجتماعي.

فالإنسان كائن اجتماعي بامتياز وأيّ اختراع يساعده على الانغماس في حياته الاجتماعية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، يجد رواجا واسعا وبسرعة، فأي منتج، يظهر عكس ذلك، لا ينتشر إلا بين شرائح صغيرة من المستخدمين الهواة.

وهذا كان سببا رئيسيا آخر جعل تقنيات الواقع الافتراضي تحتل مرتبة متأخرة في سوق الاستثمار، في حين أن الجميع أقبل على الاستثمار في منصات التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وتويتر، بعد أن وجدت هذه المنصات رواجا كبيرا بين المليارات من المستخدمين في كل أنحاء العالم.

فيسبوك ينعش الواقع الافتراضي

عنصر التواصل الاجتماعي المفقود في تقنيات الواقع الافتراضي، كان بمثابة العنصر الأهم الذي أدى لنجاح منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، والذي نما وتطور وازداد ثراء خلال سنوات قليلة نسبيا.

أندرو هاوس: وأخيرا قد تصبح هذه التقنية في متناول الجميع وجزءا من الفضاء والسوق العام

حين قام فيسبوك عام 2014 بشراء إحدى شركات الواقع الافتراضي وهي “أوكولوس” بملياري دولار، نفخ الروح في عالم الواقع الافتراضي، وأصبح هناك مستثمر قويّ جدا، بحجم فيسبوك، ويملك كل مكونات وصفة النجاح الضرورية لإنجاح لواقع الافتراضي وأهمها التواصل الاجتماعي.

وفي المؤتمر الأخير لمطوري تقنيات الواقع الافتراضي قال مارك زوكيربيرغ، رئيس فيسبوك “نحن هنا لنجعل الواقع الافتراضي ‘في آر’ أكبر منصة مستقبلية للحوسبة، نحن في شركة فيسبوك عاقدون العزم على ذلك”.

كان خطاب مارك متقنا بعناية فائقة ليبدد كل الانطباعات السابقة عن تقنيات الواقع الافتراضي، وخصوصا الانطباع أنها تقنية لا تلبي غريزة التواصل الاجتماعي عند الإنسان.

وأضاف زوكيربيرغ “الواقع الافتراضي هو المنصة الأفضل والأنسب لتلبية رغبات الناس ولأنها تجعلهم في المركز، فهذه التقنية تجعلهم يشعرون وكأنهم فعلا هناك ومع غيرهم من الناس”.

مشاركة المغامرة

نية فيسبوك في تقديم الواقع الافتراضي كجزء عادي وطبيعي من الخيارات المقدمة للمستخدم، ستظهر ميزة الواقع الافتراضي كأحد طرق خيارات المشاركة كالصور والفيديوهات والبث المباشر، وسيتمكن مستخدمو فيسبوك الذين يملكون الأجهزة والأدوات اللازمة للواقع الافتراضي، من مشاركة مغامراتهم في هذا الواقع مع البقية من أصدقائهم على فيسبوك وسيكون بإمكان الأصدقاء التفاعل بالضبط كما يتفاعلون مع المشاركات الأخرى.

هذا التقديم الذكي للواقع الافتراضي من قبل فيسبوك سيجعل منه مناسبا لروح العصر، حيث سيكون التواصل الاجتماعي دائما حجر الأساس، وسيتمكن عامة الناس، بغض النظر عن إمكانياتهم المالية والتقنية، من معاينة هذه التقنية بشكل طبيعي حتى دون الاستثمار بمعدات أكثر مما يملكونه حاليا لاستعمال فيسبوك. ولكن مع الوقت، وبعد أن يعتادوا عليها، سيسعون لشرائها واستخدمها كما لو أنها ضرورة من ضروريات الحياة مثل امتلاك هاتف ذكي.

لم يدخر مارك زوكيربيرغ، في خطابه أمام المئات من مبرمجي الواقع الافتراضي، جهدا لطمأنة المطورين والمهتمين، وقال لهم “قريبا جدا، سنعيش في عالم يتمكن فيه الجميع من المعايشة المشتركة بمشاهد تشعرك وكأنك هناك فعلا، تخيلوا مستقبلا كيف سيتمكن الجميع من الجلوس في الخلاء حول نار مخيم مع أصدقائهم في أيّ وقت من خلال الواقع الافتراضي، أو أن يتشاركوا في مشاهدة فيلم في سينما من الواقع الافتراضي، تخيل كيف ستتمكن مجموعة من عقد اجتماع عمل في أيّ مكان في العالم يختارونه ودون مغادرة مكاتبهم”.

شركات عملاقة تتسابق

فيسبوك ليست الشركة الوحيدة التي تسعى للمنافسة في سوق الواقع الافتراضي، فالعديد من الشركات تتسابق لتقديم العديد من الأجهزة والمحتوى في موسم التسوق نهاية هذا العام. غوغل وإتش تي سي وسوني من بين هذه الشركات التي تدفع بقوة لجعل عام 2016 عام فتح أبواب المستقبل للواقع الافتراضي وجعله من المنصات المهمة.

هناك من الخبراء والمهتمين من يعتقد أن الواقع الافتراضي سيتم تهميشه من تقنية أخرى منافسة تسمى بالواقع المعزّز

حيث صرح أندرو هاوس، مدير قسم التفاعل الترفيهي في شركة سوني لصحيفة فاينانشال تايمز “أعتقد أن الواقع الافتراضي على وشك أن يقفز قفزة نوعية بالاتجاه الصحيح، وأخيرا قد تصبح هذه التقنية في متناول الجميع وجزءا من الفضاء والسوق العام”.

وفي نفس الوقت الذي يتمتع فيه الواقع الافتراضي باهتمام إعلامي كبير وجهد تطويري هائل من قبل العديد من الشركات الكبرى، هناك من الخبراء والمهتمين من يعتقد أن الواقع الافتراضي سيتم تهميشه من تقنية أخرى منافسة تسمى بالواقع المعزّز، وخصوصا بعد النجاح الهائل الذي حققته لعبة بوكيمون غو للواقع المعزز.

إذ أكد تيم كوك الرئيس التنفيذي لشركة أبل، وهو من بين المشككين في الأمر، في إحدى الندوات في ولاية يوتا الأميركية “لا أعتقد أن تبني الواقع الافتراضي ‘في آر’ بحجم التبني المتوقع والواسع للواقع المعزز ‘إيه آر’، ولا أعتقد أن نسبة كبيرة من سكان البلدان النامية، ولاحقا باقي البلدان، سيستخدمون الواقع الافتراضي بشكل يومي”.

لكن كلاي برافو مدير قسم الواقع الافتراضي في غوغل لديه رأي مخالف لكوك، فقد قال لصحيفة الفاينانشال تايمز “لا أعتقد أن التساؤل ما إذا كان الواقع المعزز سيحل محل الواقع الافتراضي ليس بمحله، ولا تستطيع التفكير بواحدة منهما دون التأمل في الأخرى، فكلا التقنيتين تتشاركان بالكثير من الأجهزة والمعدات والمحتوى، والتي تجعلها ثنائية الاستخدام، في حين أن الواقع الافتراضي يستطيع نقلك لأيّ مكان فإن الواقع المعزز يستطيع نقل أي شيء إليك أينما كنت”.

ويضيف كلاي برافو “أصبح الواقع الافتراضي متطورا جدا الآن وفي متناول اليد، ولكن الواقع المعزز ما زال بحاجة للعديد من السنوات الأخرى من العمل والتطوير”.

محلل تكنولوجي

18