فيصل الرحيل: الشعر فرصة استثنائية لإعادة اكتشاف العالم

هنالك أصوات شعرية عربية نمت منبتة خارج الحدود الجغرافية، لا علاقة لها بوطنها إلا من خلال الهوية الوطنية، ولدت وعاشت خارج وطنها، ولا تربطها به سوى تلك الهواجس العربية العامة التي يشترك فيها جميع المثقفين، لذا يجد القارئ فيها القلق الواضح حيال السؤال المصيري المتعلّق بالوطن. فيصل الرحيل واحد من هذه الأصوات الشعرية التي تحسست عن بعد ملامح أوطانها، وحاولت أن ترصد الإنسان بما هو إنسان بمعزل عن هويته وجنسيته وانتماءاته. “العرب” التقته في حوار حول الكتابة والشعر وحرية الإعلام وهموم أخرى.
الأربعاء 2015/10/28
أنا مواطن عالمي مثقل بكل ما جاءت به هذه الوفود المتعاقبة

تقدّم الشاعر السعودي فيصل الرحيل إلى قرائه بمجموعته الأولى عبر دار مسعى البحرينية حاملة عنوان “تمهّل أيها الفأس، إن نصفك شجرة”. مستلهما فيها من الألم الإنساني اليومي مادته الشعرية التي استنطق ضمنها الأشياء من حوله، فأنسن الكائنات، وأكسبها حالاتها الشعرية محاورا إياها، ومتواصلا معها على طاولة الشعر.

يعمل الرحيل مسؤولا عن برنامج الكتّاب العرب وإدارة الفعاليات في مشروع تكويني للكتابة الإبداعية، كما يعكف حاليا على مشروع أدبي جديد ستتضح ملامحه خلال الأشهر القادمة.

من القومية إلى الإنسانية

يحدّثنا الرحيل عن مناخات الكتابة قائلا: أنا مأخوذ بالتفاصيل، بالأشياء التي لا تثير الاهتمام عادة. لذا كنت بحاجة إلى بيئة تلائم هذه الحالة التي أقبع في داخلها. مناخ مفتون بالمواد الخام، بالصلات الفطرية، بالعواطف التي تشغل هذا الكائن. كما أن الحديث عن أشياء بسيطة كالغيوم والأمواج والشجر يعدّ مسوغا كبيرا للحديث عن أشياء معقدة جدا ومتغيرة في هذه الحياة. من خلال هذا المناخ يمكن أن نمنح أنفسنا فرصة أخرى للتعرف من جديد على كل شيء في هذا العالم.

في نصوص الرحيل نواجه شاعرا يؤنسن العالم؛ الشجر، البحر، البيوت، الطين، والتفاصيل الصغيرة… فهو يرى أن الشاعر لا يهرب من شيء بتاتا بل يواجه مصيره ويبتكر نهاية تليق به. يقول الرحيل: الشاعر كائن لغوي، مولع بالكشف. يؤنسن الشجر والبيوت والبحر، لا للهرب من فداحة الواقع إنما لرغبة دفينة في داخله تتملكه في خلق كيان جديد واكتساب كينونة مختلفة. الشاعر لم يأت للتعبير عن شعور ما، بل جاء ليكون الشعور نفسه، ولم يكن يهرب من الواقع، إنما كان يستدرجنا إلى واقع آخر تماما.

الرحيل شاعر سعودي (من مواليد 1990)، ولد وأقام في الكويت، لم يتنفّس ذلك الهواء الذي يسمّونه وطنا تقليديا بمعناه التجذّري المتعلّق بالأسلاف في وعي الشاعر، لهذا تحس وأنت تقرأ نصه بأنه كائن كوني يسكن في التفاصيل، بمعزل عن كل جغرافيات العالم، يعلّق الرحيل متحدثا عن هذه المنطقة من حياته: ربما لم يساعدني ذلك في التخلص من شيء. لا وجود للوطن في الواقع حتى أجد له انعكاسا في داخلي، على ما يبدو إنني مواطن عالمي مثقل بكل ما جاءت به هذه الوفود المتعاقبة. أستمتع كثيرا بهذه النوستالجيا التي تهجم عليّ أحيانا كوحش بري. وأستمتع أكثر حينما لا أجد ما يشبع هذا الشعور، لا أكترث كثيرا بالجغرافيا، فما تقوم بخلقه أنت أفضل بكثير مما ترثه.

نص لفيصل الرحيل
يا الله؛ أصرخ بك

أنا الإنسان القلق الذي يسير بلا إيمان

في حين أن كل هؤلاء السفلة

يتظاهرون بأنهم ينعمون به

لِمَ أشعر أنني أخرس وأنهم لا يسمعون؟

لم أطلب معجزة

أردت أن أصبح طائرا

فلماذا يحدق بي هذا العالم

كفوهة بندقية؟

أردت أن أصبح شجرة

فلماذا تنهال عليّ كل هذه الفؤوس؟

أردت أن أصبح أشياء كثيرة

لكنني عاجز يا الله

عاجز كرماد

لا هو يدفئ ولا يضيء!

تغيير المصير

ينتمي الرحيل إلى جيل شعري وثقافي من الخليج يحمل سؤاله الشخصي، ووعيه الخاص، وقضيته المستقلة، ويرى لدى بعض من أبناء هذا الجيل الجديد بأنه من الطبيعي جدا أن يقفزوا على التاريخ، وأن يتجاوزوا منصة الآباء الثقافيين الذين تحوّلوا إلى أيقونات شبيهة بالأصنام الثقافية. كما أن بعضهم يرى أن القضايا الأيديولوجية والقومية والوطنية ما هي إلا تحجيم للفعل الثقافي الذي يفترض به أن يتّسع.

يقول ضيفنا: الأجيال الشعرية السابقة قدمت الكثير. وما دمنا في مرحلة تشكيل هذا الجيل فنحن كما يقول برنارد شارتر أشبه ما نكون بأقزام جثمت على أكتاف عمالقة، لذلك نعتقد أننا نمتلك نظرة أعمق من نظرتهم. هذا ليس تصغيرا من شأننا بتاتا، إنما لكي لا يتمكن منا هذا الوهم ونعمل على خلق ملامح هذا الجيل بشكل أفضل. ربما ما يميز هذا الجيل أننا انتقلنا من دائرة القضايا القومية التي تحدّ منا إلى دائرة أشمل هي الإنسانية.

بعد سنوات قليلة من عمل فيصل الرحيل في الحقل الإعلامي بالكويت متنقلا بين قناة الصباح الإخبارية التي عمل بها مراسلا 2009 – 2011، وبين قناة البوادي التي عمل بها معدّا ومقدما لبرنامج حوار فكري بين عامي 2011-2012، تم إيقافه بعد أن عبّر عن رأيه في بعض القضايا العامة التي لم تكن متصالحة -على ما يبدو- مع الخطاب الرسمي. وعن تجربته في الحقل الإعلامي يحدّثنا ضيفنا قائلا: تجربتي الإعلامية لم تكن موفقة جدا، إذ تمّ إيقافي عن العمل بسبب بعض التغريدات المتعلقة بقضايا عامة. لا علاقة لها بالجهة التي أعمل لديها. حتى أنها لم تكن ضمن ساعات العمل الرسمية. لكن يبدو أنها لم تنل إعجاب من يعتقدون أن بإمكانهم شراء الآخرين بأموالهم. أعتقد أن هذه الحادثة تبيّن كم أنا متحامل في داخلي.

وعن الربيع العربي والحديث عنه، وعن دور المثقف، واستشرافه للأزمة على المستوى الشخصي والعربي يرى الرحيل أن الربيع العربي حمل أشياء كثيرة بالمعنيين الإيجابي والسلبي. يقول: إن الحديث الآن عن ملامح ما حملته هذه الثقافة لنا يبدو أمرا في غاية الصعوبة، فنحن نحتاج إلى فترة زمنية كافية حتى يتشكل هذا التكوين وتبدو للطينة ملامح. مما لاشك فيه أن الثقافة العربية تؤمل لنفسها بالكثير على كونها ساهمت بطريقة أو بأخرى في تهيئة المخيلة لعقود طويلة كي تقوم بفعل ما تراه مناسبا.

ويؤكد الشاعر أنه “يجب على المرء أن يبتعد مسافة كافية ليتمكن من الإحاطة بالمشهد فما بالك عند قراءته. ويعتقد الرحيل أن المشكلة تتجاوز المثقف، فثمة أمر ما في عمق هذه الثقافة لا بدّ من غربلته”، وما يعرفه جيدا أن “الأجواء التي نمرّ بها الآن ليست صحية، ما دمت لا تستطيع الإفصاح عما يجول في ذهنك بصراحة مطلقة، ففي المشهد العربي هنالك ما هو أخطر من تعسكر البعض وراء الطائفة أو العرق أو الدين، ألا وهو استغلال البعض حالة الفوضى لقولبة الآخر وفق موروثاته مهمّشا تلك المنظومة الفكرية التي ينطلق منها”.

وفي خاتمة اللقاء يحدثنا فيصل الرحيل عن طبيعة جماعة “الإزميل الثقافي” في الكويت التي يعدّ ضيفنا أحد مؤسسيها: جماعة الإزميل جماعة ثقافية تسعى إلى خلق الجمال الذي يغير شيئا في مصير المرء، أي إلى الاهتمام بالتفاصيل البسيطة الجميلة التي أصبحت أمرا مألوفا مع الوقت، لقد تأسست بهدف احتضان كل مبدع لم يكن ينتمي إلى تجمع معين وينبذ هذا الفعل. لذلك فإن الإزميل فكرة، وكل من يشاركنا في الأمسيات التي نعقدها نعتبره عضوا في الإزميل.

15