فيصل الياسري بإشعاعه الثقافي عراقٌ على صورة إنسان

السبت 2015/01/24
الياسري فنان متعدد لم يعطه الوطن فرصة على مقاسه

بكثيرٍ من التندّر يروي فيصل الياسري الرحلة الأولى التي خرج فيها من العراق في العام 1952 بعد ثمانية عشر عاما من ميلاده، حيث انطلق من بيروت إلى نابولي الإيطالية في باخرةٍ قطعت به البحر الأبيض المتوسط بين ضفّتيه، مؤكدا أنه لم يلتفت إلى الخلف بل كان يفكّر في ما ينتظره هناك على الطرف الآخر للبحر.


الياسري يحاكي الآخر


ابن شيخ العشيرة الذي وُلِدَ في قرية أم عردة بالقرب من الحيرة العراقية حين داهمَهُ وقت الطعام على الباخرة جلس على الطاولة فوجد شوكات وسكاكين، فاحتار ماذا يفعل وكيف يبدأ الطعام وهو الذي اعتاد الأكل بيديه العاريتين، انتظر الشاب الريفيُّ بعض الوقت حتى أتى آخر فجلسَ أمامه وبدأ بحركات راقبها الياسري بنهمٍ وبدأ بتقليده.

محاكاة الآخر تلك، سيطرت على الياسري في بداياته ومن هنا ربَّما أتى اهتمامه بالتاريخ الكبير الذي عاشَ في المنطقة التي انتمى إليها فترةً طويلةً من الزمن، وربما كانت رغبته في المحاكاة هي التي دفعته إلى النمسا التي سافر إليها أصدقاؤه من الأعظمية في بغداد العاصمة. في فيينا كان قد خطّط لدراسة الطب البشري، وكانت أولى الحصص التي حاول حضورها التشريح البشري، وما إن خطا أولى خطواته هناك حتى أُغميَ عليه أمام جثَّةٍ لمجهول، فكانت الصدمة الأولى للثنائية التي يعيشها الإنسان بين الحياة والموت، ومن هنا أتى اهتمامه بكل ما تدبُّ فيه الحياة من نباتٍ وحيوانٍ وإنسانٍ يسعى بمشروعه التنويري الذي يطرحه من خلال أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف أنّه سيموت. لم يدم الحال طويلا حتى رحل عن الطب البشري ليدرس علم النفس ويبحر في النفس البشرية وكينوناتها الخفيّة، ولعلّ هذا ما يُبرِّر كتاباته الكثيفة عن الأنا الذاتية وسعيِه الدائم إلى صقل الروح العراقية أو إعادة بنائها بعد احتلال الكويت والخروج منها.


التلفزيون العراقي واستعادة الهوية


ولِدَ فيصل الياسري في العراق في العام 1933 وعاد إليه في العام 1991 بعد أن تنقل في العديد من البلدان، فهو ابن الريف العراقي والمدينة الأوروبية، حيث سكن في النمسا والريف الألماني، وحيث عمل في الصحافة الألمانية و تفوّق على أقرانه في تعلّم اللغة الجرمانية ويبرّر ذلك بقوّة اطّلاعه على اللغة العربية وسعته، الأمر الذي ساعده على البحث والتقصّي في اللغة الألمانية لتبقى العربية لغة روحه وقلبه.

التلفزيون العربي وفي مرحلة حساسة احتاج إلى رجل مغامر مثقف مثل الياسري، ليقدم أعمالا لا ينساها المشاهدون العرب من "حمام الهنا" الذي أطلق نجوم سوريا مثل غوار الطوشة وياسين بقوش وحسني البورظان، إلى "افتح يا سمسم"

في بداية التسعينات تم استدعاؤه على عجل، حيث كان يقيم في حي الجامعة بالعاصمة بغداد ليمضي إلى وزارة الإعلام ويلتقي مع حامد يوسف حمّادي الذي كان وزيراً للإعلام في ذلك الوقت، حيث بلّغه الأخير قرار القيادة العراقية بتكليفه بإدارة التلفزيون العراقي ليستثير النخوة في داخله حين أخبره أنَّ الوطن يحتاج إليه.

أعاد الياسري هيكلة التليفزيون العراقي كاملا وطرح برنامجه الشهير تحت اسم “الملف” الذي يقول عنه إنه بيان لما لحق بالانسان العراقي المدني جرّاء التدخل في الكويت، حيثُ يُتَّهَم الياسري بأنه وقف إلى جانب الاحتلال العراقي للكويت، بينما ينفي هو تلك التهمة جُملة وتفصيلا من خلال حلقاته التي قدّمها في “الملف” وبيّن فيها الحالة المدنية للمجتمع العراقي وتضرّرها جرّاء القصف الأميركي الذي طال كل مناحي الحياة التي بدأت بالانهيار منذ تلك اللحظة.

في برنامج “الملف” كان يعتمد على السرد اليومي للحرب العراقية. كما قام باستضافة وزراء عديدين، حيث ربطته علاقة صداقة مع طارق عزيز وكان الشارع العراقي ينتظر أن يكون الرئيس العراقي الراحل صدام حسين هو ضيف الحلقة الأخيرة من البرنامج ذائع الصيت، وهنا يروي الياسري كيف فوجئ بصدّام حسين يدخل إلى مبنى التليفزيون العراقي حيث أحدث جلبةً كبيرة، وهو ما استدعى خروج الياسري من مكتبه ليصطدم بصدام حسين في بهو المبنى وليطلب منه أن يكون ضيف الحلقة الأخيرة، فيما أبدى الأخير عدم رغبته في الظهور، ويرى كثيرون فيصل الياسري شيوعي النشأة بعثي الهوى، حيث يتّهمه نُقَّاده بأنَّه كان من كوادر حزب البعث العربي الاشتراكي، فيما ينفي هو ذلك قولا واحدا من خلال تاريخه الطويل والأعمال التي قدّمها مُتحدّيا.


فنان يؤمن بالثقافة التراكمية


فيصل الياسري الذي درس في النمسا وعاش في ألمانيا وقضى سنوات من عمره في مصر ودول الخليج العربي وأمضى في سوريا أحد عشر عاما، مستغلا كل تلك المعارف ليصهرها في ثقافته الخاصة، فهو نتيجة كل هذه الثقافات العميقة التي أعاد إنتاجها بلونه المميز، المعرفة لديه هي عملية تراكمية تحتاج وقتها الطبيعي لتنعكس على النفسية البشرية وهنا لابدّ من إيراد الموقف الذي تحدّث عنه المخرج العراقي ثائر عبد عن فيصل الياسري حين أتاهُ حاملا فيلما جديدا كمُخرجٍ شاب يحاول أن يخطو خطواته الأولى في عالم العمل الإعلامي الواسع، وقد صادف ذلك اليوم ذكرى ميلاد الياسري، حيث تجمّع الأصدقاءُ للاحتفال به، فما كان من الأخير إلا أن ترك كلَّ شيء وجلس يشاهد باهتمام وعناية الفيلم الذي يمتد إلى ما يقارب الساعة من الزمان، إلى آخر ثانيةٍ فيه، ليخبره بعدها ثائر عبد أنَّه اليوم وضع نفسه على الخط الصحيح، هذه الحادثة البسيطة ما هي إلا دليل على ذلك الفكر العالي والثقافة الاستثنائية اللذين يحملهما الياسري.

الياسري ابن شيخ العشيرة الشاب يخرج من العراق على متن سفينة تمخر عباب المتوسط، دون أن يتلفت إلى الوراء ماضيا في رحلة لم يكن يعرف عنها شيئا من تناول الطعام بالشوكة والسكين إلى جلسات التشريح والفنون

لم يأتِ الياسري إلى عالم الإعلام مُصادفةً بل ولجهُ عن سبق إصرار وترصّد، فهو الكاتب والمؤلّف والناقد والمترجم ومقدّم البرامج والإداري الناجح والمخرج فوق كل هذا، ولأنَّه وُلِدَ في جغرافيةٍ ضاربةٍ في التاريخ، فقد دعاه هذا إلى الغوص في الأعمال التاريخية كثيمةٍ قدّمها برؤيةٍ معاصرة عبر العديد من المسلسلات الدرامية التي قام بإخراجها، وهذا ما رسّخهُ كعلامةٍ فارقةٍ في عالم الإخراج العربي.


الياسري يطلق افتح يا سمسم


فيصل الياسري الذي حمل اسم أوَّل ملكٍ تُوِّجَ على عرش العراق سعى إلى أن يكون أميرا في صنعته من خلال ما قدّمه عبر تاريخه الطويل ومن خلال حِدَّتِه مع كل ما يتنافى مع قِيَمِهِ وذوقه العربي أولاً وأخيراً، يعيش حياته بفن الممكن، فهو الذي يقول إنه لا يتصرف كما يريد بل كما يستطيع وهذا ما ضمن له أن يعيش في عقول ملايين العرب من خلال عمله الشهير “افتح يا سمسم” الذي أرسى، بنسخته العربية، اللبنة الأولى التي ساهمت في تهذيب الذوق العام للطفل العربي مع مطلع ثمانينات القرن الماضي، وهذا ما انعكس في معظم أعماله الأخرى التليفزيونية وهنا نتحدّث عن فيلم “القنّاص” الذي تحدّث فيه عن الحرب الأهلية اللبنانية ومؤخّرا عمله السينمائي “بغداد حلم وردي” الذي استخدم فيه تقنية الديجتال، ليسبِقه قبل ذلك فيلم “الرأس” الذي تناول فيه بحرفيّةٍ عالية سرقة الآثار العراقية، وهذا يعكس اهتمامه بقضايا المجتمع الذي يعيش فيه ووطنه العراق.


العراقي يطلق نجوم سوريا


تركَ فيصل الياسري أثرا طيِّبا في كل الأماكن التي عاش فيها أو عمل فيها ولا ننسى أنّه عاش في ذاكرة العرب والسوريين من خلال عمله الشهير “حمام الهنا” الذي قدّم من خلاله نهاد قلعي ودريد لحّام في دراما رسخت في وعي العرب طويلا من خلال تعريتها الواقع الاجتماعي والأمني الهش الذي كان في قالب كوميدي، فالياسري يعرف كيف يُجمِّل الجراح ويعيد إنتاجها لتليق بالواقع وليقول ما يودُّ قوله عبر مشاهد مصفوفة ترسخ طويلا في ذاكرة المتلقي.

الياسري الذي حمل اسم أوَّل ملكٍ تُوِّجَ على عرش العراق سعى إلى أن يكون أميرا في صنعته من خلال ما قدّمه عبر تاريخه الطويل ومن خلال حِدَّتِه مع كل ما يتنافى مع قِيَمِهِ وذوقه العربي

الياسري الذي بدأ حياته العملية صحفيا مع نكبة فلسطين في العام 1948 ما يزال على قيد العطاء حتى اليوم من خلال إدارته قناة الديار الفضائية التي يملكها وتحمل اسم ابنه، الديار المشروع الذي توّجهُ الياسري بعد خبرته العمليّة والمهنيّة الطويلة، حيث عاصر المراحل التي مرّت بها الدول العربية في تطوّرها البطيء في العالم الإعلامي.

تجربة الياسري الطويلة بحاجة إلى التوقّف والبحث والتحليل لما فيها من محطّات يُمكِن الاستفادة منها عبر دروس واعية لأجيال عراقية وعربية، في كيفية العطاء واستمرار الإنتاج والمزيد من الطاقات الخلّاقة التي لا تتوقّف عن التدفق لرفد الوسط الثقافي والإعلامي بالعديد من الأفكار الجديدة سواءً تليفزيونيا أو سينمائيا أو وثائقيا أو نشرا عبر إصدرات تتنوّع في عالم الأدب بين الشعر والقصة والنقد، وحين نسمع من الياسري اعترافا يقول فيه إن الوطن لم يُعطهِ الفرصة التي على مقاسهِ أو تلكَ التي يستحق، نقف أمام مُفارَقَة عجيبة، فماذا لو تم منحهُ ما يمكِّنهُ من إنجاز كل ما يريد.

13