فيصل دراج: انتهى دور المثقف وتحول إلى متفرج حزين

الثلاثاء 2015/04/21
لا إمكانية لوجود المثقف في مجتمع يفتقر إلى التعليم والقيم الثقافية

هل هو قدر الإنسان المبدع العربي أن يظل باحثا عن نفسه بين الأقطار، بين هوج الأحداث وسرعتها وبين جراح تلد جراحا أخرى في طريقه، كلها مفتوحة كل جرح منها يقول له أنا أنت، جرح اسمه فلسطين آخر اسمه المنفى آخر يسمى سوريا آخر نحتته السلطة، وغيرها الكثير الذي يتوالد كل يوم من نسل بعضها تاركا هذا الباحث عن ذاته في زوبعة هي الضياع، ضياع تسرب إلى المنجز الأدبي العربي بدوره.

المفكر والناقد الفلسطيني فيصل دراج، لجأ من فلسطين إلى سوريا لتجبره الأحداث الأخيرة الدائرة بدمشق إلى البحث عن محطة أخرى من محطات اللجوء، "العرب" التقته للحديث حول شؤون الثقافة والمثقف والوطن العربيين.

المفكر والناقد فيصل دراج المولود في فلسطين عام 1943 درس الفلسفة في جامعة دمشق، ومن فرنسا حصل على شهادة الدكتوراه في موضوع الاغتراب كموضوع فلسفي متعدد المستويات عام 1974، صدر له العديد من الكتب أهمها “الواقع والأمثال”، “دلالات العلاقة الروائية”، “ذاكرة المغلوبين”، “الرواية وتأويل التاريخ”، “الحداثة المتقهقرة”.

وعمل بالتعاون مع آخرين على نشر إصدارات أدبية، نقدية وفلسفية، منها “تاريخ الأدب العربي الحديث”،”قضايا وشهادات”، “مرايا الفكر المعاصر”، “سلسلة حصاد الفكر العربي” وغيرها، فاز بجائزة الدراسات الأدبية والنقد2010- 2011، جائزة أفضل كتاب عربي سنة 2002 عن كتابه “نظرية الرواية والرواية العربية” وبجائزة الإبداع الثقافي لدولة فلسطين عام 2004.

اغتراب الروح

كان لا بدّ من استهلال الحديث مع المفكر والناقد الفلسطيني فيصل دراج عن علاقته بسوريا عموما وبدمشق تحديدا المدينة التي عاش فيها سنوات طوالا، وغادرها مرغما، بعد اندلاع الثورة السورية واعتماد الحل الأمني والتوغل في العنف من قبل النظام السوري.

يقول دراج: لم أدرك معنى “المأساة الفلسطينية” إلا في أزمنة متلاحقة، فهي لا تزال مستمرة إلى اليوم، ذلك أنني خرجت من فلسطين وأنا في الخامسة، ولم أتعرف على “أقاليم التجربة” إلا بمراقبة المخيمات وقراءة الأدب الفلسطيني. أمّا في ما يخص “المأساة السورية” فعرفتها عن طريق “التأسي” على أرض أعرفها، غمرها الدمار واجتاحتها الدماء.
الإعلام يقوم على إستراتيجية الصورة، ينتقي منها ما شاء مختارا الصدمة، أو الإثارة، بينما يذهب الأدب إلى الحقيقة

ويضيف: إنني أشعر الآن، وقد جاوزت السبعين، أنني لاجئ مرتين: لاجئ فلسطيني “ينتظر العودة” إلى وطن كان يدعى فلسطين، ولاجئ فلسطيني ـ سوري، احتضنته دمشق واحتضن دمشق في روحه، عرف شوارعها ولطف أهلها وعاش مع أصدقاء ينتمون إليها. عشت في علاقتي مع فلسطين، معنى الاغتراب عن الوطن، إلى أن جاءت المأساة السورية وعرفت معنى: اغتراب الروح، فكل ما في دمشق يسكنني، وكل ما أصاب، ويصيب السوريين، يؤلمني إلى حدود البكاء. الشعب السوري شعب عادل، اصطدم بأقدار غير عادلة. ربما كنت فلسطينيا “تأقلم” مع مأساة اخترقت حياته وانتظر وعودا، في حين ان المأساة السورية تخترق حياته كل يوم. لولا سوريا لما تعلّمت ما تعلمّته، ولولا “عبث الأقدار”، لما عرفت أن “غوطة دمشق” اجتاحها الحريق.

ولعل ما أصاب سوريا هو ما جعل من “المأساة” جزءا من منظوري إلى العالم، وأضعف ثقتي، وهي ضعيفة على أية حال بتلك الفكرة الغامضة التي عنوانها: العدالة الإنسانية في زمن الكآبة لا مجال لإعطاء إجابات واضحة.

ثقافة السلطة

“في الماضي كان عندي أمل بإمكانية الحوار بين المثقف والسلطة، حاليا هناك نوع من التداعي والانحطاط السياسي والثقافي والاجتماعي جعل هذه القضية غير مهمة أصلا” هذا ما قاله فيصل دراج حول علاقة المثقف بالسلطة السياسية قبل أكثر من أربع سنوات، واليوم يقول: حديث المثقف غامض ارتبط عندي بمقولات ثلاث: ولد المثقف العربي مع عصر التنوير العربي (1900ـ 1950)، الذي أقام علاقة تلازم بين وظيفة المثقف والدعوة إلى الاستقلال الوطني والمساواة الاجتماعية، والانفتاح على مستقبل متناتج التقدم والازدهار.

وارتبط، هنا المقولة الثانية، بالتحزّب السياسي، إذ لكل مثقف، مهما تكن أصوله الاجتماعية، فكر حزبي يقترحه بديلا سياسياـ اجتماعيا. وتقول الثالثة: لا إمكانية لوجود المثقف في مجتمع يفتقر إلى “التعليم” والقيم الثقافية.

الرواية العربية كتبت التاريخ المعاصر الذي لم يكتبه المؤرّخون

يؤكد ضيفنا أن المثقف العربي وُوجه، بعد قيام “دولة الاستقلال الوطني”، وبأشكال مختلفة ومتنامية بمقولات لم يتوقعها: استعاضت السلطة، وبشكل غامض وسريع، عن مبدأ التنوير بمبدأ مجرد، عنوانه “وحدة الشعب”، أو “وحدة الأمة”، معتبرة أن تأمين الوحدة المفترضة شأن سلطوي، يحتاج إلى أدوات أمنية، ولا يحتاج إلى الثقافة في شيء. ولهذا ازدهرت “محاربة الأمية” ولم يزدهر التعليم، وتكفل “الفكر الأحادي”، الذي تنتجه المدارس الرسمية، بتوطيد التلقين واستبعاد “الفكر الحواري”، الذي هو مبدأ تنويري، ولم يكن للأحزاب السياسية، في فضاء اجتماعي عنوانه “الواحد” موقعا، وتحوّلت إلى استطالات فولكلورية. أنتجت محاربة الأمية، في مجتمع لا سياسة فيه، عقلا أحاديا، يجمع بين سياسة الإذعان والقدرية، بعد أن علّمته السلطات المختلفة أن مفهوم “السبب” لا ضرورة له. بدأ المثقف العربي بالنقد السياسي، وبعد هزيمة حزيران الكبرى 1967، انتقل من النقد السياسي إلى النقد الثقافي، وبعد أن تعالى “تراكم الصمت” في فضاء معاد للديمقراطية. مع مطلع تسعينات القرن الماضي، ابتعد، بنسب مختلفة، عن النقد وانصرف إلى مهنة الكاتب. مع ذلك فإن الأمر لا يخلو من “مأساوية طريفة”، ذلك أن بعض المثقفين اكتفى بانتظار المستقبل و”مشاريعه الكبرى”.

المثقف المتفرج

يوصّف الدكتور درّاج علاقة المثقف العربي بالحراك السياسي والاجتماعي الدائر في المنطقة، قائلا: تتراءى علاقة المثقف بـ”الحراك الدائر في المنطقة” من خلال رصد النماذج الشهيرة للمثقف العربي: مثقف السياق “محمد عمارة على سبيل المثال”، الذي أصبح يساريا في فترة وقوميا في أخرى، وقوميا متأسلما في ثالثة، وهناك المثقف ـ الداعية الذي يكتفي بشعارات كبرى عن الوحدة والقومية وتحرير فلسطين، دون أن يلامس القضايا المعيشة.

وهناك حالة أخرى: المثقف الشعبوي الذي يمشي وراء “الرغبات الجماهيرية”، التي تحدّدها القنوات الفضائية، معتقدا أنه يلغي المسافة بينه وبين الناس.
لم يكن بإمكان هذا المثقف أن يلعب دورا في حياة الناس، قبل الحراك أو بعده، ولم يهجس أصلا بمثل هذا الدور، بعد أن غابت الأحزاب السياسية، وأصبحت القنوات الفضائية هي الناطق الفعلي باسم أشياء كثيرة. يقال: لا يستطيع قراءة العمل الفني إلا من تلقّى تربية فنية، الجملة التي يمكن أن تصاغ بأشكال أخرى: لا يتعامل مع الثقافة إلا إنسان عرف “التربية الثقافية”.

هذه التربية التي عملت الأنظمة العربية، موضوعيا على استئصال جذورها. ومثلما يمكن التمييز بين “المجتمع الديمقراطي”، وهو تعبير مجرد، و”ديمقراطية المجتمع”، وهي إشارة إلى أنماط من التربية العقلانية السياسية، يمكن التمييز بين “المجتمع المثقف”، وهو تجريد آخر، و”ثقافة المجتمع”، التي تحيل إلى السياسات المدرسية والإعلامية واللغوية، وهذه السياسات، في العالم العربي، طاردة للثقافة ولما يدعى بالمثقفين.

يشير الناقد إلى أن “الحراك العربي” يفسّر بآثار “الحس العام”، الذي يوقظ في الإنسان معنى الحرية والكرامة والعدالة، وبمقارنة هذه القيم مع حياته اليومية التي تفتقر إليها. غير أن هذا “الحس العام” يحتفظ، لزوما، بأبعاد غيبية ولا عقلانية، وبأبعاد مستقاة من “التربية السلطوية”، تحتكم إلى الخوف والعنف. إضافة إلى أن الأنظمة العربية لم تقبل بمفهوم “الهيمنة”، القائم على حوار “ما بين السلطة والشعب” وارتضت مرتاحة بسياسة” القمع”، التي تعيّن إرادة الحاكم وحده مرجعا للشعب وحاجاته، بعد “حياة سلطوية” عمرها حوالي خمسين عاما انتهى دور المثقف، وتحوّل إلى “متفرج حزين” على الحراك الشعبي القائم.

الأدب الفلسطيني لم يعط روائيين كبارا، لكنه أعطى روايات كبيرة، على مستوى المنظور والبنية واللغة معا
حسب المفكر والناقد فيصل درّاج فإن مشروع “قضايا وشهادات” في النقد، العقلانية، الحداثة، التنوير، المواطنة والديمقراطية، نشأ نتيجة حوارات طويلة بينه وبين عدد من المثقفين العرب، وصدرت منه ستة مجلدات، جاءت تعبيرا عن أزمة إلا أنها انتهت، “بسبب غياب القارئ الفاعل الذي يسنده، وبسبب حصاره، أو قمعه ومنعه، في معظم الدول العربية، سواء بشكل مباشر، أو من خلال تعقيدات رقابية تمنع عنه الحياة. وبما أن الهزيمة العربية، الممتدة من الخامس من يونيو 1967 حتى اليوم، هزيمة ولود ومتناتجة، فإن الظرف الذي ألغى “قضايا وشهادات” لا يزال قائما.

ويضيف محدثنا: هناك بداهة “الحراك الشعبي” وتطلعاته، والذي يمثّل “قيما ثقافية في حالتها الأولية، أو في حالتها الخام، التي لن تتبلوّر إلا بعد زمن.

أكثر من ذلك إن العمل التنويري المنشود لا يمكن الذهاب إليه دون انفتاح على الناس وعلى حاجاتهم اليومية، فالإنسان الباحث عن الرغيف، أو الذي دمّره القمع، لا يقبل إلا بقضايا منبثقة من حياته بعيدا عن “التربية الكتبية” التي لا تفضي إلى شيء، أو إلى شيء واهن يحتاج إلى تراكم طويل.

روايات القهر

يعتبر درّاج أن النتاج الروائي العربي أقرب ما يكون إلى الوثيقة التاريخية، وانطلاقا من الرواية الفلسطينية، كون فلسطين قضية العرب التاريخية، مرورا بالرواية العربية والرواية السورية، في زمن الربيع العربي، يقول: النتاج الروائي العربي أقرب إلى الوثيقة التاريخية لأنه تعامل مع الأساسي المسيطر في الحياة العربية أي: تسلط الأنظمة على “رعاياها”، الذي استهله نجيب محفوظ في “أولاد حارتنا”، واستمر في أعمال “تلاميذه” جمال الغيطاني وصنع الله إبراهيم ورضوى عاشور وغيرهم، ثمّ استمر في أعمال غير مصرية.

يواصل قوله: ولعل التعامل مع المعيش اليومي، المقهور سلطويا، هو الذي أعطى الروائي العربي، وبجدارة دور المؤرخ وعالم الاجتماع و”عالم السياسة إن صح القول.

بالنسبة إلى الرواية الفلسطينية فإن توصيف “الوثيقة” أخذ شكله الأكثر تكاملا في ثلاثة أعمال: “رجال في الشمس”لغسان كنفاني، التي تعاملت مع مجاز “العار”، حين أكدت أن الخروج من الوطن طريق مباشر إلى الذل والهوان والمهانة، أي “العار” بالمعنى الواسع، وهناك عمل إميل حبيبي “الوقائع الغريبة”، الذي تعامل بشكل ساخر مع المأساة، لكنه رأى، من وراء هذا الساخر عمق المأساة المتمثلة في عنف المشروع الصهيوني، الرواية الثالثة هي “سأكون بين اللوز” للراحل حسين البرغوثي الذي آمن “بقوة الذاكرة” واعتبرها سلاح المستضعفين “الكبير”، فهي تقاوم النسيان وتقاوم معه العدو الصهيوني.

في رأي محدثنا لم يعط الأدب الفلسطيني روائيين كبارا، لكنه أعطى روايات كبيرة، على مستوى المنظور والبنية واللغة معا. وهو لا يعتقد أن الكلام عن العلاقة بين الرواية العربية و”الربيع العربي” له معنى دقيق، ذلك أنها رأته قبل أن يأتي، وارتبطت به سواء أحالت إليه أم لا.

الكتاب يسعى إلى حوار مع الثقافة العربية الحديثة

كانت هذه “الرؤية-الرؤيا” ماثلة في وصف المعيش بشكل موضوعي، فالموضوعية جزء من الثورة، رغم غرابة العبارة، استشرف منيف ما سيأتي، وهو يصف هوان الإنسان في الحياة اليومية في روايته “شرق المتوسط”، وكذلك الغيطاني في رائعته “الزيني بركات”، ومحمد البساطي الذي رسم تداعي الحياة اليومية، وكذلك إشارات ممدوح عزام في “قصر المطر”، إضافة إلى الرهافة الأدبية التي وصف بها خليل صويلح الحياة اليومية، وذلك النثر البديع الذي وضعه في روايته الأخيرة عن الخابور والفرات والجزيرة كما كانت، ويذكر رواية “حراس الهواء” للروائية روزا ياسين وأعمالا أخرى…

يسترسل درّاج قائلا: مع أعمال ممدوح عزام وخالد خليفة وخليل صويلح وفواز حدّاد دخلت الرواية السورية إلى طور جديد من تشكلها الفني ومنظور العالم في آن، بعيدا عن تجريد ينقذف إلى جميع الجهات ويتطيّر من الاقتراب من الحياة اليومية.

إضافة إلى أن الروائي الجدير باسمه لا يتعامل مع “ما يقع”، بل يراه قبل وقوعه، أذكر هنا رواية “جرماتي” لنبيل سليمان، و”وليمة لأعشاب البحر” لحيدر حيدر.

نحن في زمن الملتيميديا التي يعتبرها البعض وسيلة ناجعة لتأريخ المرحلة الراهنة، كذلك ينظر إليها الناقد فيصل درّاج لكن بشروط.

يقول: الملتميديا وسيلة ناجعة لتأريخ المرحلة الراهنة، شريطة أن تقرأ بمنظور يغاير منظورها، يستطيع ملامسة المسكوت عنه، وينتقل من “العرض” إلى “التحليل”، فالخبر الإعلامي لا يستطيع الدخول إلى العالم الداخلي للإنسان المقهور.

يقوم الإعلام على إستراتيجية الصورة، ينتقي منها ما شاء ويعيد تركيبها، مختارا الصدمة، أو الإثارة، أو السبق الصحفي، بينما يذهب الأدب، إن كان جديرا باسمه، إلى الحقيقة.

في مرحلة سابقة أي مرحلة النزوع القُطري كان هاجس المثقف هو البحث عن الهوية العربية، والآن أصبح لكل دولة عربية عدة هويات وأصبح النزوع أقلياتي فئوي ضمن القطر الواحد، ويرى الدكتور دراج أنه “لا يسأل الإنسان عن هويته العربية، إن صحّت التسمية، إلا إن كان متأكدا من تحقق هويته كإنسان، له حقوق وأحلام ورغبات والسؤال بسيط إذا قرئ بشكل صحيح. يقال: لا وجود لهوية إلا في مواجهة أخرى، غريبة أو غازية أو محتلة.

ولكن ما هي هذه الهوية التي واجهها الإنسان العربي منذ هزيمة العرب أمام إسرائيل في عام 1967؟ إنها “هوية السلطة”، كما لو كان على الإنسان العربي أن يواجه السلطات المختلفة، قبل أن يواجه الهوية “الخارجية” التي تهدّد وجوده.

“الإنسان أثمن رأسمال”، هكذا تقول كتب الفلسفة. إلى أين وصل “ثمن الإنسان العربي”؟ والإنسان طاقة مبدعة: هل وجد الإنسان العربي، منذ قيام دولة إسرائيل، واقعا يسمح له بالإبداع، وما هو التعريف الدقيق “للإبداع الذي تسمح به السلطات العربية”؟.

15