فيصل سمرة رائد سعودي بهوية عالمية

الأحد 2017/12/17
فنان متمرد يغلب الشك على اليقين

ما علاقة الفن بالاحتباس الحراري؟ لا بأس. هناك قدر كبير من السخرية المحتملة حين يتعلق الأمر بواجب الفن في الدفاع عن المعنى العميق والغامض لإنسانيته.

لقد عرف الإنسان دهورا من الانسجام مع الطبيعة كان الإنصاف عنوانها، غير أن كل ذلك دمرته الفوضى، العلم بشهوته لاحتواء كل شيء من جهة ومن جهة أخرى طمع الإنسان في أن يكون هو السيد المستبد. الفن وحده بقي خارج السيطرة.

فنان متعدد التقنيات

فيصل سمرة صاحب فكرة العرض الفني “الاحتباس الحراري” عام 2015 فنان سعودي بهوية عالمية. معاصرته لا تنطوي على أية ضغينة يخفيها لما صار اليوم جزءا من حداثة مغلقة على أساليبها وتقنياتها.

لم يُحرم سمرة وهو فنان مفاهيمي نفسه من متعة أن يكون فنانا تقليديا، وهي لعبة أخرى سعى من خلالها الفنان إلى أن يجر المتلقي إلى موقع لن يكون التأمل فيه ممكنا.

تجربته في الرسم كانت هي الأخرى نوعا من الممارسة المفاهيمية. يحضر اسمه كلما كان الحديث عن الفنون المعاصرة جادا وضروريا.

تأخر العرب في اكتشافه. هذا مؤكد وهو الذي عرف الطريق إلى صالات العرض العالمية قبل أن تلتفت إليه الصالات العربية. لقد حظي فنانون عرب معاصرون أقل منه أهمية بالاهتمام أكثر منه، غير أن ذلك لا يمنعه من القول “أنا أحلق بجناحين، عربي وعالمي”.

أهمية تجربته الفنية تكمن في إخلاصه لتجربة العيش المباشر وتفكيك عناصر السلطة السياسية بدءا من اللغة وانتهاء بالرمزية الشعبية المتخيلة مرورا بأدوات الحكم وفي مقدمتها الدعاية.

ولأن سمرة يلجأ في تنفيذ أفكاره إلى كل ما تعلمه من تقنيات معاصرة فإن أعماله تتوزع بين الفوتوغراف وأفلام الفيديو والرسم والتجهيز والأداء الجسدي، غير أن المفهوم بقوته الإيحائية يبقى هو المركز الذي تتمحور حوله الممارسة الفنية.

يلفت سمرة أنظارنا إلى أن هناك ما يجب أن يُقال خارج ما تقوله الأشكال الفنية التي يمكن أن تلهم بصريا ما لا تضمره. وهنا يحل الغضب ممزوجا بقوة السخرية.

فيصل سمرة صاحب فكرة العرض الفني "الاحتباس الحراري" سعودي بهوية عالمية. معاصرته لا تنطوي على أية ضغينة يخفيها لما صار اليوم جزءا من حداثة مغلقة على أساليبها وتقنياتها

حياة آسرة وحرة

ولد سمرة من أب سعودي وأم بحرينية في المحرق البحرينية عام 1956. درس الفن في المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة بباريس وتخرج منها عام 1980. حين عودته إلى بلده عمل مصمما للديكور في التلفزيون السعودي لعامين، بعد ذلك عاد إلى باريس ليكون مستشارا للفنون الجميلة في معهد العالم العربي. بعدها تفرغ لفنه متنقلا بين باريس والمنامة.

وإذا ما كان هناك من مؤشر خصوصية واختلاف فإن العودة إلى عام 1985 تضعنا عند بدايات تحرر الفنان من هيمنة التقاليد المدرسية عليه. يومها غادر سمرة مفهوم اللوحة المقيدة بإطارها وصار يغرف إلهامه من خيال اللوحة السائبة التي تعلّق على الجدار ولا تكون جزءا منه أو زينة له.

في معرضه الذي احتضنته قاعة “ايتيان دينيه” بباريس عام 1989 كانت لوحاته مصنوعة من مادة الكتان المعالج بما يجعله شبيها بخيام البدو. وهي طريقة في التعبير عن الهوية بطريقة معاصرة.

أواسط التسعينات من القرن الماضي انتقل سمرة إلى فن الفيديو شعورا منه بأن ذلك الفن هو الأكثر قدرة على استيعاب فكرة التحولات، تحولات الكائن البشري عبر مسيرته الحافلة بالمغامرات الحسية والذهنية.

كان سمرة يفكر بطريقة صادمة؛ يفكك الظاهرة المرئية ويعيد كل عنصر من عناصرها إلى مصادره في الثقافة الأسطورية.

المفهوم بقوته الإيحائية يبقى هو المركز الذي تتمحور حوله الممارسة الفنية

عرض عام 2005 سلسلة “الواقع المحرف” وهي عبارة عن فيلم تم تصويره بتقنية الفيديو واقتطعت منه صور لتعرض بطريقة مكملة. لقد كان الفنان، ولا يزال، مسكونا بفكرة الحروب التي تفقد البشر رؤوسهم واقعيا وذهنيا. حين إقامته الفنية في مدينة الفنون بباريس عام 2010 انتقل الفنان إلى مرحلة النص-الصورة وهي مرحلة تعتبر بداية لافتة لما حدث بعدها من اهتمام عميق أظهره الفنان بالشأن السياسي منسجما مع شغفه الأصلي في إنتاج فن اجتماعي.

“مقاومة” كان عنوان مشاركته اللافتة في آرت دبي عام 2011. عام 2013 احتضنت قاعة أيام بجدة معرضه “مجاز” وقد أقامت له القاعة نفسها من خلال فرعها اللندني معرضا بعنوان “البناء والهدم وإعادة البناء” عام 2014. أما “الاحتباس الحراري” فكان معرضه في البحرين عام 2015.

“أريد أن تتحلى مواضيعي بمداخل وطبقات متعددة وأن تقرأ بطريقة حارقة ومباشرة ولكن أيضا بطريقة فلسفية روحية” يقول فيصل سمرة. في معرضه اللندني “بناء. هدم. إعادة بناء” يظهر الفنان في فيلم وهو يحطم كرسيا، وهو رمز الحكم. وإذا ما كان في معرضه الاحتباس الحراري قد سخر مما سمي بالربيع العربي فإنه في ذلك المعرض ينهي الحكاية الرسمية بمشهد تحطيم الكرسي فلا شيء يبقى. لا شيء من شأنه أن يشير إلى السلطة. وليس هناك سوى الفوضى.

ما لا يمكن رؤيته وسط أكاذيب السياسة يؤكده الواقع. لقد سقطت أنظمة الحكم غير أن فكرة السلطة سقطت معها ولم يعد هناك شيء. يقود الفنان قطيعته من الماضي إلى المستقبل مرورا بالحاضر.

يحلل سمرة ما جرى للعراق منذ عام 2003 فينتهي إلى ذلك اللاشيء الذي توقعه ولن يكون ذلك اللاشيء سوى حطام كرسي.

فن هو ظاهرة استثنائية

فنان متمرد غير أنه يائس وفي مكان آخر يمكنه أن يكون حالما غير أنه في الحالين يظل ممتنعا عن القبول بالصور التي يفرضها الواقع، صور مضللة لا تصلح سوى أن تكون موقع سخريته. ما يكذبه الواقع لن يصدقه الفن. فالعمل الفني بالنسبة لفيصل سمرة في جانب من جوانبه هو وثيقة وإن كان مصدرُها خيالا منفصلا عن الواقع.

خيال منفصل عن الواقع

وهو ما يعني أن الفن ينجز تاريخا مجاورا للأشياء والوقائع والشخصيات. لا يقدمها مثلما هي بل بما ستكون عليه. مهمة تتطلب الكثير من التأمل الفلسفي. وهو ما تعلمه سمرة من عزوفه عن القبول بجماليات الواقع واهتمامه بالفلسفة الحديثة.

يقول الفنان “حقلنا البصري منتهك ومشبع بالصور، إلا حين تذهب إلى الصحراء. ولكن حتى هناك يمكن التشويش على الطبيعة. فيض الصور والأكاذيب يخنقني. وشخصياتي تتمرد على زمننا وتحاول صد الصور الإعلامية التي تتحكم بها وتحجب رؤيتها”.

يطرح سمرة من خلال أعماله التفاعلية نموذج الفنان-المفكر وهو نموذج يضع فنه في إطار الظاهرة الاستثنائية في تاريخ الفن بالمنطقة.

يصل فيصل سمرة إلى فكرته مباشرة من غير تعقيد. بساطة أعماله، قليلة المفردات صادمة وتبعث على الشك في ما يمكن أن يكون يقينا خارج العمل الفني. عن طريق ذلك الشك الصادم ينقل الفنان المتلقي إلى منطقة غير مستقرة، منطقة شبيهة بتلك التي ينتمي إليها العمل الفني.

ولأن أعمال سمرة لا تنطوي على لذائذ جمالية خفية فإن لعبتها ذات البعد السياسي لا تمر بالحواس المباشرة بقدر ما تدفع إلى التفكير. يقف المرء أمام ثلاث صور لزوجة الفنان أثناء مرضها؛ قبل العلاج وأثناءه وبعده. ثلاث صور للمرأة نفسها في ثلاث حالات. وهي حالات يعيشها بشر يختلفون في ردود أفعالهم.

عن طريق البساطة يستدرج الفنان متلقي أعماله إلى موقع يكون فيه سؤال من نوع “ما الهدف؟” ضروريا لينسى ذلك المتلقي ثنائية الفن واللافن التي تشكل بالنسبة للكثيرين عقدة تمنعهم من فهم مغزى التحول الذي تنطوي عليه الفنون المعاصرة.

فيصل سمرة سبق جميع فناني العرب المعاصرين في انفتاحه على فكر ما بعد حداثة. رائد من نوع مختلف. ريادته لا تزال في طور التشكل. ذلك لأنها تمهد لطريقة تفكير في الفن لا تزال غامضة بالنسبة للكثيرين.

9