فيصل كرامي الوريث طريّ التجربة وتحدّي الزعامة

الأحد 2015/01/25
شاب يمشي بين حقول الألغام اللبنانية والإقليمية

حين يولد المرء لأسرة سياسية في لبنان، يرافقه الثراء والشهرة منذ نعومة أظفاره، وتحيط به التوقعات، وهي عبء بقدر ما تشكل نعمة. إذ يكون عليه، حتى وهو طفل ينطق بكلماته الأولى، أن يثبت الذكاء والفطنة وسرعة البديهة والقيادة بالفطرة. في ما يُسمى البيوتات السياسية، يُعتبر كل ذكر وريثاً مفترضاً للوالد أو الجد، فالسلالة لا بد أن تستمر، ومعها مجد الزعامة.

صحيح أن الحياة السياسية في لبنان شهدت صعود أسماء لا تنتمي إلى نوادي العائلات العريقة، قبل الحرب وأثناءها وبعدها، لكن غياب الأحزاب الجامعة ذات الخطاب العابر للطوائف والمذاهب أبقى النشاط السياسي والنيابي حكراً في معظمه على زعماء البيوتات أو من يمثّلهم، وعلى الأثرياء من خارج هذا التصنيف.

ولعل الظاهرة التي شكلها رفيق الحريري أرست نموذجاً سار عليه كثيرون من رجال الأعمال، بعضهم نجح وأخفق آخرون. فالعوامل التي تضافرت في شخصه وامتداده العربي والإقليمي والدولي والتي قلّما توفرت لدى سواه، تثبت أن ليس كل قطب مالي يستطيع أن يكون زعيماً سياسياً، تماماً كما ليس كل وارث سياسي أهلاً للمسؤولية.

وإذا كان البعض يربط العائلات السياسية بممارسات الإقطاع، مركّزاً على جوانب الثراء الفاحش والشح في تأمين الخدمات للشعب، وهي مفاهيم عفا عليها الزمن، فإن آخرين يتناولون زاوية أخرى. ففي نظرهم إن تلك الأسر، ولو تراجع دورها، شديدة الالتصاق بتاريخ البلاد الحديث، من زمن المتصرّفية، إلى دولة لبنان الكبير والانتداب الفرنسي، وصولاً إلى الاستقلال. وهي بهذا المعنى وطنية أصيلة، لم يبتدعها النفوذ المصري في الحقبة الناصرية، ولا الوصاية السورية، الظاهرة أو المستترة، في عهد آل الأسد.

ولا يمكن الحديث عن لبنان من دون ذكر آل كرامي، سواء لناحية الزعامة السياسية أو الدينية. تماماً كما يصعب استحضار أحدهم بلا لقب “الأفندي”، وهي كلمة تركية يونانية الأصل تعني السيّد. إنهم إذن من أهل الإقطاع، لكنه إقطاع غير تملّكي كما هو حال آل جنبلاط والأسعد وسواهم.

فيصل كرامي يعلم جيدا أن من يراهنون على فشله يعادلون الواثقين بنجاحه. فقد ورد في التسريبات أن شقيقه خالد يزاحمه، وأن عمه معن لم يكن يحبذ اختياره. بينما قريبه النائب أحمد كرامي يحظى بموقع على الساحة الطرابلسية ويستطيع منافسته


فيصل آخر العنقود


مطلع هذه السنة ودّع لبنان رئيس الوزراء الأسبق عمر كرامي، نجل الشخصية التاريخية عبدالحميد، وبايع المناصرون في طرابلس ابنه الأصغر فيصل زعيماً لقصر كرم القلة.

لم يكن الأمر مفاجئاً، فعمر كرامي انسحب طوعاً من الحياة السياسية عام 2009، ربما لأنه خبر أكثر من سواه سوء الطالع المتمثل في الاستقالة مرّتين، وليمهّد الطريق لوريثه المختار فيصل وليس ابنه البكر خالد، مثلما كان هو خلفاً لشقيقه رشيد وليس أخاه الأكبر معن.

غير أنه، ورغم اعتكافه، كان المرشح الطبيعي لتولي رئاسة الوزراء عام 2011 بعد إزاحة سعد الحريري بتفجير حكومته من داخلها. لكن الأمر لم يتحقق، فبعدما روّج حلفاؤه في المحور السوري لاسمه، تذرّع الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله بصحته كمبرّر للتخلي عنه والإتيان بابن آخر لطرابلس هو نجيب ميقاتي الذي يرتبط بصداقة شخصية مع بيت الأسد.

فرد “الأفندي” في مؤتمر صحافي، بما يُعرف عنه من ظُرف مبطن بالحدة: “استمعت للسيد حسن في الخطاب الذي رثاني فيه، واليوم أنا أمامكم وأستشهد بكم كإعلاميين، فهل ترونني مريضاً. على أيّ حال، نحن للنفس الأخير في خدمة هذا البلد”.

وبعبارته تلك وجّه كرامي رسائل في أكثر من اتجاه. إذ كان يُعلن أنه لو عاد للحكم، فهو لا يسعى إلى مجد زائل، بل لتحقيق مصلحة وطنية وتنفيس الاحتقان السُنّي الذي أعقب انهيار حكومة الحريري. وهو كان بذلك وفياً لوصية والده عبدالحميد له ولشقيقيه بأن “حافظوا على لبنان واستقلاله”.

صحيح أن الأخوين كرامي تحالفا مع النظام السوري، لكنهما احتفظا لنفسيهما بهامش للتحرك. ويُسجّل لعمر كرامي أن استقالته في 28 شباط 2005 في جلسة مساءلة لحكومته، فاجأت حلفاءه قبل معارضيه.

لم يُخفِ حينها تأثره بكلمة النائبة بهيّة الحريري، وقال: “لا أتحمل دم رفيق الحريري، وأنا حريص على ألا تكون الحكومة عقبة أمام ما يرونه خير البلاد”. وردُّ كرامي على نصرالله، وإن اتخذ طابعاً مرحاً، حمل في طياته تأكيداً بأن التزامه تحالفاته لا يعني أنه ورقة تُشهَر تارة وتُحجَب طوراً، فهو نجل عبدالحميد كرامي الذي سمّته طرابلس مفتياً عليها وكان في التاسعة عشرة، وهو النائب الوحيد الذي اقتادته سلطات الانتداب إلى السجن عشية الاستقلال. هو ابن عبدالحميد الذي عارض شاباً دولة لبنان الكبير، مصرّا على الوحدة مع سوريا، فإذا به ينهي حياته موصياً بالحفاظ على لبنان.

عاصر فيصل كرامي الكثير من تلك الأحداث، وقد دخل حكومة عام 2011 التي لم يشكّلها والده، بصفة وزير للشباب والرياضة، فكان ذلك اختباره الحقيقي الأول. وهو وقف عام 2013 إلى جانب أبيه وشاهده يصرّح بعيون دامعة بعد نجاته هو من إشكال فردي تطور إلى محاولة اغتيال، إن الحادث “ابن ساعته”، و”نُصِرّ على البقاء مع خيارات الدولة، وخللي الدولة تصطفل”. أما فيصل فقال لاحقاً: ”لن أقوم بأيّ ردّ فعل مع أنني قادر على ذلك”.

الابن الشاب الذي يُتمّ في أيلول عامه الرابع والأربعين، وإن ذهب إلى موقف والده، فإنه يختلف عنه في آلية التعبير. هو طبعاً أقلّ صبراً، ويعتبر البعض أنه يفتقد إلى الحنكة. يشير هؤلاء إلى المناسبات القليلة التي تصرف فيها بمعزل عن أبيه، كمثل قضية تعرّي المتزلجة الأولمبية جاكي شمعون، وردّه على وزير الصحة الحالي وائل أبوفاعور الذي يقاربه سناً بتناول الكنافة من مطعم شهير أظهرت الفحوص مخالفته الشروط الصحية. وفي المقابل، ثمّة من يعتبر أن كرامي كان يدافع عن “سُمعة” لبنان في قضية الرياضية، وعن “سُمعة” طرابلس الشهيرة بحلويّاتها، وأنه بذلك كان يثبت لأبناء مدينته أنه سيدافع عنهم ظالمين أو مظلومين، وهذا من سِمات الزعامة.

آل كرامي لا يمكن الحديث عن لبنان من دون ذكرهم، سواء من ناحية الزعامة السياسية أو الدينية. فهم أهل الإقطاع، لكنه إقطاع غير تملكي كما هو حال آل جنبلاط والأسعد وآخرين


إرث ثقيل


في كل الأحوال، كل ما تقدم ليس معياراً للجزم في كيفية أداء كرامي مستقبلاً، وقد انتقل من مرحلة نجل الزعيم إلى سدّة الزعامة. وهو يُدرك أن استمرار البيوتات السياسية ليس من المُسَلَمات، وتاريخ طرابلس يشهد انطفاء دور آل المقدم الذين كانوا المنافسين الأُوَل لآل كرامي.

وكذلك تراجع مكانة آل الجسر الذين خرج منهم الشيخ محمد، العالِم الذي عارض الوحدة مع سوريا وتبنّى مشروع لبنان الكبير، والذي ترشّح للرئاسة عام 1932، وحظي حينها بتأييد نواب موارنة، الأمر الذي دفع المفوضية الفرنسية السامية إلى تعليق الدستور لتعطيل وصول مُسلم سنّي إلى الرئاسة، وقد شكّل ذلك مقدمة لتكريس طائفية المناصب.

ويعلم فيصل أن من يراهنون على فشله يعادلون الواثقين بنجاحه. وورد في تقارير في صحف لبنانية أن شقيقه خالد يزاحمه، وأن عمّه معن لم يكن يحبّذ اختياره. وهو لا يجهل أن قريبه النائب أحمد كرامي صاحب موقع على الساحة الطرابلسية ويستطيع منافسته.

صحيح أن الأيام المئة الأولى لأيّ حُكم جديد تُسمّى عادة “فترة سماح” لارتكاب الأخطاء وتلمّس الطريق، لكن يبدو أن فيصل مصمم على تجاوزها. فبُعيد الانفجار الذي استهدف جبل محسن، سارع إلى الدعوة إلى الهدوء والوعي وحماية المدينة من المخططات القديمة-الجديدة للفتنة المذهبية، وخُيّل إلى كثيرين أن عمر يتحدث بصوت خلفه.

وإذا كان وداع كرامي شهد تنافساً بين “تيار المستقبل” وميقاتي على الإشادة بالفقيد والتقرب من الوريث في محاولة واضحة لاستقطابه إلى هذه الجهة أو تلك، فإن فيصل أظهر ذكاء في النأي عن صراع الفريقين اللدودين، ولكل منهما حضوره في طرابلس.

وكانت مقابلته الإعلامية الأولى مع موقع “لبنان 24” الإخباري الموالي لميقاتي. وممّا سئل عنه وقتها هل يتحالف مع “المستقبل” في الانتخابات المقبلة؟ مع العلم أنها مؤجلة بقرار التمديد النيابي الذاتي إلى عام 2017، فأجاب: “الحديث سابق لأوانه”. وإذ ألَحّ محاوره، هل سنرى اسمك على لائحة “الحريريين”؟ ردّ: “أتمنى أن نكون على لائحة طرابلس بحاجة للجميع”.

ولا يُنكر فيصل أن علاقته جيدة بـ”تيار المستقبل”، وقد كان سعد الحريري من أوائل المتصلين بعد محاولة اغتياله. ويقول إن التواصل معه كان شخصياً ثم صار هاتفياً لوجوده في الخارج، وهو يتم مباشرة مع مدير مكتبه وابن عمته نادر الحريري، و”هناك ود وكيمياء بيننا”. غير أنه يضيف: “أنا لستُ مع فكرة التموضع مع طرف ضد آخر، بل مع عدم عزل أحد. ورأينا سابقاً أن العزل في طرابلس أنتج مناكفات سياسية، وعلينا العمل لعاصمة الشمال وليس ضدها”.

الأشهر والسنون المقبلة ستحدد إذا كان فيصل سيُبقي ويتذكر وصيّة جده عبدالحميد بحماية لبنان ويعمل ليكون سياسياً قيادياً وحليفاً نداً لا تابعاً


ماض ومستقبل


ويقرّ فيصل أن المقارنة مع أبيه ستبقى موجودة، وهو لا شكّ يعي أنه ليس عمرَ، كما لم يكن والده عمَّه، ولا عمُّه جدّه. لكنه يتعهد بإثبات نفسه وتحقيق أحلام أبيه، وهذا تواضع يُسجل له. ويروي عن الراحل إنه كان يعلم أن في السياسة الكثير من المناورات والبيع والشراء، وإن البعض صدَمه. ويشير إلى أن عمّه رشيد قال لوالده قبل اغتياله بأيام: “إذا اقتنعت بأمر، لا تعدّل موقفك وسِر به حتى النهاية، وأنت ستكون الرابح”.

والتاريخ سيحكم على عمر بعيداً عن سوء طالعه. ولعل الإنصاف الذي لم يحصل عليه في حياته تجلّى في رثاء الخصوم قبل الحلفاء، وتسجيلهم له ممارسة الاختلاف باحترام. وهو بذلك كان يتبع نصيحة شقيقه ومدرّبه. والأشهر والسنون المقبلة ستحدد إذا كان فيصل سيُبقي تلك النصيحة نصب عينيه ويتذكر كذلك وصيّة جده عبدالحميد بحماية لبنان ويعمل ليكون سياسياً قيادياً وحليفاً نداً لا تابعاً، خصوصاً لو تمسك بما أعلنه عن الانفتاح والحوار وعدم التموضع، وهذا لا شك مكسبٌ لطرابلس والتنوع فيها، وتحصينٌ لتيارات الاعتدال السياسي والديني. حينها، يدخل هو التاريخ كشابٍ واعٍ صان زعامة عريقة من فخّ الزوال أو التقهقر.

7