فيصل لعيبي يستلهم فنون العصر الوسيط بلغة معاصرة

الجمعة 2017/09/29
مناخ للحب والخيال

بيروت – قدّمت صالة “آرت سبيس“ في العاصمة اللبنانية بيروت للجمهور اللبناني فرصة ذهبية ليتعرف من خلالها عن كثب، وليس من خلال الصور المنشورة في الكتب وعلى صفحات الإنترنت على الفنان العراقي فيصل لعيبي صاحي من خلال مجموعة أعمال فنية له تستسيغها العين ويحتفل بها العقل والقلب على السواء.

ومن المستحيل اختصار مسيرة الفنان في كلمات أو محطات فنية واضحة الحدود، ولكن من المؤكد اعتباره من أحد أهم أقانيم الفن العراقي الحديث والمعاصر.

وفي حين تميزت أعمال الغالبية الساحقة من الفنانين العراقيين بارتكازها الشديد على قاعدة أساسية في العمل التشكيلي جاءت معظم أعمال فيصل لعيبي صاحي، لا سيما تلك التي أنتجها منذ أواخر فترة الثمانينات من القرن الماضي وحتى الآن، مبنية على ثلاث قواعد مُجتمعة، وهي أولا التأثر الشديد بالتراث العراقي دون نقله بشكل ساذج أو مباشر إلى أفق لوحاته، وثانيا إنتاج “نسخة، حداثية متطورة للرؤيته الفنية وكيفية تحقيقها تقنيا ومعرفيا، وثالثا الالتفات إلى البيئة العراقية، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي منها نهل مواضيعه وطروحاته البصرية/الفكرية.

وإن كان الفنان في معارضه السابقة قد تطرّق إلى الحياة اليومية التقليدية في العراق، متناولا الحلاق والفوتوغرافي والبائع الجوال وغيرهم، فهو اليوم في معرضه الجديد لم يخرج عن محاكاة هذا العالم، ولكنه تناوله من زوايا مختلفة.

ليس هذا فحسب، فقد استطاع الفنان ببراعة شديدة أن يفكك المساحات المُسطحة في لوحاته والمتأتية من الفن الإسلامي والشرقي على العموم ويعيد تركيبها بانسيابية رشيقة مع خاصية الأبعاد الثلاثة المستخدمة في الفن الغربي بشكل عام. ولعل أجمل ما في هذه اللوحات هو أن الفنان استطاع بحساسيته الفنية وصدقه العميق تجاه ما يقدّم أن يصرف نظر المُشاهد غير الضليع بشؤون الفن عن عملية، أو استراتيجية الدمج هذه، وعن نقاط التماس فالتقاطع حد التناقض أحيانا بين ما يمكن تصنيفه بالشرقي وما يمكن اعتباره غربيّ الهوى.

سمة السكون لا تفارق أعمال صاحي، فالهدوء يسكن اللوحات بالرغم من كونها تجسد وضعيات وحركات جسدية مختلفة

في هذا السياق وأمام كل اللوحات المعروضة تعود الذاكرة بشكل عنيف إلى إحدى لوحات الفنان السابقة التي تمثل مصورا فوتوغرافيا وإلى جانبه صبيّ صغير يحمل صينية معدنية مُسطحة وعليها فنجان شاي هو الآخر مُسطح، كلاهما، أي الصينية وفنجان الشاي مُعالجان بغياب للبعد الثالث، ولكن بالرغم من ذلك سيجد الناظر إليهما واقعية لا لبس فيها، وسيجد نفسه مشتهيا تذوق هذا الشاي الساخن والمُحلى، قبل أن يستحوذ عليه المصوّر الفوتوغرافي.

وفي لوحات أخرى للفنان الحاضرة في صالة “آرت سبيس” يُسكن فيصل لعيبي صاحي في لوحاته نساء مُكتنزات وملوحات بمذاق شرقي/ذكوري رصّع بالبطيء الملون مُعاصرة اغتصبت على دفعات غواية البطيء وأشكاله الحيوية والناعسة على السواء، والمُجسدة بنساء اعتلت عرش اللوحات وعرش إستمالة الآخر من خلف ستائر غليظة رقّت من دفق استرسال النظرات منها وإليها.

ليس فيصل لعيبي أول من رسم المرأة مُستلقية بحسية عالية على الأرائك المريحة ولن يكون الأخير، لكنه قد يكون من أهم من وضع المرأة العارية والشرقية الملامح والعراقية المنكبين، في موقع أقوى وأشد فتكا من المُتلصّص عليها رجلا كان أم امرأة أخرى غالبا ما تكون بملامح أقل حضورا أو جمالا.

والمُتابع لمسيرة صاحي سيلحظ سمة السكون التي لم تفارق لوحاته، سكون لا يخلو من الغرابة، خاصة في لوحاته المعروضة في الصالة، هدوء يسكن اللوحات بالرغم من كونها تجسد وضعيات وحركات جسدية مختلفة، وبالرغم من تعدد وقوة الألوان المُستخدمة، حتى الأفكار والمشاعر التي تولد لتدور في أفق اللوحات ذهابا إلى المشاهد وإيابا إلى المُتلصّص خلف الستائر، قبل أن تستقر في عيون نسوة تعكس بدورها تقلبات مزاجهنّ، اللاتي لا تعد ولا تحصى، لم تتمكن من إقامة ضجيج بصريّ ما في أفق اللوحات.

ومن مسببات هذا الهدوء الخاص جدا بلوحات الفنان العراقي، هو أنه اعتمد في اللوحات مبدأ التركيب الأفقي، فهي كلها مكونة من ثلاثة أقسام، القسم الأول يسكنه المتلصّص والستائر، والقسم الثاني مأهول بالمرأة المستلقية وحيدة كانت أم مع حبيبها، والقسم الثالث يمتلكه صحن فاكهة متوهجة ترمز إلى الشغف والغواية واللذة المؤجلة أو المُجسدة.

وقد يعود هذا الهدوء أيضا إلى ندرة الأشياء المجسدة في اللوحات، فهي تكاد تقتصر على أربعة أو خمسة عناصر تتكرر في صيغ مختلفة.

يبقى مزاج الحب طاغيا في لوحات الفنان، حبّ لونه البطيء، وزركشه الترقّب، ورصّعته تعاظم التخيلات المؤججة له بأحجارها المضيئة.

17