"فيفاريوم".. البحث عن منزل للسكن يقود إلى موت مجاني

الفيلم يغوص في متواليات مكانية تغرق الشخصيات في متاهة لا نهاية لها.
الاثنين 2020/07/13
كثافة بصرية قائمة على التكرار

من بضعة مشاهد واقعية تماما، لن نتخيل أننا سننطلق منها إلى عالم آخر مخبّأ ومليء بالأسرار والمفاجآت، حيث تبدأ الرحلة الغرائبية التي يستعرضها المخرج الأيرلندي لوركان فينيغان في فيلمه "فيفاريوم" بجمع طريف بين الخيالي والفانتازي.

لا شك أن طبيعة أفلام الخيال العلمي وحتى أفلام الفانتازيا مصمّمة لكي تدهشنا بما تخبّئه لنا من أحداث، ولا تشفع للكثير من الأفلام كثرة الحوارات ولا كثرة الشخصيات، فهذه كلها لن تنفع.

وفي فيلم “فيفاريوم” يقدّم لنا المخرج الأيرلندي لوركان فينيغان (مواليد 1989) في مشاهده الأولى شخصيتي توم (الممثل جيسي إيلسنبيرغ) وحبيبته أو زوجته غيما (الممثلة إيموجين بوتس) وهما ينويان الاستقرار في بيت يجمعهما، ولهذا يبدآن البحث في الوكالات العقارية ويتوقّفان عند واحدة منها حيث يجدان مارتن بانتظارهما. بوجه شمعي يشبه التمثال وابتسامة تذكّرك بالكائنات الفضائية أو المستنسخة سوف يصحبهما مارتن لمشاهدة منزل الأحلام.

ومن هناك ندخل مجمّعا سكنيا تم إنشاؤه حديثا يطغى عليه اللون الأخضر، حيث نصل إلى المنزل رقم 9 وهناك يمضي الزوجان وقتا في التنقّل بين غرف المنزل المنشود، وليحتفي بهما مارتن، ولكنه سوف يختفي فجأة وعندما يعجزان عن العثور عليه يقرّران أن يعودا بسيارتهما من حيث جاءا. ولكن المفارقة أنهما يعجزان عن الخروج من المكان، وكلّما حاولا كانت كل الطرق التي يسلكانها تعود بهما إلى المنزل رقم 9.

يقترب الغروب وهما يدوران بلا نتيجة حتى نفد وقود السيارة فيضطران إلى أن يمضيا الليلة في المنزل رقم 9. هنا سوف يتأسّس مكان غرائبي بالكامل بل يمكن القول إن الفيلم مشبع بالاستخدام الرمزي والإشاري للمكان.

البيوت ما هي إلاّ منظومة بصرية لا نهاية لها من الكتل الخضراء التي ليس من المؤكّد أن أحدا يسكن فيها أو وطأها أصلا، المكان المكتفي بذاته مقطوع عن الخارج تماما فلا أحد يأتي إليه ولا إشارة إلى الهاتف أو إلى الإنترنت حيث الانقطاع الكامل عن العالم.

المكان الذي يحاول الزوجان الخروج منه سوف يتحوّل فجأة إلى طوق محكم لا سبيل لإيجاد مخرج منه، ومهما حاول توم تسلق سطح المنزل عسى أن يستدل على الطريق وجد نفسه وسط دوامة ضخمة من المنازل الخضراء المتشابهة. رمزية المكان – الحلم سوف تتحوّل إلى رمزية المكان المقفل والكابوسي.

وها قد يئسا من الخروج ليجدا صندوقا كارتونيا فيه مواد غذائية ثم طردا آخر يحتوي طفلا صغيرا، ويتم إخبارهما بأنهما إنْ اعتنيا بالطفل فسوف يتم إخراجهما.

رمزية المكان – الحلم تتحوّل في الفيلم مع تكرار المتواليات المكانية والبصرية إلى رمز للمكان المقفل والكابوسي

تبرز هنا متكررات رمزية لونية وبصرية وكتل مكانية يكمّلها طفل عجيب، يزداد طولا في كل شهر وخلال ذلك يعيش عالما خاصا به حتى لا يبدو بشريّا مألوفا، فهو قادر على تقليد طريقة كلام وحركة الزوجين وهو يصرخ صراخا مدويّا كلما شعر بالجوع، صراخا يذكّرنا بصرخة الطفل في فيلم “طبل الصفيح” للمخرج الألماني فاسبندر.

المكان الذي بدأ بتحطيم انتماء الشخصيات إلى البيئة التي جاءت منها لا بد من التمرّد عليه، ولهذا يلجأ مارتن إلى الحفر المستمر علّه يجد منفذا للخروج.

في المقابل يتحوّل ذلك الطفل، الذي يبدو وكأنه مستنسخ، إلى نقطة صراع وخلاف بين الزوجين فهو كائن يتصرّف بغرابة ويتعدى الزوجين، ساعتها يقرّر توم التخلّص من الطفل، وينشب صراع بينه وبين زوجته ينتهي باحتفاظ غيما بالطفل رغم كل شيء، وفيما هو ينمو إذ به يتحوّل إلى رجل.

وسط يأس الزوج من جدوى الحفر وسماع أصوات أخرى سوف يكبر الطفل سريعا ويتحوّل إلى رجل، تلاحقه غيما لكنها تتيه في التشابه ثم تنظر مليّا في السماء لتكتشف كتلا صغيرة من الغيوم وكأنها ملتصقة بالسماء أو ماكثة هناك.

الشعرية اللونية والبصرية تتتابع في هذا الفيلم بغزارة على الرغم من الجانب الحيوي المرتبط بطحن الشخصيات وإخضاعها لنظام صارم لا تقوى على الخروج منه، وثمة أسرار لا يعلمها أحد تقود إلى الغرق في المجهول.

على أن التحوّل الدرامي البارز لسيل المشاهد الكافكوية الكابوسية يبرز بعد ملاحقة الكائن الذي كان طفلا ليكتشف توم وغيما عالما عجيبا، إذ ثمة بشر آخرون محتجزون في أماكن عدة ولا أحد يسمع صراخهم وبعضهم بالكاد تسلموا مسؤولية طفل. وإذا مضينا قدما فلسوف ننتهي إلى قاع سحيقة حفرها توم وانتهت به إلى المجهول، ليستنزف جسديا وعاطفيا وليذوي بالتدريج ثم يموت بين يدي غيما.

وأما غيما المحاصرة بعزلتها وفقدان زوجها وكذلك العيش مع هذا الكم الهائل من المعاني والرموز المكانية المتكررة، فإنها ما تلبث أن تستسلم للأمر الواقع هي الأخرى لتلتحق بزوجها سريعا، فيما يتولى ذلك الكائن البشري المستنسخ الروبوتي عملية الدفن تلقائيا.

يقدّم فيلم “فيفاريوم” حصيلة بصرية وافرة ومعالجة فيلمية مميزة مع كلفة إنتاجية متواضعة ومهارة في انتشال الممثلين ومن ثمة المُشاهد من الملل، على الرغم من رتابة الأحداث وتكرارها في شكل روتين يومي لا نهاية له، وهي بكل تأكيد عناصر على كل ما فيها من تكرار إلاّ أنها كانت أدوات ناجعة استطاع المخرج توظيفها في فيلمه بنجاح.

16