"فيفا زاباتا" أحيا النزعة الثورية بلغة سينمائية رفيعة

الثلاثاء 2015/01/06
"فيفا زاباتا" عدّه النقاد أحد أهم الأفلام الثورية العالمية

عدّ النقاد فيلم “فيفا زاباتا” (1952)، قيمة فنية كبيرة بوصفه أحد كلاسيكيات السينما الأميركية وأحد أبرز الأفلام الثورية، فهو من إخراج أحد أبرز فناني فترة أربعينات وخمسينات هوليوود، المخرج الأميركي من أصل يوناني إيليا كازان (1909 /2003)، ومن بطولة أحد عمالقة الشاشة آنذاك الممثل مارلون براندو وأيضا أنتوني كوين.

شهرة الفيلم تنبع من ارتباطه الوثيق بمخرج الفيلم وبطليه، أكثر من كونه يعتبر أحد أشهر وأول الأفلام الثورية، الذي يعرض للجمهور الأميركي على الرغم من أن أحداث القصة تدور في المكسيك.

المحتوى الثوري للفيلم واضح ومباشر عبر شخصية إيمليانو زاباتا (مارلون براندو)، الثائر المكسيكي الشعبي ضدّ القوة الإسبانية المتحكمة، برفقة شقيقه فرناندو زاباتا (أنتوني كوين).

مع أن الفيلم رُشح لعدة جوائز أوسكار من بينها أفضل تمثيل رئيسي، وأفضل إخراج، وجائزة أفضل ممثل مساعد نالها أنتوني كوين، إلاّ أن تقييم معهد الفيلم الأميركي لأفضل 100 فيلم أميركي خلال مئة سنة، لم يتضمن في لائحته فيلم “فيفا زاباتا” بحجة أنه لا يمثّل المجتمع الأميركي.

وإذا أمعنا النظر أكثر سنجد أن هذا الفيلم الثوري جاء بعد حملة اللجنة المكارثية (نسبة لرئيسها ماكارثي)، والتي تسببت بحالة هيجان في الوسط الفني، إثر حملة الاعتقال والتشويه التي طالت عددا من كتّاب ومخرجي السينما المتهمين آنذاك بالانتساب إلى الحزب الشيوعي الأميركي.

شخصية البطل تعبّر نفسيا وإنسانيا عن بعد ثوري خاص يختلف عما قدم من أفلام ثورية ذات السمة الحماسية الجهورية

وكان من بين المتهمين مخرج فيلمنا إيليا كازان الذي كان في صفوف الحزب بين عامي 1934 /1936، والتي رافقت مشواره لاحقا تهمة الوشاية بعدد من الكتاب، على خلفية الحملة المذكورة، الأمر الذي جعل تصرف كازان السابق يبدو كوصمة عار ترجمته لحظة منحه جائزة أوسكار فخرية عام 1999، على مجمل أعماله.

عندها امتنع عدد من الحاضرين عن التصفيق له، وعلى ذلك اعتبر عدد غير قليل من المتتبعين للسينما، بأن فيلم “فيفا زاباتا” بمثابة تبرير عمّا اقترفه كازان أثناء تحقيقات اللجنة المكارثية.

الحديث عن فحوى الفيلم يقود إلى حالة خاصة في ما يخص صورة التعبير السينمائي، وشكل الطرح الفني، ومن هنا يمكن القول بأن شخصية إيمليانو زاباتا، تعبّر نفسيا وإنسانيا عن بُعد ثوري خاص يختلف عمّا شاهدناه لأبطال الأفلام الثورية، ذات السمة الجهورية كفيلم “قلب شجاع″ بطولة ميل غيبسون.

وذلك من خلال اللغة الجسدية المترنحة الخاصة ببطل الفيلم، مضافا إليها سلوك الشخصية المتفرد الميّال للانطواء والحزن، هو ليس كبقية الثوريين التقليديين ذوي النبرة الحماسية المرتفعة المترافقة غالب الأحيان مع صراخ انفعالي، يحفز عاطفة الجماهير.

هو مختلف عن أخيه الثائر الانفعالي القاسي الفج (أنتوني كوين)، مع إيمليانو زاباتا هناك إحساس عام يتكون لدى متابع الفيلم، بأن البطل لا يختلف شكليا عن المقاتلين الذين يترأسهم، فهو يتصرف مثلهم تماما، هو ليس ثريّا وغير مثقف، بل بسيط. ففي مشهد من المشاهد الرائعة في الفيلم يفضي إلى زوجته بإحساسه بالخيبة لعدم قدرته على الكتابة، والاختلاف الجوهري العميق مع البقية يكمن في الإحساس بالعزلة والشعور بالانفلات من محيطه.

الحديث عن فحوى الفيلم يقود إلى حالة خاصة في ما يخص صورة التعبير السينمائي، وشكل الطرح الفني

في مشهد آخر، وبينما يتجاذب رفاقه أطراف الحديث حول المستقبل القادم، نراه واجما يقشّر تفاحة كانت بيده.

ومن باب آخر، فلحصان زاباتا الأبيض في الفيلم روايته الخاصة، إنه يعكس التماهي الذي لا ينفصم بين مفهومي الحرية والثورة، عند مشاهدة الموت يلحق بالأشخاص الذين امتطوه، ليبقى حرا في النهاية يصهل عاليا عند حافة التلة، فهذا الحصان امتطاه أكثر من شخص من بينهم “إيمليانو”، والصبي الذي أهداه زاباتا الحصان الأبيض في مشهد يظهر الرجولة الذكورية المميزة لهذا الأخير، من خلال تخليه عن حصانه المميز لصبي صغير، بعد أن رفض الصغير هدية رمزية صغيرة قدّمها له زاباتا.

بعد مرور 62 عاما على إنتاج الفيلم يظهر “فيفا زاباتا”، كمادة فنية متماشية مع حقيقة النزعة الثورية، فمقتل زاباتا في نهاية الفيلم وطريقة سحله عبر كمين نصبه له أعداؤه، يعزز الهالة الرمزية لتلك الشخصية المفعمة بالمشاعر والتناقضات.

أداء براندو في الفيلم وصفه كازان المخرج، بأنه كان عظيما رُشح من خلاله لجائزة الأوسكار، كما نال ثناء عالميا عندما فاز بجائزة مهرجان كان لأحسن تمثيل، وبجائزة أحسن ممثل أجنبي من معهد الفيلم البريطاني.

16