فيكتور أوربان رئيس وزراء مجري يؤمن بنظريات بوش الصليبية

السبت 2015/09/12
فيكتور أوربان حامي أوروبا من اللاجئين المسلمين

فيكتور أوربان الاسم الأكثر تردُّداً خلال الأسابيع الماضية مع تصدُّر الحديث عن أزمة اللاجئين الجُدُد إلى القارة الأوروبيَّة المشهدَ الإخباري والسياسي في العالم، رئيسُ وزراء المجر كان مُخالِفاً لنظرائه في مقرَّات صناعة السياسة في دول اليورو حين اتَّجَهَ في تصريحاتِه الأخيرة المثيرة للجدل بالعودةِ إلى استنهاض التاريخ والدعوات القديمة للحفاظ على أوروبا المسيحية، هوَ مدٌّ إسلاميٌّ إذن كما يفهمهُ أوربان، ذلك المدُّ الذي فرضتهُ الأزمات المتلاحقةُ بالشرق وعجز أوروبا وحلفائها عن إيقاف سبب استمرار تدفُّق اللاجئين.

بوابة القارة العجوز

خلال الأشهر الماضية واجهت هنغاريا، أو المجر في تسميتِها الأخرى، سيلاً من اللاجئين القادمين برَّاً عبر صربيا من اليونان التي وصلوها بعد أن قطعوا بحر إيجه من السواحل التركية إلى الجُزُر اليونانية، هؤلاءِ الذين يختزنون قصص الحربِ وآلام الطريق في جنباتِهِم، لا مهربَ لهُم إلا عبور هنغاريا، باعتبارها العتبةَ الأولى في دُوَل الاتحاد الأوروبي التي تخضعُ لاتفاقية دبلن، التي تُعنَى بتنظيم شؤون اللجوء بأنواعِهِ المُختَلفة.

آلافٌ من العابرين مشوا الطريقَ من هوركوش الصربية إلى روتسكي الهنغارية، التي استقلوا منها سيَّارةَ أجرة لمدَّةِ ساعتين تقريباً وصولاً إلى بودابست العاصمة، منهُم من قضى ليلةً أو أكثر في فندق “إيني” بانتظار شاحنةٍ مُشابهةٍ لتلكَ التي قضى فيها أكثر من سبعين شخصاً خلال الأسابيع الماضية على الطريق الدولية الواصلةِ بين هنغاريا والنمسا، ومنهم من يستخدم القطار عبوراً إلى فيينا، رحلةٌ تشوبُها كثيرٌ من العقبات التي تفرضها قوات الأمن الهنغارية في ملاحقةِ العابرين الجُدُد نحو بلدانٍ تتميَّزُ بمستواها الاقتصادي وعقدها الاجتماعي عن هنغاريا.

أمام فضائحِ الموت المُعلَن الذي يشهده طريقُ الآلام نحو أوروبا وفي ذروةِ التعاطُف العالمي والإنساني مع قضية اللاجئين السوريين تحديداً، عقب غرقِ الطفل إيلان شنّو على سواحل بودروم، فاجأ رئيس وزراء المجر الأوروبيين قبل الآخرين بتصريحاتٍ ناريَّةٍ غريبةٍ تقومُ على التحذيرِ من اللاجئين بوصفِهم حاملي ثقافةٍ جديدةٍ مُختَلِفةٍ عن شعوب القارَّةِ العجوز، تلك الثقافةً الإسلامية التي رآها أوربان ستجتاحُ دول أوروبا تحمل في طيَّاتِها تهديداً لشعوب أوروبا المسيحية الذين سيغدون غرباءَ في أوطانِهِم بعد عقود بحسب نظريَّةِ رئيس الوزراء الهنغاري، أوربان الذي بدأ حملتَهُ قبل تصريحاتِهِ، حين أوعزَ برفعِ سلكٍ شائكٍ على الحدود الهنغارية الصربية سعياً من حكومتِهِ لعرقلةِ وصول اللاجئين، فضلاً عن دفعِهِ البرلمان الهنغاري للتصويت بأغلبيةٍ ساحقةٍ على قرار نشرِ الجيشِ على المدن الحدودية كحائطٍ صدٍّ لرياحِ القادمين الحاملين ثقافَتَهم المختلفة، وإمعاناً في إرساء تصريحاتِهِ بدأ شرعنةَ قوانين قضائية تخصُّ المهاجرين غير الشرعيين والتي وصلت بأحكامِ ارتكابِها لمدّة السجن ثلاث سنوات.

صراع ثقافات

في يونيو الماضي أعلنَ فيكتور أوربان أنَ عصر تعدُّد الثقافات انتهى، لاغياً فكرةً أرست قواعدها منذ آلاف السنين عن تعايش الأديان وحاملي العقائد في أوروبا ذاتها قبل غيرها من بلدان العالم، وأمام وصفِهِ الفعل الأوروبي المتعاطف إنسانياً مع رحلات الآلام العديدة بالجنون إلا أنَّ ردود بعض قادةِ الدول الأوروبية كانت على أرض الواقع من خلال خُطَطٍ عاجلةٍ لاحتواء القادمين الجدد.

عصر تعدد الثقافات يعتبره أوربان قد انتهى اليوم، لاغيا فكرة أرست قواعدها منذ مئات السنين عن تعايش الأديان وحاملي العقائد في أوروبا ذاتها قبل غيرها من بلدان العالم، ومع أنه وصف التعاطف الأوروبي مع رحلات الآلام العديدة بالجنون، إلا أن ردود فعل بعض قادة الدول الأوروبية كانت على أرض الواقع من خلال خطط عاجلة لاحتواء القادمين الجدد

وُلِد فيكتور أوربان في الحادي والثلاثين من مايو عام 1963 في زيكيسفيرفار ليقضي طفولتهُ الأولى منتقلاً مع عائلتِهِ بين العديد من المدن قبل أن يستقرَّ بهم الحال عام 1977 مرَّةً أخرى في زيكيسفيرفار، أنهى الشابُّ ذو الميول اليمينية المرحلة الثانوية عام 1981 لينخرط في الحياة العسكرية بعد دراستِهِ اللغة الإنكليزية لمدة عامين وليتابعَ بعد ذلك دراسةَ القانون في جامعة إيتفوس وراند في العاصمة المجرية بودابست، حيثُ تناولَ في أطروحةِ تخرُّجهِ محاور حركة التضامن البولندية قبلَ أن يُكمِل الماجستير في القانون، حيثُ عاشَ في سزلنوك لمدة عامين قبل الانتقال بشكلٍ نهائي إلى بودابست، وليسافر منها إلى بريطانيا حيث حصلَ على منحةٍ دراسية من مؤسسة سوروس للبحث في جامعة أكسفورد العريقة، وبذلك صار المحامي المجري طالباً لعدَّة أشهر في كليَّة بميروك في العاصمة لندن قبل أن يعودَ إلى بودابست بعد انتهاء منحته الدراسية ويخوض الانتخابات البرلمانية في البلاد حيثُ حصلَ عام 1991 على مقعدٍ في أول برلمانٍ في فترة ما بعد الشيوعية.

كانت تلك الخطوة الأولى للرجل الذي سيجلس بعد ذلك بعدة سنوات على كرسي رئاسةِ الحكومة بعد أن قادَ ائتلافاً من المحافظين أواخر التسعينات، للفوز بأغلبية ساحقة مكّنتهُ من قيادةِ هنغاريا أربع سنوات، وليعودَ بعد ذلكَ متنقِّلاً بين الأحزاب اليمينية حتى وصلَ مرَّةً أخرى إلى رئاسةِ الحكومة، بعد انتخاباتٍ حصلَ فيها على ثلثي المقاعد و ليستمر في منصبِهِ بعد أن انتصرَ في صناديق الاقتراع عام 2014.

مناصب عديدة تولَاها الرجل الذي لا يخجل في الإعلان مراراً عن وقوفِهِ ضدَّ القادمين من بلادٍ تسودُها الحرب والدمار في الشرق أو الفقر والعوَزُ في أفريقيا، وهنا أعود لتصريحاتِهِ الأخيرة في الخوف على الهوية الدينية للقارة الأوروبية، ربَّما غابت عن ذهنِهِ صورةُ أفواج العمَّال العرب تحديداً أبناء المغرب العربي الذين تمَّ استجلابُهُم إلى بلجيكا وهولندا للشغل في مناجم الفحم مع بداية القرن المنصرم، أولئكَ العمَّال اليوم وصلت عائلاتُهُم إلى جيلِها الرابع وهم لم يؤثِّروا على صورة أوروبا التي يخاف عليها أوربان.

المسألةُ إذن لا تتعلق بالهوية والدين فتلكَ الاتِّهامات ساقَها أيضاً من يسعى للانفصال عن جسد الدولة العربية في أقطارها المتعددة، بل هي تتعداها إلى فشلٍ أخلاقي حقيقي يحوزه رئيس وزراء المجر بعد أن سقط القناعُ عن وجهه عقب تصريحاتِهِ التي وُصِفَت بالعنصرية وردَّ عليها بعضُ القادة الأوروبيين تلميحاً أو تصريحاً.

الشرطة تواجه اللاجئين

آلاف القصص التي اختزنها شخصياً عن اعتداءاتٍ ممنهجةٍ نفَّذتها الشرطة الهنغارية بحق مهاجرين غير شرعيين منذ عام 2013 وحتى اليوم، هم هاربون من الموت وحصار الأوراق الذي مارسهُ نظام الأسد في سوريا، نحو عالمٍ أكثر أمناً، إلا أنَّ الشرطة الهنغارية قامت بتعذيبِهِم وعرقلتِهِم وأحياناً سجنِهم وإجبارِهِم على إجراء بصمات اتفاقيّة دبلن الخاصة باللجوء.

ولمن لا يعرف فإنَّ إجراء البصمات في أيِّ بلدٍ أوروبي يُعرقِلُ قبول اللجوء في بلدٍ آخر، وفي أحسن الأحوال فإنَّهُ يؤخِّرهُ عاماً على الأقل.

لا يمكن فهمُ موقف أوربان إلا بالعودة إلى الجذور اليمينية للأحزاب التي تآلفت معه خلال مسيرتِهِ السياسية، فتلكَ الأحزاب اشتهرت بعنصريَّتِها ونزوعِها إلى القوميات الضيقة ما جعلها حبيسةَ الشعارات بينما البلاد تغرقُ في فساد وكسادٍ اقتصادي وسياسي على حدٍ سواء، وهنا تعود إلى الواجهة صورة المصورة الصحفية الهنغارية التي قامت عن عمد بضرب طفلةٍ سورية وعرقلةِ تقدم الرياضي السوري أسامة الغضب الذي كان يحمل ابنه على كتفِهِ لحظة السقوط.

موقف أوربان لا يمكن فهمه دون العودة إلى الجذور اليمينية للأحزاب التي تآلفت معه خلال مسيرته السياسية، فتلك الأحزاب اشتهرت بعنصريتِها، بينما البلاد تغرق في فساد وكساد اقتصادي وسياسي على حد سواء، وهنا تقفز إلى الواجهة صورة المصورة الصحفية الهنغارية التي قامت عن عمد بعرقلة اللاجئ الرياضي السوري أسامة الغضب الذي كان يحمل ابنه على كتفه

مشهدٌ نستطيعُ من خلاله فهم العقلية التي تدور في إطارِها سلوكيات الشرطة والساسة الهنغاريين، وما أوربان إلا واحد منهم أتقن فنَّ ابتزاز أوروبا من خلال التلويح دوماً بالعمل عكس التيار، وها هو اليوم ينشر قواتهُ العسكرية على شريط الحدود مع صربيا في تحد واضح للاجئين الراغبين بعبور المجر نحو الداخل الأوروبي، جاء قرارُهُ بعد تدفق آلاف المهاجرين خلال الأسابيع الماضية وهذا القرار لا يمكن أن يخرج من سلسةِ الإجراءاتِ التي تعمل عليها بلادُهُ منذ سنوات.

أوربان وبوش

الدعوة الهنغارية للحفاظ على مسيحية أوروبا تتعارضُ قطعاً مع القيَم الإنسانية التي تنادي بها القارةُ العريقة، التي أنتجت الديمقراطية أولاً في العالم، منذ أن أعلنت ميثاقَها الاجتماعي مع مواطنيها والقابعين على أراضيها، هي خطوةٌ في ظاهرها تحمل بذور الحفاظ على العرق والقومية والدين ولكنها في جوهرها تقوم على خلق الأعداء وزرع الكراهية وتعميق العنصرية.

على الضفة المقابلة لا يدعو أحدٌ، إلى السير في طريق الآلام وليست مطالبةً للحكومةِ الهنغارية ورئيسِها أوربان بفتحِ حدودهِ على مصراعيها ولكنَّها ضرورات فهمِ المشهد كاملاً إنسانياً، حيث بنظرةٍ أكثر واقعية نجدُ أنَ الإعلام الأوروبي وقياداتِهِ يرحبّون باللاجئين “السوريين”، وكأنَّ السوريين وحدهم من يقطعون الحدود اليوم.

هذه الصبغةُ التي يعمل الجميعُ على ترسيخها لصفة السورَنة للاجئين، ما هي إلا دعواتٌ حثيثة للآخرين الجالسين في سوريا أو على أبواب الوطن لعبور البحر نحو الضفة الأخرى مهما كانت المشاق والصعاب،

معادلةٌ صعبةُ الفهم في ظلِّ التناقض الأوروبي تجاه ما يحدث بين الإنساني والعسكري، ولا نُغفِلُ ما طرِحَ مؤخَّراً عن تغيير ديمغرافيَّةِ الشرق وسوريا والعراق على وجه الخصوص.

الشرق عموماً لم يكن غريباً عن أوروبا، والدعوات للحفاظ على المسيحية الأوروبية يتوجب أن تترافق مع دعوات بذات الوقت للحفاظ على المسيحية العربية، باعتبار أنَّ أرض العروبة هي أرضُ المسيح، ولكن هنا في هذا التفصيل نجد أمثال فيكتور أوربان ومن هم على استعدادٍ لاستنزاف القوة العسكرية لمحاربة الأشباح في سبيل ابتزاز الآخرين.

الحاجة إلى مكان آمن، تظهر كحاجة عالمية حقيقية لا تنحصر في شعب بذاته، أو زمن معين، ولا يجد المرء سبيلاً إلا تذكير أوربان بالماضي القريب حين اجتاحت الحرب العالمية الثانية أوروبا وما نتج عنها من فرار أكثر من 12 ألف لاجئ يوناني استقبلتهُم سوريا على أرض حلب، فضلاً عن الأعداد الأخرى التي اتجهت من بلدان أوروبية أخرى نحو مصر في ذلك الوقت حيثُ لم يقل العرب إنَّ هؤلاء القادمين الجدد يهدُّدون العروبة و الإسلام.

تصريحات فيكتور أوربان وسلوكياتُه لا تخرجُ أبداً عن المسيرةُ التي سنَّها جورج بوش، الرئيس الأميركي الأسبق، والمسؤول عن موت مئات الآلاف من العراقيين بدعوى الحروب الصليبية الجديدة، ولكنَّ الفرق هنا أنَّ الدكتاتور جالسٌ في سوريا والعراق بينما تفتحُ بعضُ دول أوروبا ذراعيها لشعبٍ يشتغل الجميعُ في الشرق والغرب على تهجيرِه من أرضِه رغمَ وجودِ من يسعى لعرقلةِ ذلك كفيكتور أوربان واليمين المتطرِّف أينما حل في القارة العجوز.

12