"فيلا توما" حكاية أُخرِجت عنوة من الخزانة

الجمعة 2014/11/28
تناول الفيلم من خلال شخصياته النسائية شكلا مغايرا للذاكرة الفلسطينية

رام الله ـ شاهدت قبل شهرين بشكل مركز وفي إطار مشروع تدريسي أكاديمي معظم وأهم الأفلام الفلسطينية التي أنتجت منذ العام 1987، وهو العام الذي انطلقت فيه السينما المستقلة عن المؤسسة فيما يعرف بسينما المؤلف أو سينما المرحلة الرابعة.

فيلم “فيلا توما” لسهى عراف مخرجة العمل ومؤلفته، شاهدته بعد هذه الجرعة المرهقة والممجوجة من الأفلام سابقة الذكر، ويمكنني بسهولة تامة أن أضع جميع الأفلام في كفة وهذا الفيلم في كفة أخرى، لا لجودة الفيلم وفنياته مقارنة بغيره، بل ببساطة شديدة، لما يتناوله.

خلال مشاهداتي الصيفية، وهي في الغالب مشاهدات ثانية بعد سنوات طويلة أطلقت بيني وبين نفسي على ما قدم حتى الآن “سينما هالقيت”، وهالقيت هي كلمة مرادفة للآن، وبطبيعة الحال “لهلق”، “إسا”، “هسع”، و”هسعيــات” وغيرها إلى ما لا نهاية.

وجاءت تسميتي اللئيمة هذه لسبب واحد نابع من إشكالية أوسع، فقد لاحظت أن الكثيرين من أبطال الأفلام الروائية ومع اختلاف المواضيع ومواقع التصوير يرددون لفظ “هالقيت”، دون سبب مقنع ودون تبرير جغرافي أو ثقافي لذلك.

وما أريد قوله هنا أنه على الرغم من التنوع الظاهري في بعض الأفلام، إلاّ أن المشاهد لو قشر الطبقة الخارجية قليلا سيجد تشابها مذهلا بين السرديات وبين الشخصيات فيما بينها، وبالتالي قصصها وخلفياتها الثقافية والحضارية، وكأن الشعب الفلسطيني هو “صبة باطون” واحدة، لا يمكننا تحليلها إلى عواملها كي لا نفهم بشكل خاطئ.

بمعنى أن الخوف الكامن بحزم في اللاوعي لدى المبدعين من مؤسسة وطنية وهمية ورقابة غير قائمة، جعلهم يرسمون خطوط التنوع في المجتمعات الفلسطينية، ولكن لا يحركونها، وهو ما تتطلبه الدراما.

ما تقدمه سهى عراف في عملها “فيلا توما” هو وضع ذاكرة الأفراد، أو ذاكرة “أفراد” هم جزء من الشعب الفلسطيني في سياقها الدرامي الحقيقي، وليس الذاكرة المفتعــلة أو الذاكرة المقسمة بين صح وخطأ.

فعراف لا تحاكم الطبقية والطائفية أخلاقيا، بل تعرض لها وتكتفي بذلك وهذا يكفي، فمثلا في فيلمي إيليا سليمان “يد إلهية” و”سجل اختفاء” وعلى الرغم من استخدامه للغة ما بعد حداثية.

الخوف الكامن بحزم في اللاوعي لدى المبدعين من مؤسسة وطنية وهمية ورقابة غير قائمة، جعلهم يرسمون خطوط التنوع في المجتمعات الفلسطينية، ولكن لا يحركونها، وهو ما تتطلبه الدراما

إلاّ أن المخرج يحاكم الاختلاف المتمثل بالطبقة الوسطى المسيحية في الناصرة أخلاقيا، لصالح “الهوية” الفلسطينية الجامعة في القدس ورام الله، مع أنه يتدارك ذلك في فيلمه الرائع “الزمن المتبقي”، إلاّ أنه يقوم بذلك دون الخوض في التفاصيل.

تبدو حكاية “فيلا توما” وكأنه تم إخراجها بشكل عنيف من الخزانة، وبالأحرى من بين “النفتالين”، ولكن القصة حسب رأيي أخرجت من الخزانة بمفهوم الأدبيات الغربية المثلية ولكن لم يكن هنالك “نفتالين”.

بمعنى أن الخطوة السينمائية الجريئة التي قامت بها سهى عراف لم تكتف باللعب على الشكل الخارجي للتنوع، بل هي لعبت بدهاء سينمائي ملفت بالهوية الجامعة وليست معها، ولم يكن هدف المؤلفة في هذه الحالة العبور عبر التنوع بهدف الوصول إلى ذات وطنية متجانسة.

بل هي رشقت المشاهد العروبي الذي يريد تأجيل كل شيء إلى أن تتحرر الأرض، بما لا يريد أن يراه، أي بأمهاتنا وجداتنا وخالاتنا وعماتنا وبذاكرتنا الحقيقية التي تشكل ملامح بيوت قديمة مهددة بالزوال.

من خلال “آرت دايركشن” وتصميم أزياء، لم تفته أي من التفاصيل الدقيقة التي تشكل هذه الذاكرة، لوجود حضاري تحرسه عمات على حافة قبورهن.

ليأتي التصوير الصارم ويتوج كل هذا ويبرزه بمعانيه المتوارية، القبعات، الكفوف، الشالات الصوفية البيضاء، أقراص التطريز، أواني الاغتسال الصينية، الستائر، البوفيهات، طاولات التواليت والقـــائمة تطول.

نجد في كل مدينة فلسطينية قديمة، كلا من جولييت وأنطوانيت وفيوليت وبديعة بأشكال وجرعات مختلفة، وذلك في القدس ويافا وحيفا وعكا والناصرة ورام الله وبيت لحم وبيت جالا وربما في نابلس أيضا.

تمثل قصة هؤلاء النسوة تلك البيوت التي هجرها الرجال إلى الولايات المتحدة أو كندا أو أميركا اللاتينية، وذلك مع كل أزمة كانت تحل بالأرض والإنسان لتبقى الفتيات ويكبرن داخل البيوت الفارغة والباردة في انتظار عريس لا يأتي، بسبب الخلل الذي أحدثته الهجرات، يمكثن صحبة الصور والتماثيل وأطقم الجهاز كحارسات لذاكرة أو ملامح زمن يحتفي بأفوله.

وذلك في محيط يتغير باستمرار ويتفاعل مع كافة الإزاحات الاجتماعية، ما يزيد من عزلتهن وخسارتهن لكل شيء، باستثناء تلك النظرة الطبقية-الطائفية الكاريكاتيرية التي تميزهن عن أبطال الزمن القادم، وتلك اللغة الجسدية-الثقافية المأخوذة من تقاليد مجموعات كانت ولم تعد، أو لم تعد كما كانت في فلسطين بألوانها الخفية.

16