فيلبس يستعيد إدمانه الأول

الأحد 2016/08/14

هو ليس كارل لويس ذلك العداء الأميركي الأسطوري الذي ألهب حماس الجميع في أولمبياد سنة 1984، وليس بالجامايكي يوسيان بولت ملك سباقات السرعة منذ سنة 2008، هو ليس أيضا الجمبازية لاريسا لاتينيا القادمة من الاتحاد السوفييتي والتي حازت على 18 ميدالية خلال خمسينات القرن الماضي وستيناته، بل هو أسطورة السباحة في العصر الحديث الأميركي مايكل فيلبس الذي عاد أكثر شبابا وعنفوانا خلال الأولمبياد الحالي المقام بريو دي جانيرو البرازيلية.

شيء لا يصدّق وإنجازات خرافية حققها هذا السباح سيحفظها التاريخ، وربما لن يجرأ أو يقدر أيّ رياضي غيره على مزاحمته وإزاحته من على العرش.

من كان يعتقد بعد أولمبياد لندن 2012 أن فيلبس قد انتهى وولّى زمنه نهائيا فقد أخطأ، ومن كان يراهن أن الكحول ستبعده عن شغفه الأول فهو مخطئ أيضا، فببساطة وبكل روح متفانية عاد فيلبس، عاد أقوى من ذي قبل، عاد كي يواصل تدوين اسمه بأحرف من ماء لا ينضب في المسبح الأولمبي بريو، كي يقول أنا هنا.. لم أنته بعد ولم أرم المنديل، عاد كي يعزّز إنجازه الخرافي ويحصد ميداليات ذهبية جديدة أوصلت عدّاده إلى القلادة رقم 22 من المعدن النفيس.

يا إلهي.. 27 ميدالية بالتمام والكمال من بينها 22 من المعدن النفيس والحصيلة مرشحة للارتفاع في آخر سباقاته ضمن الأولمبياد اللاتيني، وإذا جمعنا عددا كبيرا للغاية من الدول والبلدان المشاركة منذ عقود طويلة في المحفل الأولمبي وأحصينا ميدالياتها لتفوّق عليها فيلبس جميعا.

من أنت أيها البطل الخرافي؟ وكيف توصّلت إلى تحقيق هذه الأرقام العصية والمستحيلة على البقية؟

هو من قال “أعتقد أنه لا يوجد مستحيل فقط الإنسان يحتاج إلى خيال واسع وإرادة من حديد”، هو فيلبس الذي تعلم أصول السباحة وقواعدها وشغف بها منذ الطفولة، فانطلق مسرعا ومتفوقا ومنطلقا في أحواض السباحة في بلاده قبل أن يبدأ رويدا رويدا في بسط نفوذه في جميع المسابقات العالمية والأولمبية، وبدأ الحصاد الوفير..

ميدالية بعد ميدالية وتتويج يأتي بعده تتويج ومشاركة أولمبية ناجحة تليها مشاركة أنجح، بدءا بأولمبياد أثينا 2004 وصولا إلى الأولمبياد الحالي، والمسيرة لم تتوقف بعد، فمن يدري ربما يظهر من جديد بعد أربع سنوات في أولمبياد طوكيو؟

هذه المسيرة توقفت في السابق لأكثر من سنتين وتحديدا بعد أولمبياد لندن 2014، حيث آثر فيلبس الخروج من الباب الكبير والاعتزال في قمة عطائه، والحال أنه لم يتجاوز في تلك الفترة سن السابعة والعشرين.

ظن هذا السباح خلال برهة ليست بالقصيرة من الزمن أنه بات من “عظماء” الرياضة السابقين، وعاش على وقع نجاحاته التاريخية، حاول أن يعيش حياته الجديدة بعيدا عن أحواض السباحة، مارس رياضة الغولف، وكرّس معظم أوقاته للإعلانات ونشط في مجال العمل الخيري، لكنه لم يجد نفسه.

هرب من نفسه وواقعه الجديد فعاقر الخمر وأدمنه، لكن بمثل سرعته الفائقة في المسابح، فإنه أدرك أن هذا الطريق لا يليق به، خاصة بعد أن تعرّض للبعض من العقوبات العام الماضي عندما تم القبض عليه بسبب قيادته المفرطة لسيارته تحت تأثير الكحول.

عاد البطل الأسطوري وقرّر أن يرتدي حلة السباحة من جديد ويعود مثل ذلك الصيّاد الذي يغطس بسرعة جنونية لالتقاط المحّار، فهو صائد ماهر وغطاس شاطر لا يتقن سوى لغة حصد الألقاب والميداليات، لقد تراجع عن قرار الاعتزال.

قاده الشوق إلى المسابح لإدمان عشقه السرمدي، أي عشق المسابقات والمنافسات والتتويجات.

تدرب بانتظام وجهد يستحقان الإشادة، ليعود اليوم مرة أخرى في ثوب البطل الذي لا يقهر، فقارع السباحين الأكثر شبابا وحيوية وهزم أغلبهم ليجني عددا جديدا من الميداليات.

فمن يقدر عليك أيها المدمن الشغوف، صاحب السطوة والحظوة وملك المسابح الأولمبية؟

طبعا لكل عمر وحقبة زمنية ظروفها ومتطلباتها وأحكامها، لكن فيلبس المتحمس دوما والثائر والمدمن تغلب على نفسه واختار أن يكون في الرواق الذي يحبّذه، رواق التنافس والتسابق واحتلال المراكز الأولى في أحواض السباحة في أقوى البطولات العالمية.

لقد قاده هذا الإدمان اللذيذ لرياضة يستلذها المتسابق والمشاهد على حدّ سواء إلى أن يعزز مركزه في القمة، قمة أساطير الرياضة في العالم والكون والتاريخ، فمن يقدر عليك أيها المدمن؟

كاتب صحافي تونسي

23