فيلتمان.. حامل كلمة السر في الخارجية الأميركية ومهندس الصفقات الكبرى

الأحد 2013/11/10
كيف تم اغتيال الحريري في بيروت وجيفري فيلتمان موجود فيها؟

بعد تغيير السفير الأميركي في بيروت قال وليد جنبلاط: "خسرنا صديقا وفيا في المنطقة، بابتعاد جيفري فيلتمان"، ولكن فيلتمان لم يبتعد، فقد غادر المنطقة ليعود إليها ولكن على صورة الرجل القوي الواقف خلف بان كي مون الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، والمسؤول السياسي والذراع الأميركية القوية في المحفل الدولي.

وكان جيفري فيلتمان أحد صقور الطليعة الأميركية الجدد الذين اقتحموا الملعب السياسي في الشرق الأوسط في الألفية الجديدة، فيلتمان، الذي خبر العراق جيدا وفهم تناقضات المنطقة، وأدرك أن تحقق المصالح الأميركية فيها هو بقدرتها على تمكين تلك التناقضات وتكريس خطوط التوتر بين اللاعبين في الإقليم، فكان مهندسا لصفقة تنصيب نوري المالكي في العراق، رغم تقدم قائمة إياد علاوي على قائمته، مما يزيد من قوة النفوذ الإيراني، ولكن من خلال التفاهمات الأميركية الإيرانية التي لم تكن أولى حلقاتها زيارة فيلتمان إلى طهران ممثلاً عن الأمين العام للأمم المتحدة، وليس كأميركي بالمرة، ظاهرياً، في الوقت الذي يلعب فيه فيلتمان والفريق الدبلوماسي الأميركي في الأوراق كلّها دفعة واحدة.

يبدو فيلتمان أكثر من دبلوماسي، ويتصرف كضابط في الجيش السياسي الأميركي عبر البحار، فكان قد أعدّ نفسه جيدا في عمّان في بداية التسعينات، أثناء دراسته الجامعية المتقدّمة، قبل أن ينتقل غربا إلى القدس، وبعد أن قضى عامين في المنصة الاستراتيجية الأميركية في القدس، يراقب الأجواء ويرسم خرائط التضاد والتوافق، غادر إلى بغداد، لينشغل ليس في الهمّ الأمني الأميركي هذه المرة، ولكن في قراءة المشهد سياسيا والتدخّل فيه بما يصلّب قدرات رؤساء فيلتمان في واشنطن في المنطقة، فكان قريباً من الأطراف كلّها في المنطقة الخضراء في عاصمة الرشيد، وكانت عينه على ما وارء الحدود الشرقية، حيث طهران، والاقتراب الوشيك لخلق قوس توتّر جديد ولكن بشدّه أكثر في تلك الأوقات، ليقول مخضرمو السياسة الأميركية في مراكز الأبحاث إننا حرّرنا العراق من دكتاتوره صدام حسين وقدّمناه كقطعة حلوى لإيران.

وصار الولع الأميركي في تركيب السياسيين في لعبة "بزل" يمكن تفكيكها وإعادة ترتيبها من جديد، وحسب الإيقاع الأميركي، ولعا شخصيا خدمه فيلتمان ببراعة في العراق، حيث لم يكن غريباً بعد، أن يطير فيلتمان إلى بغداد للمساعدة في تشكيل الحكومات العراقية، قادماً من ترتيب آخر في عاصمة أخرى، ملتقياً بالرؤساء وزعماء التكتلات السياسية.

وبالعمل على تركين الحراك السياسي العراقي، مقابل ترتيب الانسحابات الأميركية العسكرية والأمنية، مها كانت النتائج على طول البلاد وعرضها، يجد فيلتمان نجاح سياساته، ليكافأ بتعيينه في النموذج اللبناني الشهير "دولة الطوائف"، وليصبح السفير الأميركي الأكثر شهرة في تاريخ لبنان، بعد سنة مرّت على احتلال العراق، وحتى ما بعد اغتيال الحريري في العام 2005 وصولاً إلى حروب إسرائيل على لبنان وغزة في العام 2008.

فيلتمان في مسارح بيروت السياسية


في لبنان صار فيلتمان مختارا للجبل والسهل والجرود، متدخلا في عدد الموظفين الدروز الذين ينبغي أن يتم تعيينهم في إحدى الدوائر الحكومية، أو زيادة التعويضات لإحدى المناطق المسيحية، ومن تلك التدخلات تمكن فيلتمان من أن يصبح صديقا للجميع، ولكنه عدوّ ظاهرٌ للمشروع الإيراني الذي انتقده باستمرار وتحدّث عن أسرار تمويله وغموض أهدافه، في الوقت الذي كان كثيرون يتساءلون كيف يمكن أن يتم اغتيال رفيق الحريري في العاصمة بيروت وجيفري فيلتمان موجود فيها؟!

وكان أكثر الأسماء تكرارا في نشرات أخبار التلفزيونات اللبنانية هو اسم جيفري فيلتمان، الذي تحدّث طويلا عن دعم الولايات المتحدة المالي والسياسي للبنان، ولم يهتم بتغطية اهتماماته بعيدة المدى في توازنات المنطقة، فيروي أحد أصدقاء وليد جنبلاط أن الأخير رأى صورة جيفري فيلتمان مع خامنئي في الجريدة فقال: " فبعثت له برسالة نصيّة (sms) على هاتفه النقال، ضمّنتها عبارات مفادها أنني عندما شاهدت هذه الصورة شعرت بأن نور القداسة يشعّ منك، فرد فيلتمان على رسالتي برسالة نصيّة مفادها والله يا وليد بعد أكثر من ثلاثين عاما من الخصام مع الإيرانيين تبين أن المشكلة بيننا وبينهم كناية عن 'سوء تفاهم' " !، وهكذا يصبح الخلاف التاريخي الكبير ما بين الملالي والشيطان الأكبر مجرّد سوء تفاهم!

كتب جيفري فيلتمان برقية سرّية إلى واشنطن تظهر مدى عيشه المشترك مع الشخصيات اللبنانية، يصف فيها سعد الحريري: " إنه يعتمد بسهولة مقاربة على الطراز الأميركي لزواره الأميركيين ، فيما يعتمد سلوكا أقرب إلى «السعودي» مع زواره العرب التقليديين، وكوالده، فإن سعد الحريري يظهر ثقة فائقة بالنفس. وغالباً ما يجيب من يسأله عن التكتيكات التي سيتبعها بالقول: لا تقلق .(don’t worry)

فكان فيلتمان كاشفاً للساحة اللبنانية، مدركا قدرته على وصل الخطوط النارية وتبريدها متى يشاء، مصرّا على تشكيل الحكومة اللبنانية بأي شكل، ليضمن استقرار التفاهمات الأميركية في الخلفية مع الخصم الإيراني أيضا.

وفي ملف محكمة الجريري، كان على فيلتمان أن يطّلع أولا على كل ورقة قدّمت إلى المحكمة، وكل ورقة خرجت منها، وقد قام مرارا بترسيب نتائج التحقيقات إلى حلفائه، أو أصدقائه في لبنان والمنطقة من بيروت إلى القدس، متعمدا تحريك الراكد قبل الإعلان عن المعلومات رسمياً على ألسنة القضاة.

فقضى في لبنان تجربة فريدة، يمكن وصفها بأنها ماكيت مبهر لما تراه الولايات المتحدة في المنطقة، حكومات تحاصصية، تضمن قيام اللعبة الديمقراطية على مسرح خشبته ملتهبة طوال الخط.

زمن الثورات والمستر جيف


يتهم فيلتمان أنه أبٌ "غير شرعي" للثورات التي اندلعت في تونس ومصر واليمن وسوريا، ويستند الاتهام الموجّه إليه إلى أن التجربة "الماكيت" كانت في ثورة الأرز اللبنانية بعد اغتيال الحريري، من خلال تطبيق الأفكار التي جاء بها فيلتمان، وربطه لزعماء الثورة مع شركات التسويق العالمية ومنها "ساتشي أند ساتي" التي سوّقت الاحتجاجات في لبنان، وتولّت الترويج لها عالمياً، بقيادة اللبناني إيلي خوري، ولكن الواقع الذي نتج عن ابتعاد فيلتمان، كان نتاج عمل فيلتمان ذاته، فبعد مغادرته لبنان، انفجر الوضع وانهارت حكومة الحريري، وتقدّمت إيران أكثر، في غياب اللاعب الخفي، والمهندس الأكثر خطورة في الملف.

وبعد العام 2011، كانت المنطقة قد دخلت طورا جديدا، أرسلت واشنطن لإدارته فيلتمان أيضا، حيث قابله الشباب التونسيون الثائرون هو الذي رفع بوجهه، الشباب التونسي في شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة، يافطة Feltman Go home.. أراد فيلتمان تركيب نظام بن علي من جديد، بالتوافقات التي تدرّب عليها جيدا في العراق ولبنان، ولكن الوقت كان قد فات.

وفي تونس ذاتها وفي الاجتماع الأول لأصدقاء الشعب السوري وقف فيلتمان مع هيلاري كيلنتون وزيرة الخارجية الأميركية، ليقول إن المجلس الوطني السوري هو الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري، ولكن… وكانت تلك الـ "لكن" هي جوهر ما يدور في عقل فيلتمان، فقد أصرّ على وضع عبارة " الشعب السوري الثائر" وليس كل الشعب السوري، مما ترك الباب مفتوحاً أمام احتمالات أخرى، فهناك في سوريا من لم يثر ولا يريد التغيير حسب وجهة نظر فيلتمان.

وحرصت كلينتون على ألا تلتقي وسائل الإعلام، مفوضة الجنرال السياسي جيفري فيلتمان، بالتحدث عن مظلة سياسية تم التوصّل إليها وداعيا جميع الأطراف بالانضمام إليها ودعمها وتقديم طلبات المشاركة في عضوية المجلس الوطني السوري، في الوقت الذي دفع بروبرت فورد إلى القاهرة بعد أيام، للحديث عن فشل المجلس وضرورة التخلص منه والانتقال إلى جسم جديد.


الخارجية الأميركية منقسمة أم منسجمة؟


في شخصية فيلتمان تظهر الانقسامات الأميركية، وفيها تظهر التنسيقات أيضا، وقد كان المرشّح الأبرز لخلافة هيلاري كيلنتون، لولا أنه فضل الابتعاد خطوة خارج المنصب، والذهاب نحو الأمم المتحدة ليتولى الشؤون السياسية من خلف بان كي مون، ولتكون الولايات المتحدة قد أحكمت وضع رجالها في المؤسسة الدولية، مانعة الاستحقاقات الكبرى التي يتوجّب، ولو شكليا، على مجلس الأمن أن يواجهها، فبدأ فيلتمان جولاته المكوكية، ليس فقط مذكراً بهنري كيسنجر، بل مصعّدا التقنية التفاوضية مع جميع الأطراف، حتى تحقق لفيلتمان، ما سمّاه من قبل، "حل سوء التفاهم" بزيارته إلى طهران، التي تبدو وكأنها اختراق في مصداقية الصراع ما بين واشنطن والإيرانيين، ولكنها في الوقت ذاته، اضطرارٌ سياسي، ذهب فيلتمان ليلملم ما تناثر منه، بعد تأجيج الصراع السني الشيعي في المنطقة في الساحة السورية، ويتضح فيما بعد أن ما تم الاتفاق عليه في طهران، أكبر بكثير مما تم الإعلان عنه، فقد زامن فيلتمان زيارته لطهران مع وجود السلطان قابوس، الذي ذهب أيضاً لتركين المشروع أكثر، كي يلا يفلت الصراع تماماً من السيطرة، ويستطيع فيلتمان الإدلاء بتصريحات خطيرة ضد الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة في المنطقة كالسعودية مثلاً، ولكنه سرعان ما يعود لسحبها، بعد تجريب بالونات الاختبار على صناع القرار، كما فعل حين تسرّب حديثه لبعض السفراء الأجانب عن أن السعودية لا تريد للحكومة اللبنانية أن تتشكل، ولكنه سرعان ما أصدر بياناً ينفي فيه هذا، ليقول إن التحالف والصداقة ما بين الولايات المتحدة والسعودية ليسا في لبنان وحدها، ولكن في المنطقة كلّها في اليمن وسوريا والعراق وفي مناطق شتى. بعد عودته من طهران، بشّر فيلتمان السوريين أنه إذا لم تشارك المعارضة السورية في مؤتمر جنيف 2 فإن هذا يعني أن بشار الأسد سيترشّح لانتخابات العام 2014، وفي لغة فيلتمان، فإن ترجمة هذا الكلام تعني أنه إذا قدمت المعارضة إلى جنيف2 فإن بشار الأسد سيرحل قبل موعد الانتخابات الرئاسية السورية القادمة. وأضاف أنه لا يرى إمكانية للحل في سوريا دون وجود وفد إيراني في المؤتمر، وكان له الدور الأكبر في ترتيب الاتفاق الخاص بنزع السلاح الكيميائي المتوفر لدى نظام بشار الأسد، بحكم موقعه في الأمم المتحدة وفي الخارجية الأميركية. وامتدح الدور الروسي الذي ساعد على تحقيق الاتفاق، ولكنه أضاف المفتاح السرّي كما فعل في تونس من قبل، على السوريين أن يشكلوا هيئة انتقالية في سوريا ومن الضروري أن يكون وفد المعارضة السورية مشكلاً من ممثلين عن كل القوى السياسية السورية، وأكد المسؤول الأممي أنه من غير المحتمل أن يضم وفد المعارضة السورية ممثلين عن القوى المتطرفة مثل "جبهة النصرة".

ولفت إلى أن إيران تؤيد التسوية السياسية للأزمة السورية على أساس بيان جنيف، وأوضح أن مطلب التوازن العسكري بين قوى المعارضة والنظام في سوريا على أرض الواقع ليس مناسبا، مؤكدا على أهمية إطلاق العملية السياسية خاصة حول تشكيل حكومة انتقالية في أسرع ما يمكن.

وبدراسة اللون المفضل للسياسة الخارجية الأميركية، سيكون من السهل التخمين بأن وزير الخارجية القادم سيكون جيفري فيلتمان، وأن جون كيري، لم يكن سوى اختباء ديمقراطي لأوباما خلف قناع كيري، ريثما يتم جيفري فيلتمان ترتيباته في المنطقة، وليدخل العصر الدبلوماسي الأميركي ليس في استمرار انسجامه بل إلى انقسام جديد هذه المرة، يتمثّل في بروز مشروعين على الأقل في الإدارة الأميركية، مشروع المندفعين في تطبيق قوس التوتّر من جديد، الذي أسس له من قبل زبيغنيو بريجنسكي، ومشروع التوصّل إلى خارطة جديدة يؤسس لها جيفري فيلتمان.

ففي الوقت الذي اندلعت فيه الثورات العربية، أتيح للولايات المتحدة معالجة الكثير من الإشكالات الداخلية التي عانت منها إدارة أوباما بوراثة سياسة بوش، وبدأ الاستثمار الحقيقي في إرث بوش بعد العراق، وخزان النفط الكبير الذي فتح الباب للشركات الأميركية الكبرى، فيما كان جيفري فيلتمان وفريقه، وليس روبرت فورد سوى أحد أولئك المنتشرين من كابول إلى الدار البيضاء، يرتّبون الأوارق من جديد بعيدا عن الكوكب الأميركي المستقل عن العالم.

رأس الحربة الأميركية المتقدم المتراجع جيفري فيلتمان، كان قد درس الفنون الجميلة، والثقافات والاقتصاد والقانون، وتمرّس في الساحات السياسية وجلسات التفاوض، ولم تكن مهماته بأقل احتياجاً إلى كل هذه العدّة، وهو الذي يقترب كثيراً من فوهات النار مع الخصوم، الأمر الذي أغرى به إعلامهم ليتناولوه في أكثر مرة، بعد أن تحوّلت شخصيته الكاريزمية إلى واقع يستفزّهم أكثر مما يمكنه أن يملي عليهم، فيستعملونه لإيهام المحاور في المنطقة بتغيرات في المواقف الأميركية تنعكس من خلال أدائه. وما يصطدم به مشروع فيلتمان وسياساته اليوم ليس توافق السياسيين، بل انعدام القدرة على احتواء الإشكالات والأعراض الجانبية لتلك السياسات التي طالما فضلت المجرى المدني ذي الملامح العسكرية.

8