فيلسوفة هولندية: إنه عصر البدايات الجديدة

الخميس 2015/03/05

فازت الطبيبة والفيلسوفة الهولندية مارلي هايجر (مواليد 1955) بلقب "مفكر الأمة"، وهي أول امرأة تفوز بهذا اللقب الشرفي بعد هانس أخترهاوس وروني غوده. وأثناء تقليدها اللقب قالت هايجر “المرأة الفيلسوفة تطرُق مواضيع مختلفة عن الرجال، وبطريقة مختلفة أيضا".

وفي حوار أجرته معها صحيفة “تراو الهولندية” قالت هايجر، إنها سعيدة بهذا اللقب وأنها تدعم بقوة استعمال مصطلح “مفكرة” بدل مفكر للمرأة، لأن المرأة المفكرة تتناول مواضيع مختلفة عن الرجل كما أن مناهجها وآليات بحثها مختلفة عنه. واستشهدت بهانه آرندت، الفيلسوفة الألمانية الأميركية، التي ركزت على مفهوم “الولادة” في حين اشتغل الفلاسفة من أفلاطون إلى هيدغر على “الموت”.

وترى هايجر، أنه في الوقت الذي انشغل سابقوها بـ”نقض الفكر” أو “تكريس الفكر”، تشتغل هي على “توسيط الفكر”، الذي تشرحه على أنه “التفكير في الأشياء بوصفك داخلها، وبالمسافات بين الناس، وبينهم وبين الأشياء والأحداث”، وقالت “أرغب في تحويل الفعل من حولنا إلى موضوع فلسفي، خذ مثلا أحداث شارلي إيبدو، أتناولها من جهة حجم الفوضى وانعدام الأمن اللذين يسيطران على عالمنا، رغم وجود كثير من الآليات التنظيمية التي تضمن شعورنا بالأمان داخل هذا العالم، الذي هو في الحقيقة عالم غير آمن بالمرة، مع ذلك يشعر الإنسان بأمان حين يكون وسط أناس يعرفهم وباستطاعته التواصل معهم. يجب أن نشتغل على هذا العامل ونرتّب الفضاء العام وفقه”.

وتنقض هايجر الفكرة النمطية عن الفلاسفة باعتبارهم مفكرين ينعزلون للتأمل والبحث والتحليل والاستنتاج في طروحات ونظريات فكرية وفلسفية مختلفة، وتعتبر أن دور الفلسفة والفيلسوف اختلف عن الماضي، وقد بدأ هذا الاختلاف مع آرندت، التي تحدثت عن “البدايات الجديدة”، وترى أن من واجب الفيلسوف أن يشتغل على “الفضاء العام” بإعادة تشكيله على أساس “التفكير والفعل الجماعيين”.

نظرية هايجر ترتكز على ضرورة خروج الفيلسوف من عزلته ليختلط بالناس ويتعامل مع البشر العاديين، وتقول في حوارها مع الصحيفة الهولندية “يجب أن نتكلم مع الأشخاص الذين لا نسمعهم عادة، مثل النساء والقادمين من ثقافات مغايرة، وفي نيتي توظيف هذا اللقب لإعطاء صوت لمن لا صوت لهم”.

المرأة تنظر لفلسفة جديدة مبنية على إشراك الآخر، بوصفه طرفا في الفكر وليس موضوعا له، وبوصفه شريكا في الفكر لا هدفا له، عكس الفلسفات القديمة التي نظرت إلى الآخر كطرف خارجي وأحيانا بوصفه “الجحيم”، كما أنها تعمل على تحويل اليومي إلى فلسفي وفق منهج فكري، يبدو متسقا مع نظريات حديثة تدعم إنزال الفكر والفن إلى الشارع وتحويل الفكر، من فعل فردي عمودي إلى فعل جماعي أفقي. وترى هؤلاء النساء المفكرات، أن المفكر مطالب بالمشاركة في الجدل العام، وإبداء رأيه في مختلف القضايا التي تهم مجتمعه، وليس مسموحا له بالانعزال والنأي بنفسه عن المجتمع والشأن العام.

فهل انتهى عصر فلسفة الجدران المغلقة والتنظير ليبدأ عصر “البدايات الجديدة” الذي تقوده نساء رائدات مثل أرندت وهايجر؟ ولماذا تهبط المرأة “المفكرة” إلى “الشأن العام” و”الفضاء العام” في حين يصعد الرجل إلى الفكر المجرد؟

21