فيلسوف سعودي تخلّى عنه مثقفو المشرق والمغرب خوفا من مخالب النفط

السبت 2013/11/23
عبدالله القصيمي.. من الظاهرة الصوتية.. العرب كفّروه واعتبروه خرج عن الملة

كان من تداخل قدري مع سيرة هذا الرجل قبل كتابة هذه السطور، أني نشأت وعشت لسنوات طويلة في الماضي في البيئة التي ولد فيها المفكر السعودي المثير للجدل عبدالله القصيمي، في قلب نجد، بين كثبان الرمال، في القصيم، وفي زاوية لطالما اعتبرت الأكثر حدّة في الحال الفكري والديني في السعودية، وكثيرا ما أطلق عليها المعارضون السعوديون وصف "فاتيكان الوهابية".

والحقيقة أن مدينة بريدة تلك كانت منبعا لأكثر العلماء السلفيين تأثيرا، وأكثر التجار السعوديين مهارة ودهاء، وأكثر الفاعلين في الساحة السعودية، لو أتيحت لهم الفرصة للتخلص من عوائق كثيرة، ليست أوّلها القبلية التي هيمنت على المجتمع وفرزته وطاولت رقاب بعض الناس على بعض، وليس آخرها شعور القصيميين أنفسهم بالترفّع حتى على الإشكالات المحلية السعودية، ومناقشة القضايا ورغبتهم في الخروج إلى أبعد من المحلية، وهاتان الفكرتان كانتا جناحين حملا عبدالله القصيمي بعيدا عن نجد وبعيدا عن الوهابية وبعيدا عن الإيمان كلّه.


من بريدة إلى العالمية


ولد عبدالله القصيمي واسمه الحقيقي "عبدالله الصعيدي" في قرية على تخوم بريدة كانت ضمن قرى متناثرة تعرف باسم الخبوب، ومنها قريته "خب الحلوة" في العام 1907، في وقت كانت فيه الجزيرة العربية تحت سلطات مختلفة، ولم يكن عبدالعزيز آل سعود، قد فرد سلطته على كامل التراب، فكان العثمانيون في الحجاز، والقوات الغربية تحيط من الشرق والغرب والشمال والجنوب أو تكاد. وكانت نجد تعيش في ظلام الاتصالات والفقر ونزوح الشباب إلى الشام والعراق بغرض المتاجرة بالجمال، وكانوا يعرفون باسم "العقيلات" أولئك الذين نقلوا روح نجد إلى الفضاء العربي باحثين عن الرزق، وكثير منهم لم يعد إلا في السنوات الأخيرة ليستعيد جنسيته السعودية،

في المقابل كانت تأتي أفواج من الساكنين إلى جوار أهل نجد من تلك البلدان لأسباب بعضها معروف وبعضها الآخر ما يزال مجهولا، فحتى ذلك الحين كانت العبودية ما تزال شرعية، في أماكن كثيرة من العالم، وكانت أعراق وأقوام تهرب من مجازر وكوارث في بلادها ملتجئةً إلى الأرض الحرام قريبا من بيت الله في مكة، أو عند زعماء القبائل النجدية، وبعضهم كان من بطون العرب ولسبب ما قرّر الهجرة عن أهله ومضاربه ليستقر في ثنايا نجد، ومن هؤلاء كانت أسرة عبدالله القصيمي، الذي لم ينكر أنه لا أصول نجدية له. ولكن كان أخواله من آل الرميحي المعروفين في المنطقة، أما والده فهو الشيخ المهاجر من حائل، والذي ما لبث أن غادر تاركا ابنه وزوجته للمجهول، راحلا باتجاه الشرق حيث إمارة الشارقة على الخليج العربي، وهنا بدأت رحلة عبدالله ولده مع الحياة بلا والد، و كان عمره حينها أربع سنوات فقط، قبل أن تتزوج أمّه من جديد، ليكبر عاملا في سوق المواشي والأعمال الزراعية النادرة في تلك المنطقة،

وفي سن العاشرة لم يعد الفتى يتحمّل تلك الأجواء، وفي نفسه نزعة تدفعه إلى الترحال، قبل أن يدفعه أخواله إلى السفر بعيدا عن بيت الأسرة للبحث عن الرزق، ولكنه لم يكن قد قرّر الترحال بحثا عن الرزق كما يبدو من سيرته، بل بحثا عن الأب الذي استمرّ طيلة حياته وهو يقتله في تكسير متواصل للغائب.


القصيمي هاربا بحثا عن الأب.. لقتل الأب


في العام 1918، غادر القصيمي "خب الحلوة" إلى الرياض لعلّه يعثر على أبيه، وعاش في إحدى ضواحيها الفقيرة في مخيم للاجئين من مختلف أنحاء الجزيرة العربية، حيثُ درس العلوم الشرعية على يد الشيخ سعد بن عتيق، حتى وصله خبر ورود وفد رسمي من إمارة الشارقة يصل إلى الرياض قريبا، حيث قابل أحد أعضائه ليكتشف أنه صديق لوالده، فحمله معه إلى ضفاف الخليج، يقول القصيمي: "وصلت إلى حيث يقيم والدي، ولأول مرة رأيت ولقيت وجرّبت الأبوة، كانت صدمة قاسية لي أكثر وأبعد من كل حساب".درس في مدارس الشارقة ليعوّض ما فاته من تعليم، حتى العام 1922. حين توفي والده، فقرّر هجر الدراسة والترحّل من جديد، فذهب إلى العراق، ودرس في الزبير، ثم إلى الهند ودرس الحديث النبوي واللغة العربية في دلهي، ثم عاد إلى بغداد ليتابع تعليمه في المدرسة الكاظمية، ثم ذهب إلى دمشق ثم قرّر السفر إلى الأزهر بدلا عن ذلك.

كان لحوارات القصيمي مع شيوخ الأزهر الأثر الكبير في نفوره من العقل الديني، وابتعاده تدريجيا عن جبة الشيخ المتدين، وهو تطور شخصي كابده القصيمي وحده

وكانت القاهرة في ذلك الوقت تعجّ بطالبي العلم من كل أنحاء العالم الإسلامي والعربي، فعاش فيها طويلا، وكان الزمن قد وصل بالقصيمي إلى العام 1927، حينها ألّف كتابه الأوّل دفاعا عن فكر محمد بن عبدالوهاب، والذي أطلق عليه عنوانا تقليديا "البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية" ردا على مقالة عالم الأزهر يوسف الدجوي والتي كانت بعنوان "التوسل وجهالة الوهابيين" المنشورة في مجلة نور الإسلام عام 1931، فقام علماء الأزهر بفصله إثر ذلك، فاستمر بمقارعتهم وتأليف الكتب والرسائل في نقدهم، فكتب "شيوخ الأزهر والزيادة في الإسلام" و"الفصل الحاسم بين الوهابيين ومخالفيهم" و"الثورة الوهابية".

كان لحوارات القصيمي مع شيوخ الأزهر الأثر الكبير في نفوره من العقل الديني، وابتعاده تدريجيا عن جبّة الشيخ المتديّن، وهو تطوّر شخصي كابده القصيمي وحده، حتى تطرّف فيه وذهب به الحال إلى آخره، فوسّع حربه لتشمل ليس فقط شيوخ الأزهر، ولكن أيضا المشهد الديني كلّه، وصولا إلى نقده العرب واتهامه إياهم بأنهم مجرّد فقاعات تاريخية كما في كتابه "العرب ظاهرة صوتية" الذي يقول فيه: "العرب ظاهرة صوتية.. نعم، إنه حكم لا يفرضه المنطق أو التفسير للأشياء والتحديق فيها فقط، كما لا تفرضه الأخلاق أو الشهامة أو إرادة العدل أو الصدق فقط. بل وتفرضه أيضا الشفقة ورفض الوقاحة والهجاء والتحقير والعدوان. إنه حكم يفرضه كل ما في الإنسان من معان قوية وناقدة ومفسرة، وأيضا من معان جيدة وصادقة ورحيمة ونبيلة مهذبة.

إنه حكم يفرضه الحب والاحترام للعرب . ولكن هذه القضية لا تزال تحتاج إلى مزيد من التفسير والإيضاح.. إن العرب لا يعظمون شيئا مثل تعظيمهم للأذن، لأن الأذن هي وحدها المستقبل للفم المصوت، المرحب به، المتعامل معه، إنه لا يوجد صديق أو مستقبل مرحب هاتف للفم غير الأذن أو مثل الأذن". (الصفحة 339).

وحين انتشرت أعمال وكتابات عبدالسلام بن عبدالعالي في مسقط رأس القصيمي في نجد، وانتشر كتابه "ثقافة العين وثقافة الأذن" الصادر عن دار توبقال في المغرب، وتدور أفكاره حول الجملة الشهيرة "كل سمعٍ طاعة" لم يذكر أحد من المثقفين السعوديين والعرب، عبدالله القصيمي الذي تحدّث طويلا وقبل ذلك بكثير، عن الأذن عند العرب وخطر التلقين.


الفيلسوف الثائر ينتقد الثوار والتاريخ


كتب عبدالله القصيمي صاحب العقل الثوري في نقد الثورات قائلا: "لا يمكن أن تكون ثورة دون أصوات عالية، إن الأصوات العالية تستهلك حماس الإنسان وطاقته، إنها تفسد قدرته على الرؤية والتفكير والسلوك الجيد، إن الأصوات العالية هي الثمن السخي الذي تهبه الثورات للمجتمعات التي تصاب بها، إن الأصوات العالية هي العقاب الغوغائي الذي تعاقب به كل ثورة أعصاب ووقار مجتمعها"، وكان للقصيمي في تحولاته زوايا نظر بحكم اطلاعه العميق على التراث العربي والإسلامي، فقد ذهب إلى اعتبار الثقافة العربية أسطورية الشكل والمنحى، وبعيدة عن الواقع، ولا يمكن لها أن تصنع حضارة من جديد إثر تحوّلها إلى عبادة أصنام أخرى بعد إعلانها التوحيد، عبدها العرب مع الخضوع للسلطات حتى صارت عقائدهم وثنية مشركة من جديد، يقول في كتابه "هذه هي الأغلال": "إن المسلمين يقفون أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يستفيدوا من التراث العلمي للبشرية أو أن يبقوا متخلفين جهلة، ولكي يتخلصوا من الركود الذي هم فيه، ما عليهم إلا أن يعرفوا أنه لا توجد معرفة ضارة ولا جهل نافع، وأن كل الشرور مصدرها الجهل وكل الخير مصدره المعرفة".

وحين تدفق الحسّ النقدي الصارخ في صوت القصيمي في أكثر من كتاب ومناسبة، ذهب التقليديون إلى تكفيره والتذمّر منه واعتباره ملحدا خرج عن الملّة، يقول في كتابه "العالم ليس عقلا": "سيجد القارئ في هذا الكتاب أمثال كلمات: إله، آلهة، دين، أديان، نبي، أنبياء.

وقد يشعر أحيانا أنها كلمات لا تحمل الاحترام الواجب لهذه الأسماء، أو أن فيها شيئا من التهوين والمساس. لهذا ظننت أني ملزم بوضع تصحيح صغير لهذا الذي قد يعد لدى فريق من القراء التباسا. إني لا يمكن أن أعني بالإله أو الآلهة إله الكون وخالقه وواهبنا الحياة والعقل والخيرات الجمة. وإنما أعني بذلك الطغاة أو الأصنام أو الأوهام أو النظم الاجتماعية المتأخرة الظالمة المنسوبة إلى الإله. وكذلك أعني بالأنبياء والأديان حيثما جاءت في كلامي غير أديان الله وأنبيائه. هذا تصحيح أسجله على نفسي كاحتياط مبالغ فيه جدا". حين أصدر القصيمي كتابه "كيف ضل المسلمون؟" في العام 1940، كان معظم رموز الثقافة العربية ما يزال يسير إلى جانب الحائط، خشية أن يتهم في عقيدته أو يثير ضدّه اللغط وعالم الأقوياء، ولم يكن قد ظهر في المشرق غير كتاب طه حسين الجريء "في الشعر الجاهلي" قبلها بخمسة عشر عاما، ثم تتالت أعماله "هذه هي الأغلال" و"صحراء بلا أبعاد" و"أيها العقل من رآك ؟" في عام النكسة 1967 حتى وصل هو إلى صرخته الكبرى "العرب ظاهرة صوتية" في العام 1977.

أكثر المدافعين عن فكر محمد بن عبدالوهاب وأوّل الخارجين من تضاريس العقل الديني

وقد حلّل ظاهرة القصيمي بعض الصحفيين والكتاب ذوي الشجاعة النادرة، وأعدّت أطروحات دكتوراه في مناقشته مثل رسالة أحمد السباعي "فكر عبد الله القصيمي"، ودراسة الباحث الألماني يورغن فازلا "من أصولي إلى ملحد" و كتب عنه "حميد زناز "، و"عبدالرحمن العكيمي" و"هاشم الجحدلي" و"عبدالرحمن الرويشد" و"بدر الغانمي" محاولين إنصاف الشيخ النجدي، ولكن مفكري الأمّة الذين تصدّروا المشهد شعروا بأن هذا البدوي القادم من خلف الكثبان، يقول ما هو أكبر من بيئته، وأن الأفضل لو تم تسفيه قوله، وعدم تشجيعه، فعانى القصيمي الظلم من كل الاتجاهات، فأدونيس الذي لم يخرج مرّة واحدة عن نافذة التشيّع الفكري في شعره وأبحاثه وكتبه، وظل يعيد ويزيد في سرد وتحليل حادثة سقيفة بني ساعدة في كتابه الثابت والمتحوّل مستصرخا الثأر لعلي بن أبي طالب لحرمانه من الخلافة، أدونيس ذاته الذي كتب قصيدة يمتدح فيها ثورة الخميني كما يعلم الجميع، يقول إن القصيمي "مجرد صارخ، يقول كلّ شيء ولا يقول شيئا، يخاطب الجميع ولا يخاطب أحدا".

أما المفكر المسيحي "العقلاني" جورج طرابيشي فيصف القصيمي بالقول: "تقترن الكراهية الأبوية عند القصيمي بنزعة إلحادية حادّة وسافرة واستفزازية لا نقع على مثيل لها في كل الخطاب العربي، ولا حتى في كل الفكر العربي قديمه وحديثه، ولا نجد ما يضارعها إلا في الآداب الأجنبية، وعلى سبيل المثال المركيز دي ساد"، ويوغل طرابيشي في وصف شخصية القصيمي ليصل إلى حدّ التصوّف في مهاجمته: "ولكن هذه النزعة الإلحادية، المتعمدة تدنيس القدسيات، لا تصدر عن نظر عقلي بقدر ما يحكمها موقف نفسيّ وبقدر ما تعكس تثبيتا وجدانيا سلبيا، ومن نمط جنسيّ مثليّ" كما جاء في الصفحة "69" في كتابه "المرض بالغرب، التحليل النفسي لعصاب جماعي عربي".

قتل القصيمي والده الذي خانه وتركه وحيدا، على المستوى النفسي، واستمرّ في قتله للآباء الفكريين والتاريخيين والروحانيين والسياسيين، ولا يستقيم السؤال إن كنا نظلم القصيمي في وضعه في خانة التحليل النفسي فقط أم أننا ننصف توجّهه الذي ما زال يواجه ردود الفعل حتى اليوم، ولكنه بلا ريب أحد أهمّ صنّاع الوعي في القرن العشرين، وكان القصيمي قد تعرّض لعدد من محاولات الاغتيال، بعد اغتياله سياسيا وفكريا، وطُرد من مصر إلى لبنان في عهد عبدالناصر، وثارت عليه محافل اليمن، بعد أن تأثّر طلابها بفكره.

وروت التحقيقات الصحفية التي أجريت حول أواخر أيام القصيمي أن المسؤولة الإدارية عن قسم كبار السن في مستشفى فلسطين في مصر الجديدة آمال عثمان، المشفى الذي مات فيه القصيمي، وكان يتلقى فيه العلاج قبلها، كانت تصفه بالقول: "كان طيبا محترما يخاطبنا نحن العاملين القائمين على خدمته بلغة راقية شاعرية.

وكان يكثر المزح معنا، ويداعبنا بألفاظه الرقيقة، وكان يقول لي، إنكِ إذا تمشين فإن الأرض تدعو لك، وكان يدعو لنا بالتوفيق، ونصحنا كثيرا بأن نعيش بسلام ووئام، وأن نترفع عن الصغائر والضغائن، وقال لنا: إن الله يراقبنا من فوق، فعلينا أن نطهر قلوبنا من الحقد والحسد، وكان يقضي وقته في قراءة القرآن الكريم، الذي كان بجانبه طيلة إقامته في المستشفى.

وكان في بعض الأحيان يقرأ القرآن الكريم بصوت مرتفع ويرتله ترتيلا"، ولم يكن القصيمي يرى الكون عمارة مبنية بهندسة تامّة، يقول في كتابه "كبرياء التاريخ في مأزق": "لو تصورنا الكون من إبداع مهندس، أي على افتراض أن له مهندسين، فإنهم قد بالغوا جدا في تضخيم جرمه على حساب ذكائه، قد كان المفروض أن ينقصوا جدّاً من جسمه ويزيدوا جدّا من حكمته".

ولو حوكم اليوم كل مفكري العرب بذات المساطر والمعايير التي حوكم بها القصيمي، لانطبقت عليهم أوصافٌ أشدّ فحشاً وجرحاً مما قيل في القصيمي الفيلسوف الذي ينبغي وضعه في مصاف عبدالرحمن بدوي وطه حسين وحسام الألوسي، بينما نرى القصيمي يرجم ويكفّر وتمنع المحاضرات والندوات التي تناقش وتدرس وتبحث في فكره وسيرته.

مضى القصيمي تاركا إرثه الفكري الإشكالي، بين يدي العرب الذين نقد حياتهم وتاريخهم وظواهرهم، ولم يكن ذاك الطفل الهارب من "خب الحلوة : في أعماق الصحراء، يعرف أنه سيكون عاصفة تضرب الفكر العربي والإسلامي كلما تقادم عهدها".

13