فيلسوف فرنسي يحاول ضبط التعريف الهلامي للسعادة

ما زال البحث عن “السعادة” منذ بداية التواجد البشري هدفا فردياً للإنسان من جهة وهدفا للمجتمعات بكافة أشكالها من جهة أخرى، إلا أن السعادة مفهوم لا يمكن الإحاطة به، ومازال البحث عن تعريف له قائما حتى هذه اللحظة، إذ لا يوجد قطاع في الحياة إلا ويدّعي أنه يسعى لتقديم السعادة للإنسان، بل حتى أن البعض ينذر حياته من أجل إيجاد هذه السعادة، سواء في ذاته أو في ما حوله، لنرى سؤال “السعادة” هاجساً لا فكاك منه، تسعى له العلوم بمختلف أنواعها سواء تلك النظرية منها أو التطبيقيّة، بوصفها جميعها تُسائِل مفهوم السعادة أو إيجاد وسيلة خلقها.
الاثنين 2016/12/05
السعادة سؤال وجودي (لوحة للفنان بول غيراغوسيان)

يبحث الكاتب والفيلسوف الفرنسي فريدريك لونوار، في كتابه “في السعادة: رحلة فلسفية”، عن مفهوم السعادة عبر مقاربات مختلفة، سابراً التساؤلات المرتبطة بالبحث عن السعادة من جهة وماهيتها من جهة أخرى، عبر مقاربات فلسفية وتاريخية وعلميّة، إلى جانب طبيعة السعادة المزدوجة، فهل هي بحث شخصي أم قضية فلسفية؟ وهل هناك حقيقةً صيغة جاهزة للوصول إليها؟

اللذة كوسيلة

يبدأ الكتاب، الصادر هذا العام عن دار التنوير، ومن ترجمة خلدون النبواني، باعتراف من الكتاب نفسه عن صعوبة الكتابة عن مفهوم السعادة وخصوصاً أنها مؤقتة أو تنتمي إلى لحظة مستقبليّة، وبالرغم من تعدد القطاعات التي تتناولها إلا أن السعادة دائما تقترن بالرأي الشخصي والتجربة الذاتية، إذ لا يمكن التعامل معها بحياد تام، ولا بد أن تُطرح التساؤلات المرتبطة بالسعادة على من يقوم بالبحث فيها، ليغدو التساؤل بعيداً عن الحياد العلمي، بل ومحكوماً بجدوى البحث ذاته.

وهذا ما يكتب عنه لونوار لاحقاً، وهو الوعي بالذات أثناء طرح السؤال، إذ لا يمكن تحديد مفهوم السعادة دون وعي بمن يطرح السؤال وإدراكه لوجوده والمتغيرات المرتبطة به، سواء على المستوى الشخصي أو الاجتماعي، وينعكس هذا في تقنية التحليل التي اتبعها الكاتب، إذ يؤكد أنه لا يوجد ضابط زمني أو منهجي في عملية البحث، بل هي مقاربات مختلفة تستمد مرجعيتها من التاريخ والفلسفة والحياة اليومية والصناعة الثقافية والديانات الشرقية.

يطرح الكتاب “في السعادة: رحلة فلسفية” مفهوم السعادة وارتباطه باللذة، سواء تلك الروحية منها أو المادية المرتبطة بالعالم المحسوس، وإنهاك الجسد في سبيل اللذة بوصفها معادلاً للسعادة، جاعلا سقراط وأبيقور مثالين على هذه الجوانب، كما نقرأ ارتباط السعادة بالأخلاق، بوصف اللذة التي يصل إليها المرء نتيجة التزامه الأخلاقي هي السعادة، كحالة يسوع الناصري أو الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، الذي يجعل من السعادة نموذجاً روحياً سابقاً وعلى الإنسان أن يسعى لتحقيقه، بحيث تكون السعادة الأبدية عند إتمام هذه الالتزامات الأخلاقيّة.

أسئلة وجودية مربكة

كما يَطرح الكتاب ارتباط السعادة أيضاً بالنموذج البرجوازي، المتمثل في التملك وجمع الأموال بوصفهما عوامل هامةً في حصول المرء على ما يريد، لكن هذه النماذج ما لبثت أن انهارت مع سرديات الحداثة، والتي شكلت نموذجاً استهلاكيا للسعادة، عبر الإعلانات واللذة الفردية، بوصفها تقدم الحلم بالسعادة “مُعلباً”، عبر الاقتناء المادي للمنتجات التي تقدمها الإعلانات، لتتحول السعادة إلى مفهوم تجاري قائم على الاستهلاك ومماثلة النموذج الرأسمالي.

يستعرض لونوار، في كتابه الذي نشر لأول مرة عام 2015، نماذج السعادة الطارئة المرتبطة بجمع الثروة أو تحقيق طموح ما على الصعيد المادي أو المهني، كما يشير إلى السعادة المضادة، القائمة على رفض النماذج المبرمجة مسبقاً للسعادة، فالمواجهة والرفض يبعثان على السعادة بوصفها انعتاقاً وتحرراً من القيود الاجتماعية وأنظمة السيطرة، وهذا ما نراه في السعي للتحرر من السطوة الماديّة في الفلسفات والديانات الشرقية التي تجعل من السعادة تساؤلاً أساسياً في تكوينها، إذ يشرح كيف تحولت هذه الديانات في الغرب إلى وسيلة للتحرر من الهيمنة الاستهلاكية والسلطة الرأسمالية، بوصفها تسامياً من المادي نحو الروحي.

الحب والبطولة

جانب آخر من السعادة يرتبط بالأعمال البطولية وحقيقة السعادة التي ينالها أولئك “الأبطال”، وهل إن قام الأناس العاديون بتحقيق البطولات سينالون السعادة؟ هذا التساؤل الفردي ينسحب على مفهوم الأنانية، بوصف الفرد يسعى لتحقيق مجده الشخصي سواء على الصعيد المادي أو الروحي، لكن أليس الحب وإيجاد شريك هما أيضاً أحد أشكال السعادة؟ وهذا ما يتناوله الكتاب في ما يتعلق بالحب، بوصفه أحد أشكال السعادة، والسعي لإيجاد شريك مناسب هو هدف يسعى له الكثيرون، خصوصاً وأن الحب ظاهرة شخصيّة وقضية فكرية في الوقت ذاته، ما يجعل الحب/السعادة يتناقض مع الأنانية والفردية التي قد تحوي نماذج للسعادة.

يسعى لونوار لاحقاً إلى تحديد عدد من العوامل المرتبطة بالسعادة، بوصفها استعداداً وراثياً، وشروطاً خارجية موضوعية تسهم في تحقيقها، إلى جانب كونها تتحدد عبر صورة المرء عن ذاته وتصوراته المستقبلية والحالية عن نفسه، ليبدأ بعدها بمقاربة السعادة من ناحية طبية، عبر تأثير الهرمونات الجسدية ونسبها في جسم الإنسان، لتكون المقاربة الطبية البيولوجية وسيلة لفهم الصيغة الكلينيكية للسعادة، وهل من الممكن توليدها آلياً والسيطرة عليها؟ لنراه بعدها ينتقل إلى الإحصاءات الاقتصادية وعلاقتها بمستوى معيشة الفرد، مشيراً إلى أن الأرقام المرتبطة بالأموال والدخل الفردي لا يمكن بالضرورة يكونا مقياساً للسعادة.

14