فيلق القدس.. الأداة الخفية للتخريب الإيراني في المنطقة

الخميس 2013/12/12
انتقام فيلق القدس لتفجير بيروت قادم.. لكن ممن؟

لندن - يبدو أن «فيلق القدس» الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني سيظل مصدرا للإزعاج لدى غالبية الدول المحيطة بإيران. فالقواعد الصارمة التي تأسست عليها هذه الوحدات الخاصة، وعلى رأسها عقيدة ممارسة أعمال التخريب وتبنّي أساليب المافيا في الانتقام من خصوم طهران، لن تموت أبدا، وهو ما يثير التساؤلات حول سلوك الرئيس حسن روحاني المحسوب على المعتدلين، وما إذا كان نهاية لسياسة زعزعة الاستقرار التي تتبعها إيران في مواجهة القوى الأخرى في المنطقة، أم أن روحاني مجرد واجهة لمراكز القوى الحقيقية داخل المنظومة الطائفية الإيرانية.

لكن هناك تساؤلات أخرى أثيرت حول ما إذا كان الاتفاق المؤقت الذي تم توقيعه بين إيران ومجموعة «دول 5+1» في جنيف يحمل بنودا سرية تتضمن تحجيم دور قوات سرايا القدس، أو تعليق أعمالها في الخراج.

ففي صباح يوم 19 نوفمبر الماضي، عقب ساعات قليلة من وصول فريق المفاوضين الإيرانيين إلى جنيف، لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق، تعرضت السفارة الإيرانية في بيروت لتفجيرين كبيرين أسفرا عن مقتل 23 شخصا، من بينهم الملحق الثقافي الإيراني.

قد تبدو هذه العملية، التي سبقها تفجيران منفصلان في الضاحية الجنوبية التي يسيطر عليها حزب الله، في مضمونها مرتبطة بشكل أو بآخر بعناصر من المعارضة السورية، في حربها مع النظام السوري وقواعده في لبنان.

ولم يفضل الإيرانيون اتخاذ خطوات غير محسوبة بعد العملية، ولجأوا فقط إلى رفع الرايات الحمراء، رغم تجاوزهم عن التفجيرين السابقين، واتهامهم أطرافا أكثر احترافية من المعارضة السورية بضرورة أن تكون تلك الأطراف هي من يقف في الكواليس خلف التفجير الأخير، واستندوا في ذلك إلى عدة حقائق من بينها أن المنفذين كانوا يعلمون بخط سير السفير الإيراني في ذلك اليوم ومكانه بالتحديد داخل السفارة، وأن العنصر الانتحاري الثاني كان يحمل معدات متفجرة شديدة التطور والتعقيد، صنعت خصيصا للانفجار من أسفل إلى أعلى، بهدف هدم المبنى بأكمله.

وعلى الرغم من ذلك ظلت السفارة الإيرانية في بيروت دائما هدفا مثاليا لأي جهة تسعى لمقاومة التمدد الإيراني، باعتبارها المحطة الرئيسية التي تقوم طهران من خلالها بنقل الدعم العسكري والمالي لمليشيات حزب الله، فضلا عن أنها نقطة الانطلاق للكتائب الإيرانية المساندة لنظام بشار الأسد في سوريا، بالتعاون مع المحطة الإيرانية الأخرى في بغداد.

ويقول خبراء إنه قد يكون تولي حسن روحاني الرئاسة أضفى بعض التغييرات على سياسات وتحركات الفيلق، فقبل دخوله إلى قصر «سعد أباد» لم تكن قيادة الفيلق لتنتظر أن يأتي الانتقام، من الجهات التي تقف وراء تفجير السفارة ببيروت، من السماء، وفي السنوات القليلة الماضية اكتسبت سياسة زعماء المافيا التي يتبناها الفيلق شهرة واسعة، خاصة في أعقاب عمليات التفجير التي لاحقت الدبلوماسيين الإسرائيليين في الهند وتايلاند وجورجيا وأرمينيا للرد على العمليات التي كانت تستهدف تقويض البرنامج النووي الإيراني، تحت قيادة الموساد.

يظل فيلق القدس، تحت قيادة قاسم سليماني، المعروف بالخداع والمراوغة، على ضفة القائد الأعلى للثورة الإيرانية، المواجهة لتلك التي يقف عليها الرئيس روحاني

وقد شملت المضايقات التي يمارسها فيلق القدس، السعوديين، ومن ذلك الهجوم الإلكتروني على شركة أرامكو للنفط، المملوكة للحكومة السعودية في ديسمبر الماضي، وسبقتها محاولة اغتيال السفير السعودي بواشنطن في أكتوبر 2011.

وفي وسط هذا الزخم وما يتخلله من جدل كبير داخل الأوساط الإيرانية، يظل فيلق القدس، تحت قيادة قاسم سليماني، المعروف لدى الأوسط الغربية بالخداع والمراوغة، على ضفة القائد الأعلى للثورة الإيرانية، المواجهة لتلك التي يقف عليها الرئيس روحاني، رغم إدراك خامنئي جيدا أن القيام بأي عمل انتقامي تجاه السعودية أو أي من الأطراف الإقليمية الحليفة للقوى الغربية، سيمثل خصما كبيرا من رصيد إيران في رحلتها الطويلة نحو استعادة الثقة، والخروج من هوة العزلة التي تقبع في القاع منها الآن.

ربما تكون أيدي فيلق القدس الطولى مقيدة حاليا، لكن ذلك لم يمنعه من التحرك بقدر من المرونة في المنطقة، عبر أذرعه الشيعية الأخرى في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن والبحرين والسعودية، بينما يبقى حزب الله والجماعات الشيعية المسلحة في العراق على رأس القائمة بين القوى التي لعبت دورا حاسما في مساندة النظام السوري.

لن ينسى فيلق القدس أو يتسامح مع عملية تفجير السفارة في بيروت، وسيكرس كل إمكانات الشبكة الدولية، التي أسسها في سبيل إنجاز عملياته، للرد على هذه الحادثة، ولكن لاحقا، بعد أن تتحول أعين المجتمع الدولي عن طهران وبرنامجها النووي.

ووسط الجدل حول مدى تأثير اتفاق جنيف على خطوات إيران نحو التحول إلى قوة إقليمية مسؤولة، تبقى المشاورات ضرورية حول الضغط من أجل تقليص دور «فيلق القدس» وعملياته التخريبية خارج إيران، في الوقت الذي لا يمكن فيه الانحياز إلى التقارب الدولي مع إيران إذا كان يسير في قافلة موازية لتلك التي تسعى جاهدة إلى ترسيخ التطرف الشيعي وتسويقه، عوضا عن الهدف الأكبر أمام طهران لامتلاك أخطر أسلحة في العالم.

3