فيلكس شيلباري ظاهرة تحول الشغف إلى مهنة والوقت إلى مال

السبت 2017/05/20
فيلكس شيلباري أسطورة ثراء سويدية تجعلكم تعيدون التفكير

ستوكهولم- نصحنا أحد الأصدقاء العرب قبل فترة بمتابعة قناة سويدية على اليوتيوب تحمل اسم “بيودي باي” يشرف على محتواها شخص اسمه فيلكس شيلباري، من مدينة غوثنبرغ جنوب غرب السويد. حسناً الأمر بسيط، لدينا وقت لمشاهدة مقطع فيديو إضافي على اليوتيوب، لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن أبدا في الحسبان.

الرجل لا يعمل في قطاع الفن أو الغناء حتى يشارك جلسات التصوير و التسجيل مع معجبيه، ولا يملك ثروة ورثها عن والديه يتفاخر بها، ولا يحاول أبدا إظهار نمط الحياة السويدية. إنه ببساطة يلعب. ماذا يلعب؟ لن يصدق أحد حجم الصدمة.

إنه يلعب الألعاب الإلكترونية المتوفرة في السوق، حيث بدأ هذا الشاب السويدي قناته على اليوتيوب في العام 2010، واستطاع في سبع سنوات تقريبا من أن يجمع حتى لحظة كتابة هذه المادة أكثر من 55 مليون متابع، أي 5 أضعاف عدد سكان مملكة السويد. وحققت فيديوهاته أكثر من 15 مليار مشاهدة، ما مكنه من حصد أكثر من 12 مليون جنيه إسترليني في العام الماضي فقط.

كل ما يفعله هذا الشاب المرح بعد الاستيقاظ صباحاً وتناول الـ”سمور غوس” السويدية مع كوب ساخن من القهوة، هو اللعب والتعليق المضحك على ألعابه، مع بعض الأصوات المضحكة، وهو ما ميزه عن غيره من أصحاب القنوات المشابهة على اليوتيوب.

حيث من قواعد عالم الألعاب الإلكترونية لا يحب الناس الانخراط في الألعاب فحسب، بل يحبون مشاهدة الآخرين وهم يلعبون أيضًا، ويهوى الزوار عمومًا مشاهدة أصحاب قنوات يوتيوب وهم يلعبون ويقومون بالتعليق وإبداء الملاحظات إما لاكتساب المعرفة حول كيفية اللعب بشكل أفضل أو مجرد شكل من أشكال الترفيه.

البداية وول ستريت جورنال

لعبة “سكيت 3” مثلا من الألعاب متوسطة المستوى، أو ممكن حتى نقول عليها دون المستوى نزلت قبل أربع سنوات. بيودي باي لعبها قبل فترة، حيث وصلت عدد مشاهداتها إلى إلى 12 مليون مشاهدة، واشتهرت اللعبة لدرجة أن الشركة الناشرة “إي إيه” اضطرت إلى أن تطبع اللعبة من جديد. اللافت للنظر أن اللعبة طلعت إلى المركز 40 في مبيعات بريطانيا، واستمرت في المركز هذا لفترة طويلة، والأسبوع الماضي وصلت إلى المركز 20.

الشاب السويدي يحتفل بمرور سبع سنوات على افتتاح قناته على اليوتيوب

هذا الأمر وغيره دفع أستوديوهات “ديزني” الشهيرة في الولايات المتحدة الأميركية إلى توقيع عقد خاص معه لتقديم برنامج يتحدث فيه للمراهقين بأسلوبه الصاخب المعتاد مقابل 11.6 مليون جنيه إسترليني في العام، مما جعل قيمته الإعلانية أكبر بمرة ونصف تقريباً من قيمة الإعلان على حساب هيلاري كلينتون.

ولكن كل هذا تغير مع دخوله في معركة مع كبرى وسائل الإعلام الأميركية. بحسب التقرير الحصري الذي نشرته “وول ستريت جورنال” قالت الصحيفة إنها كلفت 3 من صحافييها بالعمل على مراجعة قناة بيودي باي “عشوائيا” وكانت النتيجة أن العثور على 9 نكات تهين اليهود وتتمنى موتهم، وغيرها من العبارات النازية.

وبعدها تم إرسال النكات من الصحافيين لديزني. ومن هنا تلقت باقي الصحف الأميركية الخبر وبدأت تنهال بالهجمات على بيودي باي، حتى ألغت شركة ديزني العقد مع أكبر نجوم اليوتيوب.

لم يتلق مؤيدو بيودي باي الهجوم على نجمهم بصدر رحب بل إن البعض أفرد في تغريدات هجوما على وسائل الإعلام بدعوى أن سبب الهجوم واستهداف بيودي باي هو تحقيق “فرقعة” إعلامية تجذب القراء للصحيفة.

والدليل على ذلك هو نسب المشاهدة، حيث انخفضت نسبة المشاهدة في عدة صحف ومواقع أميركية مثل “وول ستريت جورنال” نفسها و“بازفييد” و”فارايتي” و“يو إس إيه توداي” وكلها مواقع تناولت قصة بيودي باي على نحو سلبي.

في حين أن أحد الصحافيين الذين وقفوا وراء قصة بيودي باي كانت له نكات يسخر فيها من اليهود والسود، وهو ما وصفته صحيفة “الصن” البريطانية بأنه “نفاق واضح” لكن لم يتم الالتفات إليه، على الرغم من نشر الصحيفة تغريدات الصحافي بن فريتز على تويتر والتي قال فيها النكات المسيئة.

أما نجم يوتيوب الآخر والذي يسمي نفسه “سرجون” فقال إن مكتب الإحصاءات الأميركي يظهر تراجعاً في معدلات المشاهدة الخاصة بـه على أغلب وسائل الإعلام التقليدية والشهيرة في عام 2016 مقارنة بما كانت عليه في 1990. وهذا يرجع لأسباب كثيرة منها أن البعض يفضل وسائل التواصل الاجتماعي على الصحف حتى وإن كانت إلكترونية، بعدما كانت المواقع تحصل على مشاهدات أعلى في الماضي أعلى من الصحف المطبوعة.

ومنذ التسعينات من القرن العشرين وحتى 2016 تراجعت معدلات التوظيف في الصحف بمعدل النصف. ولذا ليس من المستبعد أن يكون الخوف من فقدان الوظيفة عاملا على كتابة قصص إخبارية تهاجم شخصية إعلامية شهيرة أملا في البقاء في الأضواء.

علما بأن 45 بالمئة من المشتركين لدى “وول ستريت جورنال” يأتون من خلال الاشتراكات على الإنترنت”، وهذا يعني بحسب تصريحات سابقة لروبرت تومسون “رئيس وول ستريت جورنال” أن الصحيفة تحصل على 2 مليون مشاهدة يوميا، وهذا الرقم في تراجع حيث إن قناة وول ستريت جورنال على يوتيوب تحصل على 240 ألف مشاهدة يوميا. وكلّها أرقام لا تساوي شيئا أمام قناة بيودي باي الذي يحصل على 12 مليون مشاهدة يوميا في قناة يوتيوب وهو مجرّد شخص واحد وليس مؤسسة إعلامية كاملة.

ولذا كان من الطبيعي أن يسخر بيودي باي من الصحيفة قائلا “صحفيو وول ستريت جورنال يطرقون على أبوابي ويعرضون عليّ فرصة الدفاع عن نفسي.. أنا لا أمزح هذا حدث فعلا”. وهي سخرية من بيودي باي الذي يملك حاليا جمهورا أكبر من جمهور وول ستريت جورنال نفسها، وهو نفسه الجمهور الذي اتهم الصحفية بالانحياز وبتعمد اختيار نكات خارج سياقها حتى يتم إظهار نجمهم في صورة الشخص العنصري.

التحول إلى “يوتيوبر” يحمل تحديات مختلفة، بداية بسبب عدم تعوّد الناس على الاشتراك في قنوات يوتيوب ومتابعتها بشكل دوري، إذ يميل جمهور اليوتيوب إلى مشاهدة فيديوهات مفردة إلا في حالات نادرة، لكن وصفة فيلكس التي ينصح بها الراغبين في التفرغ لصناعة محتوى مرئي لليوتيوب أن يكونوا على حقيقتهم تمامًا، وتحدثوا إلى كاميراتهم تمامًا كما يتحدثون إلى أصدقائهم، ويكشفون ما يشعرون به بكل صدق، ودون الحاجة إلى إضافة صفات أو طريقة كلام لا تشبه حقيقتهم.

الإعلانات على يوتيوب

عندما تشاهد أيّ فيديو على يوتيوب تظهر لك ثلاث نوعيات من الإعلانات؛ الأولى إعلانات فيديو تظهر في بداية أو خلال الفيديو الذي تشاهده، وهي إعلانات قابلة للتخطي بعد 5 ثوانٍ من عرضها.

والنوعية الثانية هي الإعلانات الكتابية التي تظهر داخل مربع الفيديو بالأسفل، والثالثة إعلانات تظهر على يمين الفيديو. وهذه الإعلانات مدفوعة من قبل الشركات المُعلنة حتى يراها الجمهور، وينال يوتيوب مكسبه منها، ومن ثم يمنح كل صانع فيديو نصيبًا من الربح على الإعلانات التي ظهرت خلال عرض المحتوى الخاص به.

ولكن ماذا عن المحتوى

استطاع أن يجمع حتى هذا اليوم أكثر من 55 مليون متابع،

ولأن يوتيوب يستقبل يوميًا الملايين من الفيديوهات الجديدة، ومليارات المشاهدين من كافة أنحاء العالم، فالإعلانات وأرباحها تخضع لعملية معقدة أشبه بالمزادات.

فالمعلن يختار النطاق الجغرافي الذي يودّ عرض إعلانه فيه، ومواصفات المشاهد الذي يودّ عرض المنتج عليه، وعدة خيارات أخرى، ومن ثم يعمل يوتيوب تلقائيًا على عرض هذه الإعلانات على أكثر الفيديوهات والمشاهدين المناسبين لمواصفات المعلن.

هنا يأتي المزاد، حيث يختار يوتيوب أكثر الإعلانات ربحًا للموقع وبالتبعية لصانع المحتوى، وكلما زاد الطلب على المحتوى والجمهور المشاهد لهذا المحتوى، كلما ارتفعت أسعار الإعلانات وتربّح صانع المحتوى أكثر، والمعلنون يرفعون من أسعار إعلاناتهم حتى يضمنوا الظهور للجمهور الأفضل.

وأخيرًا يظهر الإعلان على الفيديو المناسب، ولكن الرحلة لا تنتهي هنا فالغرض من الإعلان ليس الظهور فقط، بل الغرض الرئيسي هو ضغط المشاهد على الرابط في الإعلان ليدخل موقع المعلن أو يحمّل تطبيق هاتف جديدا أو يشترك في خدمة أو يشتري منتجًا أو أيًا كان.

ولذا إذا تجاهل المشاهد الإعلان وضغط «تخطي»، أو لم ينتبه إلى الإعلان الذي ظهر أمامه ولم يضغط على الرابط، تختلف الأرباح. فبعض الإعلانات لا تدفع إلا عمّن ضغط على الرابط، أو من شاهد الفيديو كاملاً، وهو ما يجعل العملية الحسابية معقدة وخاضعة لعناصر كثيرة.

التحول إلى “يوتيوبر”، كما هي حال شيلباري، يحمل تحديات كبيرة، بسبب عدم تعود الناس على الاشتراك في قنوات يوتيوب ومتابعتها بشكل دوري، إذ يميل جمهور اليوتيوب إلى مشاهدة فيديوهات مفردة إلا في حالات نادرة.

13