فيلمان فلسطينيان عن الحلم والكابوس

ضمن قسم "آفاق" بمهرجان فينيسيا السينمائي الـ75 عرض الفيلم الفلسطيني "تل أبيب ع نار" للمخرج سامح زعبي، كما عرض في قسم "أيام فينيسيا" فيلم "مفك" للمخرج بسام جرباوي.
الجمعة 2018/09/14
محنة الخروج إلى العالم بعد 15 عاما في المعتقل

ينتمي “تل أبيب ع نار” إلى الداخل الفلسطيني أي فلسطين المحتلة، وقد صنع بدعم مالي إسرائيلي وهو دعم يقدّمه صندوق الدعم السينمائي الإسرائيلي لكل من يصنع فيلما هناك، ومخرجه سامح زعبي درس السينما في الولايات المتحدة ويقوم بتدريس السينما في جامعة نيويورك.

وهذا فيلمه الروائي الطويل الثاني بعد “رجل بلا موبايل” (2010)، أما الفيلم الثاني “مفك” فهو ينتمي إلى الضفة الغربية (رام الله) وأنتج بتمويل أميركي-قطري، وكلاهما عرضا في مهرجان فينيسيا السينمائي الأخير.

فيلم من داخل الفيلم

“تل أبيب ع نار” (حسب العنوان العربي المطبوع على شريط الفيلم) كوميديا سياسية، تسخر من الصور النمطية المستقرة لدى كل من الفلسطينيين والإسرائيليين عن الطرف الآخر، ويستخدم سيناريو الفيلم فكرة الفيلم من داخل الفيلم، أو ما يحدث في مسلسل تلفزيوني فلسطيني يشاهده الإسرائيليون أيضا كل ليلة على شاشة التلفزيون، في تعارضه مع الواقع الذي يعيشه من يشاركون في المسلسل وعلاقاتهم المضطربة المشوبة بالتوتر والشك مع الإسرائيليين، وتدور أحداث الفيلم قبل ثلاثة أشهر من حرب يونيو 1967، وتستمر بعد قيام الحرب.

الشخصية الرئيسية لشاب فلسطيني، هو سلام (قيس ناشف) استعان به منتج المسلسل التلفزيوني الكوميدي بسام (نديم صوالحة)، وهو في الوقت نفسه خاله، للمساعدة في ضبط الكلمات العبرية كونه يجيد هذه اللغة كما يطلب منه أحيانا عمل الشاي والقهوة.

إنه نموذج واضح للكسل والغباء وانعدام الحيلة، لكن هذا كله سيكشف عن عقلية قادرة على التقاط الفرص بعدما يتم توقيفه ذات يوم عند حاجز عسكري إسرائيلي، فهو ينتقل طوال الوقت من الضفة الغربية حيث يتم تصوير المسلسل، إلى القدس حيث يقيم.

وعندما يتوجه سلام بسؤال إلى جندية إسرائيلية عند المعبر عمّا إذا كان من الصواب استخدام تعبير “امرأة متفجرة” بالعبرية على سبيل المديح، تلقي القبض عليه وتسوقه إلى رئيسها الضابط عاصي (يانيف بيتون) المشرف على المعبر، يستجوبه الضابط فيزعم أنه مؤلف المسلسل، بينما هو مكلف فقط بإعادة صياغة أحد المشاهد.

عاصي يبتز سلام ويتفق معه على أن يتركه يكمل كتابة المسلسل مقابل أن يأتيه ببعض الحمص الفلسطيني من النوع الجيد الذي يلتهمه في تلذّذ واضح.

الكاتب بين يدي الضابط الإسرائيلي في فيلم "تل أبيب ع نار"
الكاتب بين يدي الضابط الإسرائيلي في فيلم "تل أبيب ع نار"

حلقات المسلسل تعرض أولا بأول، والفكرة تقوم على الدفع بامرأة فلسطينية فرنسية جاءت من باريس هي تالا (الممثلة المغربية الأصل لبنى الزبال) من قبل منظمة فلسطينية، وهي تنتحل شخصية يهودية تدعى راحيل لكي توقع في حبائلها الجنرال الإسرائيلي يهودا (يقوم بدوره داخل المسلسل الفلسطيني يوسف سويد)، تحصل منه على معلومات عسكرية مفيدة، ثم بالطبع تقوم في النهاية باغتياله في عملية تفجير انتحارية خاصة، فالفلسطينيون يعتبرون هذا الضابط فاعلا أساسيا ضمن آلة الحرب الإسرائيلية.

سلام المسكين المغلوب على أمره الذي يبدو متلعثما جبانا يحتار في كتابة المشهد الذي كلف به، يشير عليه الضابط الإسرائيلي بضرورة إجراء بعض التعديلات، بل ويتدخل في صياغة المشهد مصرا على ضرورة أن يقوم سلام بإظهار الجنرال في صورة رومانسية، وينصحه بحيلة عملية تسمح للجاسوسة الفلسطينية بالحصول على مفتاح الدرج الذي يحتوي على الوثائق العسكرية الذي يعلقه يهودا في صدره.

تتكرّر اللقاءات عند المعبر بين سلام والضابط عاصي، وتتسع شهية الضابط للتدخل أكثر فأكثر في سيناريو باقي الحلقات مستعرضا أمام زوجته التي أدمنت مع صديقاتها مشاهدة المسلسل، دوره في كتابة المشاهد ويخبرها مسبقا بما سيقع فيه، وهو يريد أن ينتهي المسلسل بالزواج بين الفلسطينية والجنرال الإسرائيلي.

وفي كل مرة يعود سلام إلى طاقم العاملين في المسلسل يحاول إقناعهم بالاستجابة لتلك التغييرات من دون أن يخبرهم بمن يقف وراءها بالطبع، بسبب خوفه ممّا يمكن أن يفعله به عاصي، خاصة بعد أن يصادر بطاقة هويته ويهدّده بعدم إعادتها إليه إلاّ إذا كتب ما يريده.

ترتفع مكانة سلام في العمل بسبب قدرته على التوصل إلى حلول درامية بفضل ما يقدّمه له الضابط الإسرائيلي من نصائح، فيصعد من مجرد مساعد في كتابة السيناريو إلى كاتب للسيناريو بعد أن تنسحب الكاتبة الأصلية احتجاجا على ما ترى أنه قد أصبح نوعا من “الدعاية الصهيونية”.

الحبكة تلتوي وتتفرع كثيرا، كما تمتلئ بالكثير من التعليقات الطريفة الفكاهية كما نرى عندما يقول المنتج إن جعل تالا تتزوج من يهودا في النهاية شبيه باتفاق أوسلو.. “ذلك الوهم الكبير الذي لا يغير شيئا”، أو عندما يطلب الضابط عاصي من سلام أن يجعل الجنرال أكثر رومانسية، كأن يصحب راحيل مثلا في نزهة على متن دبابته أو يعلمها إطلاق النار.

ويبرز المسلسل التناقضات بين جيل النكبة الذي يمثله المنتج بسام الذي يميل إلى التشدّد بعد أن فقد الأمل في الحلول السلمية، وبين جيل سلام الذي يميل إلى السلام والعيش المشترك ويقبل أن يلقنه الإسرائيلي بالحلول التي يرضخ لبعضها حينا بسبب الخوف، وحينا آخر بسبب قناعته بأنها تكفل للمسلسل جذب المشاهدين على الطرفين، وهو الذي يتساءل بصوت مسموع: ألا يوجد من حل وسط بين العنف والاستسلام؟

وفي الفيلم الكثير من المواقف والمفارقات الطريفة المضحكة، ولكن الواضح أنه يمنح الطرف الإسرائيلي قدرة أكبر على السخرية والتعريض بالعرب، ويجعلهم يتمتعون بالذكاء والفطنة وروح المرح، فذكاء الضابط الإسرائيلي هو الذي ينقذ سلام ويجعله يصعد في عمله، وهو الذي يتوصل إلى حل لإنهاء المسلسل من دون أن تنجح عملية التفجير ودون أن يتم الزواج بين الجنرال وبين راحيل (الفلسطينية المتخفية) التي تكون قد وقعت فعلا في حب الجنرال، فسلام يدرك ولو متأخرا “أنه لا في 67 ولا الآن يمكن أن يكون هذا الحل ممكنا.. ليس بعد وأنه يجب أن يتغير الواقع أولا لكي يصبح من الممكن قبول هذا”، وهو ما يعكس يقظة وعي لا تتسق مع تكوين شخصيته، كما لا يستقيم أن تشعر الممرضة مريم بالحب تجاه سلام فجأة بعد أن كانت لا تطيق سماع صوته.

عن التمثيل

تكوين غريب للقطة المدفن في فيلم "مفك"
تكوين غريب للقطة المدفن في فيلم "مفك"

بدت الممثلة المغربية البلجيكية لبنى الزبال مفتعلة وجاء أداؤها متسما بالمبالغة الشديدة والافتعال، وحضورها ثقيلا. ولم يفهم أحد لماذا ظلت تتحدث الإنكليزية وهي المقيمة أصلا في باريس، كما كانت تتحدث العربية بطريقة “الخواجات”، بينما تمثل بالعربية والعبرية في الفيلم في دور مناضلة تابعة لإحدى المنظمات الفلسطينية.

حصل الممثل قيس ناشف على جائزة التمثيل في قسم “آفاق” في مهرجان فينيسيا عن دوره في هذا الفيلم، إلاّ أنني أرى أن أداءه جامد، وتعبير وجهه لم يتغير من مشهد إلى آخر، بل ظل طوال الفيلم كئيبا متماثلا بالفعل مع دور الغبي، وكان كعادته يمضغ الكلمات وهو دون شك يحتاج إلى تدريبات على الأداء الصوتي، كما يفتقد أداؤه بشكل عام للحركة والتعبير بالوجه والجسد.

أما ميساء عبدالهادي الموهوبة، فقد ظلمها كثيرا دور مريم الهامشي، ولكونها أكبر من الدور فقد حاولت أن تضفي عليه أبعادا لا وجود لها، فبدت ضائعة في سياق الفيلم، لم ينقذ حضورها سوى فكرة التعبير عن الحب بالبندورة!

بين سجنين

على العكس من “تل أبيب ع نار” تدور أحداث فيلم “مفك” لـ بسام جرباوي في سياق درامي قاتم مقبض، مليء بصور التعبير عن الإحباطات ورثاء الذات الفلسطينية، وهي نغمة نلمحها أيضا على استحياء، في الفيلم السابق.

يبدأ الفيلم من عام 1992، أي عندما كان بطل الفيلم زياد طفلا في حوالي التاسعة من عمره، يلعب الكرة مع أقرانه ويتشاجر ويجرح أحد زملائه بمفك كان يحمله، وفي 2002 يصبح زياد لاعب كرة سلة متفوق ويعاصر الانتفاضة الثانية ويشترك فيها مع غيره من الشباب، ويرتبط بصداقة خاصة مع رمزي الذي يصاب في أحداث الانتفاضة ويفقد حياته ممّا يترك أثره الكبير على زياد.

في الفيلم مشهد طويل لا مبرر له لتشييع رمزي ودفنه، بل وإنزاله القبر والتحليق بالكاميرا من زاوية عمودية فوق القبر المفتوح الذي تستقر فيه الجثة في لقطة مزعجة ومفتعلة من حيث التكوين، ولا مبرر لها أصلا.

وتتردد أخبار في المذياع عن فشل زيارة وزير الخارجية الأميركي كولن باول، يتصاعد شعور زياد بالغضب.. يريد الانتقام، ومع مجموعة من أصدقائه يقودون سيارة يستهدفون مستوطنا إسرائيليا يطلقون عليه الرصاص ثم يهربون.

يقبض على زياد بينما ينجو الآخرون، في السجن تستجوبه جندية إسرائيلية تهدّده بإحضار أمه والاعتداء عليها، تخبره أن الرجل الذي أصابوه ولم يقتلوه لم يكن إسرائيليا بل هو عربي.

يصاب زياد بالإحباط، تمر السنون.. بعد 15 عاما أي في 2017 يخرج زياد من السجن من دون أن نشاهد ما تعرض له داخله، لكي يواجه العالم في الخارج: الأهل والشارع والأصدقاء الذين يحتفون به باعتباره بطلا، بينما هو لا يمكنه أن يخبرهم بالحقيقة، يقدّم الاعتذار للرجل الذي أصابه بالرصاص والذي يتقبل الاعتذار بصدر رحب.

تظل ذكرى مقتل رمزي تطارد خيال زياد مع صور أخرى كثيرة ممّا واجهه في المعتقل، يصيبه شعور بالاغتراب عن المحيط، يرفض تسجيل لقاء تلفزيوني تجريه فتاة فلسطينية جاءت من أميركا حيث تقيم، لصنع فيلم تسجيلي عن الحياة تحت الاحتلال.

يتمرد على الطبيب النفسي الذي يعالجه ويرفض فكرة أنه مضطرب نفسيا، وهو يعاني من صداع مستمر وآلام في بطنه، فتاة أخرى صديقة لشقيقته تتودّد إليه، شقيقته تريده أن يتزوجها في أقرب وقت لكي تتاح لها فرصة الزواج بدورها حسب التقاليد العتيقة التي تقضي بأن يتزوج الأكبر أولا.. لا نعرف كيف يمكنه الزواج وهو لا يمتلك ما يؤهله لتأسيس أسرة.

يسند إليه أحد أصدقاء الماضي الذين شاركوا معه في عملية الاغتيال الفاشلة، عملا في شركته تكفيرا عن شعوره بالذنب تجاهه، لكنه يفشل في إنجاز المطلوب وينتهي الأمر بطرده، وفي السوق يتشاجر مع الباعة والشرطي الفلسطيني ثم مع صديقه.

في الفيلم مشهد يدور في “بار” يلتقي فيه الفتاة القادمة من أميركا، زياد نفسه يقول لها إنه لم يكن يتصوّر وجود بار كهذا سوى في الأفلام، نحن نصدقه لأننا لا نتصوّر ولا نصدق وجود هذا المكان ذي الطابع “الأميركي” الصرف في إحدى مدن الضفة الغربية وفي الوسط الفلسطيني المحافظ الذي لا تختلط فيه فتاة بالشباب وتحتسي الخمور علانية!

الفتاة تقول له إن الهدف من فيلمها لفت أنظار العالم للتعاطف مع الشعب الفلسطيني، أما هو فينعى عليها أنها تعيش في أميركا، حيث لا يوجد احتلال بينما قضى هو خمس عشرة سنة في السجن، إنه رثاء الذات مرة أخرى.

نحن أمام دراما سيكولوجية ودراسة لشخصية شاب فقد الأمل بسبب خطأ ما، كان يتعين عليه أن يدفع ثمنه وحده، هنا يدين الفيلم فكرة المقاومة المسلحة بالعنف، لكنه يتحسر على الوضع القائم الذي لا مخرج منه، مع رثاء البلاد التي اضطرب فيها كل شيء وشاع الفساد والفوضى، كما يقول زياد للفتاة التي تصف البلاد بأنها “حلوة وجميلة”.

ليس هناك تطور درامي في الفيلم، بل استغراق في حالة سينمائية وصفية، من خلال أداء نمطي جامد من قبل زياد بكري في دور الشاب المكتئب المشحون بالغضب الذي أصبح يفضل العودة إلى السجن على الاستمرار في العيش في “السجن الأكبر”.. ويبقى التساؤل الأساسي هو: ماذا حدث في السجن لكي يصبح زياد على ما أصبح عليه؟

16