فيلما "العائد" و"ذيب" قصة التناص أو التلاص أو ما بينهما

سيبقى الإيمان بأسبقية الفعل عربيا رهنا بتلك السياسة وأحابيل القائمين على الدول، وسيكون الفعل الثقافي والفكري متخلفا بفعل اليد السالبة للأحلام والابتكار والاختيار، والمكرّسة لنظرة نمطية مطمئنة للآخر، من حيث أن هذا الطرف لا يشكل منافسا قويا لتبعيته وتقليده للنسخة الأصل، هنا مقارنة بسيطة بين فيلمين الأول هوليوودي وهو فيلم “العائد”، والثاني عربي وهو الفيلم الأردني “ذيب”، فهل من تناصّ أو تلاصّ في الروايتين؟
الثلاثاء 2016/02/09
"العائد" طبيعة جامحة

حين قرأت تاريخ إنتاج صدور الفيلم الأميركي”العائد” والفيلم الأردني “ذيب”، انتابني شعور يؤسس لي بعض شخصيتي الثقافية الإبستمولوجية، بوصفي عربيا له نظرته الخاصة المهجوسة به نحو الوجود من عدمه، حيث لن تكون الخيمة في مضارب “ذيب” بوادي رم إبان الثورة العربية الكبرى حائلا دون تقديم نموذج حيّ، قادر على الصمود بموازاة طبيعة أخرى تتقدم فيها الكاميرا نحو مناطق بكر، بغية الإدهاش وتخليص العمل من سرديته بالاتكاء على البصري كبديل أكثر جسارة في الوصول إلى المهمّش والأكثر عمقا أيضا.

النظرة القاصرة تساهم في اتخاذ موقف مسبق من كلا الطرفين: شرق عربي وغرب أميركي وأوروبي، ما يعني أنّ عطلا سيستفحل تحت وهم صنّاع الحضارة الحديثة، ومظلومية متلقي الصناعة بوصفتها الجاهزة من غير المشاركة في صناعتها، وإنما في الترويج لها وتسويقها والبقاء على الحواف، كما لو أنّ الحواف دائما هي الأكثر أمانا من الخوض في المياه السريعة والعميقة.

بهذه المقاربة التي أجريها سيظهر نزوعي نحو طرف دون آخر، نزوع سيصل حدّ الاتهام بالسرقة الموصوفة، فيما لو نحّيت جانبا ما يرتبط بالمنهجي والدراسي الذي قد يوضع خلف باب التناصّ، أو توارد الخواطر أو شراكة المجموع الإنساني في إرثه وهو في غياب أدواتي النقدية هنا، سيجعلني أقل حدّة في الإشارة، وسيجعل أحد الطرفين متفلتا من حجتي ما لم يتبع الأمر بتمحيص أكبر من باب إحقاق الحق، أو من باب نسف النظرة القائمة على أعلى وأدنى وأقوى وأضعف وأقدم وأحدث وأكثر أصالة وأقل معرفة.

الأفلام الغربية لها قدرة على تصدير الذات وتضخيمها، إلى الحد الذي توصل فيه المشاهد العربي إلى الشعور بالعجز

أسلحة ناعمة

إنّ الهوس الذي تبديه السينما الغربية بالصورة يبدو وكأنها تقود حربا أخرى موجهة إلى متلق يخوض في الوقت نفسه حربا بالأسلحة الفتاكة، هنا الإبهار وإظهار مخبوء طبيعي وآخر اصطنـاعي يستطيعه الإتقان الهائـل في رسـم المشهد بطابعـها خارج قدرة المنطوق والروي تـوازي الأسلحـة تلك.

هنا أسلحة ناعمة، لكنها تفتح الشهية على المواجهة والتحدّي لارتباطها بالمعرفي والسؤال الوجودي الدائم للحياة، هنا القدرة على تصدير الذات بدوالّها الكثيرة وطرقها العديدة وتضخيمها إلى الحدّ الذي توصل فيه المشاهد العربي إلى الشعور بالعجز والعنانة، مقارنة بما تقدّمه صورته قليلة الكلفة إنتاجيا لأسباب ترتبط أساسا بمنتجين لا ينظرون إلى السينما بوصفها صناعة وتجارة، ولهذا يكون نزوع العمل -غالبا- متكئا على الفكرة والقصة، وبإهمال شديد للكاميرا، أي العين الذكية التي تعمل خارج النمطي.

سنجد أنّ فيلم “ذيب” لناجي أبونوار يأخذ بالتحدّي، لو عرفنا اشتغاله المختلف وهو الحيثية التي سيأخذ بها جائزة الأوسكار وجوائز سبق وأن حازها، فالأردني بنى فيلمه على مغامرة تلمّسَ تفاصيلها في رحلة له بوادي رم في الأردن، برصد لتاريخ قريب من الثورة العربية الكبرى، ثمّ بإسناد البطولة للطفل جاسر عيد؛ يعني المحافظة على طفولة الأشياء وعدم تحميل الشخوص خطابا عاليا، بل بدا أنّ علاقة وثقى كانت بين السرد والبيئة، التي نشط فيها السرد بفطرتها وعلاقتها بقيم يحافظ عليها المجتمع البدوي.

هي قيم عربية؛ إذ وجدنا غالبية العرب أسست دولها على بداوتها، وذلك من ناحية طوطميتها وحفاظها على مثلها التي هي أقرب إلى البداوة من المدنية. قول ذيب: “هذا اللي ذبح أخوي” آخذا بثأره في مركز عثماني، جعل الواقعة حقيقة أكثر من كونها مشهدا تبناه فيلم، وهذا يعني أن ضخّا للحياة في زمن الفيلم، قابل تاريخا كاملا تمّ رصده من لحظة ترك خيمة الأهل، إلى إسدال شارة النهاية.

انتصار للمختلف

"ذيب" بساطة الصحراء في تعقدها

عرض “ذيب” أول مـرة في البندقيـة أول أيلول 2014، بفـارق أكثـر مـن سنـة لأول عـرض للفيلـم المصنـف “ويستـرن”، وبكلفـة فاقـت 135 مليون دولار أميـركي تحـت عنـوان “العـائـد”، من بطـولـة ليـوناردو دي كابريو الـذي قـدّم فيـه دورا استثنـائيا في تثـوير رواية مـايك بنك بإخراج أليخاندرو غـونزاليز إينـاريتو.

ذهابي إلى تاريخ صدور الفيلمين هو للإشارة إلى أسبقية فيلم ناجي أبونوار بكشف طبيعة بشرية بيئوية وتقديم نموذج عربي، فالبساطة التي تمنحه الصحراء هي معقدة بالقدر الذي تمنحها طبيعة فيلم “العائد” من غابات وثلوج ومنحدرات، وفي حال تتبعنا الخطوط سنجد أن “العائد” يبدأ بمغامرة البحث عن الفراء، ويبدأ “ذيب” بمغامرة مرافقة الإنكليزي.

وكلا البطلين يتعرضان لما يجعلهما أقرب إلى الموت منهما إلى الحياة، هيو غلاس يودع قبرا وهو حيّ ويقتل ابنه أمامه، وذيب يقتل من معه وبينهم شقيقه حسين فيسقط في بئر، هيو غلاس يشفى قليلا من جروحه جرّاء هجوم دب عليه ويزحف طويلا ليشهد الكثير، ذيب يتسلق جدران البئر ليخرج محافظا على قربة ماء أوصاه أخوه بها، ويصرّ هيو غلاس كذلك على مطرة ماء معدنية رافقته طويلا في تنقلاته.

كلاهما بعد يقظته ينظر إلى شمس تشرق ولكلّ زاويته، يدوّن ذيب على الصخر وشم القبيلة ليقال “مرّوا من هنا”، ويفعل هيو غلاس الشيء ذاته، يحفر إشارة في الأماكن التي مرّ بها ويكتب “فيتزجيرالد قتل ابني”.

قاتل ابن هيو غلاس كان معه في رحلته التي تروم في جزء منها الوصول إلى مكان مدني فيه عسكر، وقاتل شقيق ذيب المجروح هو مع ذيب، كوى جرحه بالنار بعد أن دس الخنجر في النار وذرّ بارودا على موضع الإصابة، وهو ما فعله هيو غلاس فاقدا الوعي بعض الوقت، وهو نفسه ما حدث في فيلم ذيب، وإذا كان الانتقام سمة تتقاطع فيها الشعوب.

من الواضح أن مفهوم "المحلية" الذي نُظّر له حتى فُهم بأنه همزة الوصل المخفية للعالمية، صار ممجوجا لكثرة الأخذ بالتفاصيل الإثنوغرافية

ورحلتا ذيب وهيو غلاس تتقاطعان أيضا في مكان قتل الغريم، فغلاس يقتل فيتزجيرالد في المكان العسكري الذي وصل إليه، ويقتل ذيب قاتل أخيه في المنطقة العسكرية العثمانية قرب سكة حديد الشرق.

ثمةَ تناصّ يتجاوز الإرث الإنساني، وإذا أخرجنا الفيلمين من حيثيات ما يريدان تكريسه أو إظهاره كأفكار، فإننا أمام تلاصّ أكثر منه تناصّا لو تأكّد أنّ فيلم “ذيب” مرّ بصناع فيلم “العائد” قبل صناعتهم له.

وربّما ستقصّر المقالة في الإحاطة بتفاصيل تصل حدّ التطابق، ما لم يتوفّر وقت كاف لاختصاصيين ونقاد يضعون “ذيب” و“العـائد” ضمـن برنامج مشاهدة مكثفة، لن يكـون فيهـا الانتصار لفيلم “ذيب” وأسبقيته بأمر مستغرب.

من الواضح أن مفهوم “المحلية” الذي نُظّر له حتى فُهم بأنه همزة الوصل المخفية للعالمية، صار ممجوجا لكثرة الأخذ بالتفاصيل الإثنوغرافية، والاكتفاء بتلك التفاصيل بحيواتها الظاهرة، وليس بما تخفي خلفها كقناع لاستدرار الدهشة أو للاستفادة مـن المفهوم، باعتباره متلقَّفا من آخر يريـد الاكتشاف ومعـرفة أمـاكن لـم يصلها. ومع ذلك ترسم له رواية أو مشهدا تفعله الكاميرا التوثيقية وغير التوثيقية، فالتحدّي الذي سيخوضه فيلم “ذيب” ينتصر للمختلف ويبحث في الهوية.

16