فيلم"ثلج" الإماراتي.. صراع الأخلاق والغريزة

الخميس 2013/12/12
عندما يتحول الرجل الشريف إلى مجرم

أبوظبي - مواقف كثيرة تواجهك أحيانا وتغيّر مسار حياتك، وتبدّل طريقة تعاملك معها إن كانت ستمسّ أولادك بسوء ربما، وأنت الذي كنت يوما من الأيام ترى ما هو معاكس تماما للفعل الذي تقترفه اليوم.. ببساطة هذا ما قاله الفيلم الإماراتي الروائي القصير "ثلج" للمخرج عمر إبراهيم أثناء تقديمه في 20 دقيقة للفعل وردّ الفعل ضمن ساحة مغلقة تتحارب فيها المبادئ مع النتائج.

تقع الأحداث في شهر رمضان المبارك وتبدأ من منزل الطفل محمد ابن البيئة المحلية الذي سيتعرض فيما بعد للقتل، هو طفل موهوب يطمح لأن يصبح ممثلا في المستقبل. تطلب منه والدته أن ينزل إلى البقال ليشتري أغراضا لاستكمال إعداد الإفطار، وهناك يلتقي بصديقه علي ابن صاحب المحل، حيث يكتشف محمد أن هذا الأخير يأكل سرا حتى لا يراه أحد ولا يعلن إفطاره، وما إن يدور النقاش بينهما حتى يتحول إلى تهديدات ثم تقع جريمة القتل عن دون قصد.

تنتقل المشاهد إلى والد علي الذي يدخل فجأة إلى المخزن ليرى ابنه علي ممسكا بسكين تقطر دما بينما جثة محمد ملقاة على الأرض بكل حزن وألم. فتتحول الصورة كلها إلى مأساة لا يوجد حل لها، خاصة عند تتالي مجيء الزبائن والتسبب في الضغط النفسي على والد علي، ثمّ مجيء زوجته التي تكتشف الواقعة وتندهش لما فعله ابنها.

يضع فيلم "ثلج" شخصياته أمام امتحان صعب، حيث عليهم أن يختاروا بين الفعل الصواب الذي يمليه عليهم ضميرهم وبين مشاعر الأبوة والأمومة. إلا أنه وبانتصار الغرائز يتنحّى الضمير جانبا ليسمح لمجرم بأن يبقى على قيد الحياة حتى وإن كان طفلا صغيرا لا يتجاوز الأربعة عشر عاما. هذا ما يقرره والد علي الذي يقرر التخلص من الجثة واعتبار كأن شيئا لم يكن لإنقاذ ابنه من السجن أو من الانتقام. فالموقف في حدّ ذاته أصعب من تحمله، فإما التخلص من جثة كان قتلها عن طريق الخطإ وبيد طفل أو التخلص من ولده وربما إلى الأبد.

طريقة التخلص من الجثة من أكثر المشاهد صعوبة أو قسوة في الفيلم، حتى أن الثلج الذي تمّ إحاطة الطفل الميت به وسط صندوق كبير، من المحتمل أنه يشير إلى موت الضمير. فكيف للإنسان أن يصير فجأة في حساب الأموات ويتم التعتيم على وفاته دون أية مسؤولية؟ كيف لوالد علي افتراض أن حياة طفله أغلى من أطفال الناس؟ وكيف له أن يكون هو الحكم والقانون ويترك طفلا مجرما دون تقويم وعلاج ومحاسبة؟

لا يمكن الإجابة عن كل تلك الأسئلة السابقة بغير الرجوع إلى ما يسمى بغريزة الأبوة. فالأب يعمل من أجل حماية أولاده إلى أقصى حدّ ممكن ومهما كلفه الأمر، وحتى وإن كان يعلم تمام المعرفة أنه يقترف ذنبا لا يغتفر ويتنافى مع الأخلاق والأعراف الإنسانية ويخالف القوانين. وإن كان الفيلم يطرح شخصية رجل متدين فهو يشير بذلك إلى أن الخطأ من الممكن اقترافه أيضا من قبل الأشخاص الصالحين.

لا يعالج "ثلج" صراع الغريزة مع الأخلاق، إنما يذهب منذ البداية إلى الأخلاق بوصفها ضميرا يعيش داخل الإنسان وليست فعلا مكتسبا، الشيء الذي يتضح من تصرف الطفل علي حين كان يأكل سرا ليخفي إفطاره عن والده في الشهر الفضيل. وهذا ليس خطأه بل خطأ مجتمع بأكمله ينمّي الخوف والكذب داخل الأطفال بالعلاقة مع دينهم بغض النظر عن ماهيته.

الفيلم وبدقائقه القليلة استطاع أن يسرد قصة روائية بمنتهى الواقعية، واضعا من خلالها الخير والشر في ميزانٍ واحد لكن بأحداث ليست بالتقليدية. فالقالب الدرامي استثنائي وجديد حوّل الرجل الشريف والذي يحترم القانون، فجأة، إلى مجرم دون ضمير.

فنيا، وبالنظر إلى الحبكة وتصاعد الأحداث باتجاه الذروة، يمكننا القول أن "ثلج" نجح في جعل هذه الدراما مشوّقة تستحوذ على اهتمام المشاهد بعيدا عن الملل. فتسلسل أحداثه منذ البداية وحتى النهاية سارت وفق خط تصاعدي ترك الحكم النهائي للرجل، فهل يجد والد علي من يبرر تستره على تلك الجريمة؟

16