فيلم "أبناء الدنمارك": معركة التطرف لن ينجو منها أحد

الاستبداد الدائم أكثر خطرا على الحياة من الحروب، والفيلم يمثل صرخة مدوية ضد خطاب الكراهية.
الخميس 2020/01/16
مارتن نوردال سياسي عنصري ضد المغتربين العرب

على امتداد ساعتين يرصد المخرج الدنماركي من أصول عراقية، علاوي سليم، في فيلمه الروائي الأول “أبناء الدنمارك” الصراع المباشر بين المتطرفين والقوى الأمنية والسياسية والمهاجرين، ليصبح العنف هو الوسيلة الوحيدة التي تصل إليها كل الأطراف، منتهيا إلى أن “العنف يولد العنف”، نبوءة صادمة عمّا سيحدث بالدنمارك في العام 2025.

بعد 120 دقيقة، هي زمن الفيلم الدنماركي “أبناء الدنمارك”، يفقد المشاهد آخر أمل يطمئنه على اندماج أو تصالح مهاجرين غاضبين مع مواطنين أكثر غضبا. كلاهما لديه أسبابه لإشعال حريق لن يكتفي بحصد أرواح الفريق الآخر، والأخطر من هذه الثنائية أن النيران سوف تمتد وتلتهم أفرادا من الفريق نفسه.

التصعيد المتبادل لا يردع أحدا عن الإصرار على بلوغ غايته، فهناك مهاجرون قضوا عشرين عاما في الدنمارك، ويرون أنهم يُعاملون بازدراء، ويواجهون التعصب اليميني بتطرف ينتقم من مجتمع يغلي بصراعات كامنة، وليس كتلة متجانسة، ففيه من يقبلونهم ولكن الصوت العنصري أعلى، ويحتج أعضاؤه بزوال أسباب بقاء هؤلاء المهاجرين، بانتهاء الحرب التي اضطرتهم إلى الفرار.

ولا يتطرّق الفيلم إلى أن لدى الوافدين سببا آخر، مزمنا تقريبا، للهروب من بلدان عربية، وعدم الرغبة في العودة إليها بعد النجاة منها، فالاستبداد الدائم أكثر خطرا على الحياة من الحروب، ولكن هذا السبب لا يهم اليمين العنصري الراغب في تطهير بلاده من آثار التشدّد.

نبوءة صادمة

تحت الرماد ألغام أشدّ خطورة من "العفن"
تحت الرماد ألغام أشدّ خطورة من "العفن"

ينجح المخرج علاوي سليم، الذي ولد ونشأ في الدنمارك لأبوين عراقيين، في فيلمه الروائي الطويل الأول “أبناء الدنمارك” في رسم ملامح هذا الكابوس، النبوءة بكارثة لن ينجو منها أي طرف، ولن تنجح القوة في ردع المستضعف عن انتزاع حقه أو ما يراه حقا له في البقاء، مثل مواطني الدنمارك.

يطلق المخرج صيحته بعيدا عن الهتاف الزاعق، عبر دراما يجسدها بشر ينتمون إلى عدة بلدان عربية، وينأى بهم عن المباريات اللفظية، فهم بشر من لحم ودم، في فيلم يتسم بصدق أهّله لاستحقاق جائزة الاتحاد الدولي للصحافة السينمائية “فيبريسي”، في الدورة الأخيرة لمهرجان القاهرة السينمائي.

كيف ينشأ الإرهابي أو القاتل؟ ينجو الفيلم من التنميط، فلا ملامح تميز الإرهابيين عن الأسوياء، فالإرهابي في بيته حنون وعطوف، ويكذب أحيانا وذهنه مشغول بما يُعهد إليه بتنفيذه. ومن مسكن بسيط لأسرة عراقية مهاجرة ينطلق شاب في التاسعة عشرة لقتل سياسي عنصري، ويمنع الجريمة شاب سيكون ضحية لمتطرفي اليمين، فيلجأ إلى الانتقام من هذا السياسي المغرور الذي نجا من الشاب العراقي المسلم، ثم قتله منقذه الدنماركي.

نبوءة جريئة وصادمة يطرحها علاوي سليم، في الفيلم الناطق بالدنماركية والدارجة العراقية والمصرية، تقول إن العاصمة كوبنهاغن ستتعرض، عام 2025، لهجوم إرهابي ضخم، يتأسّس عليه نموّ تيار يميني تجسده جماعة “أبناء الدنمارك” بزعامة مارتن نوردال (الممثل الدنماركي راسموس بيرج)، ويتبنى “أبناء الدنمارك” الدعوة إلى طرد المهاجرين.

فماذا سيفعل المهاجرون المسلمون؟ وكيف ستكون نهاية هذا اليميني العنصري؟ وهل ينتهي التيار اليميني بمصرع أبرز رموزه على يد مواطن دنماركي؟ هذا ما يشغل المخرج وهو يزيح طبقة براقة لبيئة يعيش فيها، ويعرف ثقافتها المؤسّسة والحاكمة، ويناقش أوجه الشبه بين تطرف الإسلاميين وعنصرية اليمين، ومدى قدرة المنتسبين إلى الثقافتين على اللقاء، أو ميولهم إلى الفراق والصراع.

بين ترهيب وترغيب

الحصول على جائزة الاتحاد الدولي للصحافة السينمائية "فيبريسي"
الحصول على جائزة الاتحاد الدولي للصحافة السينمائية "فيبريسي"

في بداية الفيلم يفاجئ الشاب زكريا (الممثل محمد إسماعيل محمد) أمه الطيبة مريم، التي مات زوجها في العراق، بأنه سيغادر للعمل في مكان آخر، بصحبة صديقه علي (الممثل الدنماركي مصري الأصل زكي يوسف) الذي درّب زكريا على استخدام السلاح. وتوافق الأم مكرهة، وتجد شيئا من العزاء في أخيه الصغير. ويتوجه زكريا بتكليف من المتطرف حسن (الممثل الفلسطيني عماد أبوالفول) لتنفيذ مهمة قتل الزعيم اليميني مارتن نوردال.

على خلاف الشخصيات المركبة في الفيلم، يرسم المخرج وهو كاتب السيناريو شخصية حسن أحادية البعد، وينجح عماد أبوالفول في استفزاز المشاهد بتلوين الأداء بدرجات من الترغيب والترهيب، إلى درجة أنه يخيف من يفكر في الخروج عن طوعه، ولا يقدّم الفيلم شيئا عن حياته الخاصة، وعلاقته الاجتماعية، ويكتفي بتصويره كارها لبلاد تستضيفه، كما يستضيف مهاجرين في مسكن مقبض أشبه بالقبو، ويوحي تصميم المكان وإضاءته بالحصار النفسي لنزلائه، فيكونون مهيئين لتعليمات أميرهم حسن، وهو يقسم لهم والسيجارة في يده بأن ما عانوه على أيدي الأنظمة في البلاد التي أتوا منها ينبغي ألاّ يتكرر هنا.

واعتمد المخرج على اللقطات المقربة لوجوه حسن وعلي وزكريا ومارتن نوردال، ومع ضيوف حسن اكتفى بلقطات عامة لا تقترب من الوجوه، فهم تابعون بلا أسماء ولا ملامح، ضحايا متشابهون يجسّدون ذهنية قطيع مغلوب على أمره، يُؤمر فيطيع.

تفشل محاولة الاغتيال، ويتبيّن انتماء علي إلى جهاز أمني تمكن من اختراق الجماعة، وأن اسمه الحقيقي مالك أمين. ويشعر زعيم المعارضة نوردال بالامتنان لمالك أمين، ويشكره ويقول إنه مدين له بحياته. وفي حملاته الانتخابية يستغل نوردال خوف المواطنين من التصعيد الإرهابي، ويحذّر من أخطار تتعرّض لها الديمقراطية على أيدي مهاجرين “سرقوا منا بلدنا”.

ويستقطب مؤيدين لحزبه اليميني الذي يرفع شعار “الدنمارك للدنماركيين”، مجادلا بأن بلاده “لا ينبغي أن تتحمل أعباء العالم”، ويعد أنصاره بأنه حين يصل إلى الحكم فلن يسمح لأحد بتهديد الحضارة “ليس هناك سوى حضارة واحدة هي حضارتنا”، وأن يسحب الجنسية من المسلمين ويعيدهم إلى بلادهم، إذا انتهت “حروبهم، وانتهى معها ترحيبنا بهم”. وبهذا الإقصاء والطرد لمواطنين اكتسبوا الجنسية، تستعيد البلاد “مسارها الصحيح”. وينجح في الانتخابات، ويقترب من تشكيل الحكومة.

دائرة العنف
دائرة العنف

يصبح علي/ مالك هدفا لانتقام حسن وجماعته، فيختفي عن الأنظار، ويزور أم زكريا فترفض لقاءه لأنه وشى بابنها وعرّضه للسجن. هنا مفارقة بطلتها أم تغضب من الواشي الذي أنقذ حياة مواطن، كما خفّف تهمة ابنها من القتل العمد إلى الشروع في القتل. وكأنها أرادت لابنها النجاح في إتمام الجريمة. ولا يسكن غضبها إلاّ حين يصحبها مالك لتزور ابنها في السجن.

أدى زكي يوسف الدور بصدق في المرحلتين، حين كان الذراع اليمنى لحسن، وبعد أن صار المواطن المشفق على الأم العراقية، وتتنازعه هواجس انتقام كلا الفريقين من الآخر، فحسن يعلن أن الهجمات ستبدأ بمجرد إلقاء نوردال خطاب تكليفه برئاسة الحكومة. ونوردال يرفض توسل مالك أن يخفّف في خطابه من لهجة العداء للمهاجرين، ولكنه يرفض باستهانة.

هنا تنافس وتصعيد بين متصارعيْن، أحدهما أقرب إلى ميليشيا ساذجة وغاشمة ويرى أن أبناء الدنمارك هم “أبناء القمامة”، والثاني يستثمر هذا العداء في حشد الخائفين ويفوز بأغلبية في الانتخابات. ويقوم أعضاء من اليمين العنصري بالهجوم على بيت مالك، ويشوّهون وجه زوجته بمادة حارقة ويقتلون ابنه، فلا يكون أمامه إلاّ أن يتوجه إلى نوردال، وهو يلقي على أنصاره خطابه العنصري.

في مسرحية “هاملت”، قال ضابط الحرس لهوراشيو صديق هاملت “هناك شيء ما متعفن في الدنمارك”، وفي بداية المسرحية تقول الملكة لابنها “لا تبحث في التراب بجفونك الكسيرة عن أبيك إلى الأبد”.

ويبدو أن علاوي سليم وهو يبحث عن معجزة لتحقيق التعايش، لم يكن بحاجة إلى استدعاء ذلك الماضي، فهو يدرك أن تحت الرماد، بالقرب من السطح، ألغاما أشدّ خطورة من “العفن”، فأطلق هذه النبوءة التي نرجو ألاّ تتحقق.

16