فيلم "أخبار العالم" مغامرات الطريق المثيرة لقارئ جرائد

راوي قصص أميركي يجوب القرى ويغامر بحياته.
الأحد 2021/02/21
الطريق الطويل مكابداته ومتاعبه كثيرة

على مدى عقود قدمت السينما الأميركية الكثير من الأفلام التي تنتمي إلى ما يعرف بأفلام الويستيرن، وهي أعمال مليئة بالمغامرات والمواجهات مع قطاع الطرق وتصور المبارزات النارية وقصص الحب والحانات والبلدات التي ينخرها العنف وغيرها من الأجواء التي باتت مألوفة للمشاهدين. لذا فإن تقديم فيلم من هذا النمط أو ما يتقاطع معه يبدو تحديا غير مضمون.

فيلم "أخبار العالم" وكأنه رحلة استكشاف ومغامرات أو نوع من سينما الطريق، تعود إلينا حاملة نكهة أفلام الويستيرن التي يعلم جمهورها مجمل بنيتها الدرامية وعناصر الصراع فيها فضلا عن حبكتها الرئيسية.

والحال أن هذا النوع من أنواع السينما الأميركية قد كثرت موضوعاته مع تنوع شكلي محدود على الثيمة الأساسية، لاسيما وأن شخصية الطيب والشرير تحضر بقوة فضلا عمّن يريد إنفاذ القانون ومن هو ضده.

دراما المواجهات

نوع من سينما الطريق تعود بنكهة أفلام الويستيرن
نوع من سينما الطريق بنكهة أفلام الويستيرن

في هذا الفيلم للمخرج باول غرينغراس نحن في الولايات المتحدة في عام 1870، أي بعد سنوات معدودة من الحرب الأهلية الأميركية التي راح ضحيتها أكثر من نصف مليون أميركي، ها هو النقيب السابق جيفرسون كايل كيد (الممثل توم هنكس) يحمل حقيبته المحشوة بالصحف الصادرة إبان تلك الحقبة، لكي يروي لأميركان أميين يقطنون الأرياف والقرى النائية مضمون الصحف من أخبار وقصص لا يعلمون عنها شيئا في بلد مترامي الأطراف.

والحال أن جيفرسون يتنقل بين القرى ويتلقى المال من الناس الذين يتجمّعون لسماع قصصه الغريبة، وخلال ذلك نستكشف بيئات شتى لا تغيب عنها الفوضى وقطاع الطرق والتمييز العنصري والعرقي، لاسيما وأن التطهير العرقي للهنود الحمر لا يزال ماثلا في الذاكرة.

أخبار العالم سوف تكشف ردود أفعال تجمعات بشرية متناقضة، لا تخفي غضبها من أي تشريع يتعلق بالمساواة العرقية أو أي بصيص أمل لمجتمع تسوده العدالة، لكن مهمة جيفرسون لا تلبث أن تتعقد دراميا برسم خطوط سردية تكمّل رحلة الاكتشاف ودراما الطريق.

مع القسم الأول من الفيلم سوف يعثر جيفرسون وهو في طريقه وسط الغابات على أناس تم شنقهم وصبيّة هاربة لا تحسن الكلام بالإنجليزية، وبذلك سوف ننتقل دراميا إلى مشاركة شخصيتين وليست شخصية واحدة في مكابدات تلك الرحلة.

الطريق الطويل لا بد من مكابدات فيه ولا بد من صراع يصل حد الموت وهكذا سوف ننتقل مع جيفرسون والفتاة يوهانا (الممثلة هيلينا زينغل) إلى أول المواجهات في محاولة لعصابة قطاع الطرق بانتزاع الفتاة، لتقع مواجهة تعيدنا كما قلنا إلى أفلام الويستيرن والوجوه الكالحة لقطاع الطرق والمجرمين.

يتحوّل عبء الفتاة إلى همّ وتحدّ شخصي بالنسبة إلى جيفرسون، وما عليه في الأخير إلا تسليمها إلى أحد من أقاربها، لاسيما وأنها من أقلية ألمانية تم الفتك بها.

المواجهات التي توصل الاثنين الى حافة الموت، سوف تجذّر العلاقة بينهما ويشعر جيفرسون أن تلك الصبية ما هي إلا ضحية مجتمع عنيف ولا يرحم، وحتى أقاربها الذين سلمهم إياها ينتهي بهم الأمر معها إلى ربطها من ساقها كأي دابة، بعدما كان أوصاهم بأن يجلبوا لها القصص ويعلّموها القراءة والكتابة.

الراوي والحنين

لنعد إلى سينما الطريق ومكابدات جيفرسون وكذلك قراءاته الصحافية وهو يتقلب بين أنماط اجتماعية مختلفة، حتى نصل إلى خلاصة أشار إليها بعض النقاد، أن لا جديد في هذه الدراما الفيلمية ولا من جهة الممثل الكبير توم هنكس فهو لم يقدم أفضل ما عنده، كما أنه دور من الممكن أن يسند إلى ممثل آخر دون نجوميته ومستواه وخبراته.

معلوم أن هذا النوع من الأفلام يحتاج إلى مرونة الحركة والقابلية القتالية وروح المبادرة، أما جيفرسون فقد بدا مثقلا بسبب تقدّمه في العمر، كما أنه ليس مقاتلا بارعا، فهو لا يحمل سلاحا أصلا في وسط مجتمع يعج بالقتلة وقطّاع الطرق، إلى أن يهديه أحدهم سلاحا، وأما مواجهته مع قطّاع الطرق فقد بدت شديدة الطرافة لأن الفتاة سوف ترشده إلى إمكانية استخدام طلقات الخراطيش التي تستخدم لإصابة الطيور أو إفزاعها بعد حشوها بالنقود المعدنية، وكان ذلك الحل منقذا حقيقيا لهما.

راوي قصص السياسة والمجتمع مهتم بمشاهدة الدهشة وهي تسيطر على وجوه حشد من الأميركيين الأميين والجهلة

يعيد الحنين جيفرسون لزيارة قبر زوجته الشابة التي فارقها منذ زمن منشغلا بجولاته المعتادة بينما أصيبت هي بمرض الكوليرا الذي قتلها لتتركه وحيدا، وهو ما يسبب حنينا جارفا باتجاه الفتاة يوهانا يدفعه إلى العودة إليها وانتشالها من البيئة التي تعيش فيها.

في المقابل هنالك ما يشبه الميليشيا التي تتكرر والتي ينجو منها بأعجوبة وهو الرجل العاجز عن المكر والمخادعة، كما هو معتاد في أفلام الويستيرن من أجل إنقاذ نفسه، بل إنه مخلص تماما لوظيفة راوي قصص السياسة والمجتمع، مهتم بمشاهدة الدهشة وهي تسيطر على وجوه حشد من الأميركان الأميين والجهلة الذين يرمون قطعا نقدية معدنية تبرعا لما يقدمه جيفرسون من أخبار العالم.

المغامرة وسينما الطريق سوف تقدمان لنا من خلال هذا الفيلم بنية سردية ممتدة ولا تتجسد فيها قوة درامية مضادة لجيفرسون، ما عدا تلك المواجهات الطارئة والمباغتة مع قطاع الطرق والميليشيا التي لا تخفي نزعاتها العنصرية وبهذا يكون جيفرسون المستكشف والراوي قد تغلب على شخصية المغامر أو المقاتل وهو جان آخر مخفي من شخصيته، لاسيما وأن المشاهد الأولى تظهر جسمه وقد بدت عليه آثار جروح عميقة قديمة بالتزامن مع إعلانه أنه كان عسكريا إبان الحرب الأهلية.

ولا بد أن نشير هنا إلى أن شخصية الراوي طبعت هذا الفيلم وسيطرت على مجمل أحداثه مع أنها تبعثرت في وسط تلك الصراعات الهامشية.

15