فيلم "أرض العسل" بسيط وعميق ومدهش

"أرض العسل" تحفة بصرية من الطراز الأول تلفت أنظارنا إلى معاناة بقايا أجيال قديمة تعيش حياة شاقة قاسية معزولة في الجبال.
الجمعة 2020/04/03
فيلم يتميز بتكويناته البصرية

"أرض العسل" هو الفيلم الخامس الذي كان مرشحا لجائزة الأوسكار عن أفضل فيلم عالمي. وهو الوحيد بين الأفلام الخمسة التي رشحت للجائزة، من النوع التسجيلي، كما كان أول فيلم من مقدونيا يصل إلى ترشيحات الأوسكار.

“أرض العسل” Honeyland مفاجأة حقيقية غير متوقعة سواء على صعيد الموضوع أو الأسلوب. إنه ليس فيلما كبيرا من الأفلام المُبهرة تقنيا ذات الموضوعات المُركّبة متعدّدة الطبقات، فهو عمل بسيط كبساطة الشعر الذي يفيض بالمشاعر والإيحاءات. فموضوعه يعتمد على التعمّق في حياة شخصية، لا رواية قصة.

وراء تلك الشخصية التي يتوقّف أمامها طويلا في وحدتها وعذابها وصمودها وتفاؤلها الدائم، وإصرارها على مواصلة العمل رغم كل الظروف الشاقة المستحيلة التي تعيش فيها، والقدرة في نفس الوقت، على الاستمتاع بالحياة. إشارات بسيطة وإن لم تكن مباشرة، إلى ما يحدث للطبيعة والكائنات التي تكاد تنقرض تحت تأثير ما يمارسه البشر من تدمير.

حياة رتيبة

مفاجأة تسجيلية من مقدونيا كادت تحصد الأوسكار
مفاجأة تسجيلية من مقدونيا كادت تحصد الأوسكار

يلفت فيلم “أرض العسل” أنظارنا أيضا إلى معاناة بقايا أجيال قديمة تُركت وأًهملت وأصبحت تعيش في عزلة شبه تامة عن العالم، في مناطق جبلية وعرة هجرها سكانها. أما الذين ظلوا هناك، فوجدوا أنفسهم عاجزين عن الانتقال للعيش في المدينة، ففي هذه المنطقة الجبلية وسيلة العيش الوحيدة التي يمكنهم التشبّث بها والاعتماد عليها، هو العسل.

الشخصية التي يتركّز عليها اهتمام الفيلم هي “حديز”، امرأة قروية في منتصف الخمسينات من عمرها، تُقيم في تلك المنطقة الجبلية من شمال مقدونيا التي تبعد كيلومترات عدة عن مدينة سكوبيا العاصمة. وهي تعيش مع أمها العجوز الطاعنة في السن التي تُعاني من الأمراض وتعجز عن النهوض من الفراش داخل كوخ بدائي، لم تُغادره منذ سنوات.

تنتمي حديز إلى الأقلية التركية المسلمة من تلك المنطقة في شمال مقدونيا التي عرفت اختلاطا عرقيا بين البوسنيين والأتراك والمقدونيين كما نعرف في بداية الفيلم. وهي تقيم هناك في كوخ خشبي صغير بائس محرومة تماما من الكهرباء والمياه، تعتمد على جمع الثلج لتحوّله إلى ماء، وعلى إشعال النار في الحطب للتدفئة.

وقد ابتكرت طريقتها البدائية الخاصة في تربية النحل في خلايا تقليدية، للحصول على عسل النحل النقي الذي تجمع نصفه لتبيعه، وتترك النصف الثاني ليتغذّى عليه النحل.

وبين فترة وأخرى، تذهب إلى المدينة لبيع العسل الذي وضعته في أوعية زجاجية، يشتريه منها التجار الذين يُقدّرون قيمته، وتعود هي ببعض المأكولات وأهمها ثمار الموز التي تُقدّمها لأمها العجوز التي لا يمكنها المضغ بسهولة.

بداية المشاكل

العمل بسيط، كبساطة الشعر الذي يفيض بالمشاعر، وموضوعه يعتمد على التعمّق في حياة شخصية
العمل بسيط، كبساطة الشعر الذي يفيض بالمشاعر، وموضوعه يعتمد على التعمّق في حياة شخصية

تتحوّل حياة هذه المرأة بالكامل عندما تصل عائلة رجل يدعى “حسين”، مع سبعة أطفال وزوجته، ووراءهم قطيع كبير من الأبقار والماعز. في البداية تشعر حديز بالسعادة والألفة من وجود الأطفال، تُداعبهم وتلهو معهم، وتشعر أنهم يُؤنسون وحدتها وترتبط بطفل معيّن من بين هؤلاء الأطفال، ترعاه وتتجاذب معه أطراف الحديث. ولكن بعد قليل يبدأ الأطفال في نشر الفوضى والعبث والضجيج، يتشاجرون مع بعضهم، ويتسبّبون في حوادث يُمكن أن تؤدي إلى كوارث.

أما المشكلة الأكبر فتأتي من جانب حسين نفسه. فالرجل في حاجة إلى المال لكي يُطعم أبناءه السبعة وأمهم، فيقوم بدوره بعمل خلايا للنحل. لكنه تحت ضغوط التاجر الجشع الذي يشتري منه العسل، لا يستطيع الصبر إلى أن يصبح من الممكن جمع العسل، بل يريد أن يجمع ما تكوّن قبل أن يُصبح صالحا تماما، كما أنه يجمعه كله من دون أن يترك للنحل شيئا يتغذّى عليه، وهو يصمّ آذانه عمّا توجهه إليه حديز من نصائح. والنتيجة أن يلتهم نحل حسين نحل حديز ويقضي عليه ويحرمها بالتالي من مصدر دخلها الوحيد.

تتوفى والدة حديز، ويصيب مرض ما قطيع الماشية الخاص بعائلة حسين فيُنفق البعض منها، فترحل العائلة عن المكان تاركة حديز خلفها وحيدة، يتعيّن عليها الآن أن تبدأ من جديد. فهي لا تعرف اليأس، وقد رأينا كيف يُمكنها أيضا العثور على السعادة بطريقتها الخاصة. لكن سعادتها الكبرى تكمن في تغذية النحل والتغذّي على ما ينتجه.

الموضوع مُقبض مُحزن يثير الكثير من التساؤلات حول أمثال هذه الكائنات البشرية التي تعيش حياة شاقة قاسية معزولة في الجبال. لا أحد يهتم بها. نعم هناك لمسة من لمسات سينما الأجناس البشرية (الأنثروبولوجي). أي دراسة فصيل ما من تلك الفصائل البشرية ذات الهوية الخاصة، التي تُحافظ على لغتها وطريقتها في التخاطب والمرح والغناء والفلكلور عموما. ولكن الفيلم في نفس الوقت، يُبرز المخاطر التي تتعرّض لها الكائنات الطبيعية (النحل هنا) وكيف يقضي الإنسان عليها نتيجة الجهل والحماقة والجشع.

إلاّ أن أهم ما يميّز الفيلم الذي اشترك في إخراجه كل من تمارا كوتفيسكا ولوبومير ستيفانوف وجرى تصويره على ثلاث سنوات، صورته البديعة التي تبرز التناقض بين حياة البؤس وجمال الطبيعة في تلك المنطقة الساحرة في أعالي جبال شمال مقدونيا. أضف إلى ذلك قدرة الكاميرا على التقاط أدق التفاصيل والتسلل داخل حياة حديز، والتوقّف أمامها وهي تُطعم أمها العجوز وتتبادل معها الحديث بصعوبة، ثم وهي تبيع مُنتجها في سوق المدينة، أو تعود لتلعب وتمرح مع الأطفال، وكيف تتعامل برقة مع النحل، ومع الحيوانات الموجودة حولها: القطط والكلاب.

بطلة لا تعرف اليأس
بطلة لا تعرف اليأس

إن جوهر هذا الفيلم وسرّ سحره ورونقه يكمن في قدرة مخرجيه على تلك المتابعة الدقيقة لأدق تفاصيل حياة الشخصية دون أن يشعر المُتفرّج بأنه يشاهد فيلما، أو أن الذين يظهرون على الشاشة سبق تدريبهم وطُلب منهم إعادة تمثيل أدوارهم في الحياة. فنحن نرى، على سبيل المثال، كيف يتناقش حسين مع تاجر العسل في حدّة وكيف تتشاجر حديز مع حسين أمام الكاميرا مباشرة دون أن يبدو أن أحد منهما يشعر أصلا بوجود الكاميرا، وكذلك الأطفال وهم يحتدّون ويتشاجرون مع أمهم أو أبيهم عندما يوجّه إليهم توبيخ أو لوم وتعنيف.

رغم تصوير الفيلم على مراحل وعلى فترة طويلة، إلاّ أن الإيقاع يتميّز بالسلاسة والانتقال السلس بين مشاهده وأجزائه المُختلفة، بين الداخل والخارج، الجبل والمدينة، الحيوانات والبشر. وهو إيقاع بطيء مُتمهّل يُتيح الفرصة للمُشاهد للتأمّل في تلك الحالة الإنسانية التي يُصوّرها الفيلم ويتوقّف أمامها، كما يتناسب هذا الإيقاع مع طبيعة الحياة وإيقاعها في منطقة تستعصي على التغيير أو التحديث.

“أرض العسل” تحفة بصرية من الطراز الأول وعمل سينمائي بليغ شديد البساطة والعُمق في آن.

16