فيلم "أشباح الحرب" من الكفاح ضد النازية إلى حرب أفغانستان

خمسة جنود يلخصون تراجيديا شخصيات تتقاذفها الحروب عبر الأزمنة.
الأحد 2020/10/25
فيلم يجمع بين الرعب والعنف ووقائع التاريخ

لا يبقى من الحرب سوى ضحاياها وأشباحها، تبدو هذه المقولة صحيحة إلى حد بعيد إذا ما قارنا حجم الانتصارات بحجم الكوارث والمآسي. هذه المآسي التي ألهمت الفنانين والمبدعين لرصد أعماق البشر واستخراج ما هو مخفي ومظلم في الإنسان. وقد تمكنت السينما باقتدار من ذلك، لكن كثيرة هي الأفلام التي عالجت الحروب، حتى أنها باتت مكررة، لكن ما قام به إيريك بريس في تناوله للحرب العالمية الثانية غيّر من وجه السينما التي تتناول الحرب.

تعرضنا في مرات سابقة لأفلام بنيت قصصها على خلفية الحرب العالمية الثانية، ولكن يبدو أن هذه الحرب ستظل محفزا دائما ولا يكاد ينتهي باتجاه إنتاج المزيد من الأفلام التي تدور في تلك الدائرة.

لكن الأمر مختلف بالطبع ما بين معالجة كل فيلم وفيلم آخر، وواقعيا لا تعنينا هنا سوى الأفلام المنتقاة والأكثر تميزا في مقاربتها لتلك الفاجعة البشرية.

يأتي فيلم “أشباح الحرب” الذي يعرض حديثا للمخرج إيريك بريس ليشكل إضافة نوعية لهذه الفئة من الأفلام، حيث يحمل معه الجرأة والتميز في المعالجة والبناء الدرامي، إضافة إلى قضية الإنسان تحت مطحنة الحرب ومآسيها، ومنهم حتى الجنود الذين ترفرف من فوقهم رايات بلادهم المنتصرة، إذ يطرح الفيلم الإشكالية المعقدة التي ترتبط بالإنسان في بنائه النفسي والقاسم المشترك للهلع والرعب فضلا عن العنف المسرف الذي لا يستثني أحدا.

أجواء الرعب المثيرة

ها نحن في العام 1944 وحيث فرنسا خاضعة للاحتلال النازي، فيما الجنود الأميركان يتسللون ليسندوا الفرنسيين في محنتهم.

هنا في الريف الفرنسي الممتد ينام خمسة جنود في العراء، وواحد مهم هو الذي يرى شبح الحرب وهو يلاحقه ويكاد يقنص روحه، ليصبح مشهد الرعب أو المشهد الكابوسي هو مشهد الافتتاح والختام.

يكلف الجنود الخمسة بوصفهم كتيبة مشاة صغيرة يقودها كريس (الممثل برينتون ثاويتس) بمهمة السير باتجاه الاستقرار في أحد المباني الذي كان في السابق مقرا لإحدى قيادات الجيش النازي.

الفيلم تراجيديا فيها الكثير من العبث واللاجدوى والصراخ والآلام أكثر من حديث البطولات والأصداء البعيدة وأوامر الجنرالات
الفيلم تراجيديا فيها الكثير من العبث واللاجدوى والصراخ والآلام أكثر من حديث البطولات وأوامر الجنرالات

لكن بشاعة الحرب سرعان ما ستتجسم في الطريق إلى ذلك المكان بعد انفجار سيارة للجنود النازيين وما يفعله الجنود الخمسة بضحايا الانفجار، فهذا يجهز على الجريح بطلقة في الرأس والآخر ينتزع من فم الضابط النازي بعض أسنانه المغلفة بالذهب أما الآخر فيقرر خوض نزال ملاكمة مع ضابط نازي هو الناجي الوحيد من دون إصابة.

على الجهة الأخرى ولكي تكتمل الصورة هنالك المدنيون بملابسهم المهلهلة وخاصة النساء والأطفال وهم يجوبون القرى باحثين عن ملاذ.

الانتقال الحاسم والأكثر أهمية في هذه الدراما الفيلمية يبدأ بمجرد الوصول إلى ذلك المبنى الذي هو في الأصل قصر مهجور ومعزول عن كل شيء وسط الريف.

يشكل ذلك القصر عنصرا مكانيا شديد الأهمية إذ من خلاله سوف ننتقل من ثيمة الحرب وقصة الصراع بين الحلفاء والنازيين إلى ما وراء تلك الحرب من مآس، من أشباح وأصوات ضحايا، كلها تتجمع في هذا المكان بشكل غير متوقع.

وببساطة شديدة فإننا بالانتقال إلى هذا المكان نكون قد انتقلنا إلى أجواء رعب وهلع كاملة من خلال الأصوات وحركة الأشياء التي تصدر من أماكن مختلفة في ذلك القصر الضخم بطبقاته المتعددة.

هنا سوف تتضح مقتنيات عائلة هجرت المكان عنوة وهي عائلة هولويج التي أعدمها النازيون بالكامل، ولم تبق منها سوى صورة تضم الزوج والزوجة، وولدا وبنتا هما ابناهما.

من حيث المبدأ لن يضيف الفيلم جديدا في مقاربته لأفلام الرعب التي تتحدث عن الأشباح التي تعشش في مبان مهجورة أو بيوت وقصور وقلاع مسكونة وهو ما شاهدناه في المئات من أفلام الرعب، لكن الإضافة هنا هي أن تلك الأشباح ما هي إلا أشباح ضحايا الحروب. والمقاربة الثانية التي تكمل ذلك هي وجود ما يشبه الجريدة اليومية أو اليوميات التي تروي جوانب من سيرة ومفردات حياة تلك الأسرة وهو ما ينشغل به الجندي إيوجين (الممثل سكيلار أستن) الذي يربط كثيرا من الظواهر مع سيرة تلك العائلة.

ولننتقل بعد ذلك إلى استكمال ذلك العالم المجهول القائم في غرف وأروقة وزوايا ذلك المكان الغرائبي عندما تقع المواجهة بين الجنود الأميركان الخمسة وبين حشد من الجيش النازي، وهي مواجهة تنجح أشباح المكان في إشعالها بإصدارها أصواتا تجعل النازيين يندفعون لتفتيش المكان وبالتالي خوض مواجهة مع الجنود الخمسة.

المخرج يتلاعب بعنصري الزمان والمكان لتعميق فكرة الحرب التي تسببت في فقدان الشخصيات البوصلة للوصول إلى الحقيقة

على أن المفارقة هنا والقائمة على فكرة الانتقام والثأر الممزوجة بالأرواح، هي العقاب الذي يطال جنديين نازيين بما يتسبب في موتهما، فأحدهما يعاقب شنقا والثاني غرقا في مغطس الحمام حيث تجبره قوة ما على السقوط في الحوض والغرق فيه حتى الموت لنكتشف من خلال اليوميات أن فردين من عائلة هولويج، التي كانت تعيش في ذلك المكان قد تم قتلهما بذات الطريقة على أيدي الجنود النازيين.

يُعنى المخرج خلال ذلك بالتنويع على أداء الممثلين الخمسة وهي إشكالية إضافية واجهت صانعي الفيلم، فالشخصيات وهي تدور في كل يوم في أنحاء المكان، تصبح وكأنها على خشبة مسرح مستخدمة الحوار وما يرد عن سيرة العائلة من يوميات في الدفتر الذي تركه أفرادها لكن تلك الطبيعة المسرحية للأحداث كان أداء الممثلين من جهة والحبكات الثانية من جهة أخرى هما اللذان يخففان من وطأة الحوار المستمر والوسيلة الوحيدة لدى الشخصيات.

في مقابل ذلك ولتأكيد وجود قوة روحية ما يتوصل الجنود الخمسة إلى محصلة مفادها أن المكان تسكنه أرواح أصحابه المقتولين والذين لا أحد يعرف أين ذهب بهم النازيون، حتى الليلة التي يقوم فيها العريف كريس بنثر الدقيق لتعقب خطوات شبح مفترض لكنه في واقع الأمر سوف يتم اختطافه أمام أنظار زملائه ويتم الإلقاء به في مخزن متروك ليجد الجنود جثث العائلة هناك ويقوموا بدفنهم.

تلاعب بالزمان والمكان

جنود تائهون في زمن يتكرر
جنود تائهون في زمن يتكرر

تبدو تلك المعاناة كافية لاستنفاد طاقات أولئك الجنود، ولهذا يقررون ترك المكان والعودة إلى ثكنتهم الأصلية متحملين أية تبعات أو عقوبة، وبالفعل فإنهم يقطعون الطريق وسط المزارع يلاحقهم صوت شبح ما وهو يردد أن “في خروجكم نهايتكم وهلاككم”، لكنهم لن يصدقوا، ثم يمضون في مسارهم لكنهم في واقع الأمر سوف يكونون في حلقة زمانية ومكانية غريبة محكمة الإغلاق، فكلما قطعوا مسافة وجدوا أنفسهم عائدين إلى نفس المكان ولهذا يقررون بعد إرهاق وجهد أن يعودوا أدراجهم إلى القصر المهجور متحملين جميع التبعات.

تبدو فكرة التيه المكاني التي مر بها الجنود معالجة درامية أخرى مختلفة أيضا عن السائد في سينما الحروب إذ إن ضياع أو تيه الجنود من الاحتمالات الضعيفة، لكن المخرج وهو نفسه كاتب السيناريو يتلاعب بعنصري الزمان والمكان لتعميق فكرة الحرب التي تسببت في فقدان الشخصيات البوصلة للوصول إلى الحقيقة.

العودة إلى نقطة البداية هي استمرار للدائرة المكانية والانقطاع عن الآخرين وتدوير فكرة الحرب وأشباحها، وهي مثلا بالنسبة إلى الجندي القناص تابيرت (الممثل كيل غالنر) الذكريات الأكثر قسوة التي عاشها في المعارك وقيامه بقتل أطفال وفتيات من النازيين دون رحمة، لكن ها هو الآن تغرورق عيناه بالدموع وهو يسترجع تلك القسوة المفرطة تجاه أفراد عزل وغير محاربين وجدوا أنفسهم جزءا من تلك الدوامة التي لا تعرف نهاياتها.

على الجهة الأخرى يصبح ما يتم الكشف عنه من سجل العائلة التي كانت تقطن ذلك القصر هو المصدر الوحيد لرؤية ما كان يجري فيه وحياة ساكنيه، بمعنى آخر التعايش مع شخصيات تحوم أشباحها في المكان، وها هم الجنود يكتشفون علب السجائر التي كان الأب يدخنها والتي سوف تربطنا مع واقع آخر لا أقل غرابة.

وكما ذكرنا في بداية المقال إن الغزارة التعبيرية لهذا الفيلم سوف تقودنا إلى معطيات أخرى تشي بتميز كامل.

الصفحة الناقصة من اليوميات وسيرة حياة الشخصيات سوف يجدها الجنود ملصقة بإحدى الجثث، ولكن ويا للغرابة إنها مكتوبة باللغة العربية، وحيث يكتشف الفقير أن تلك العائلة هي عائلة أفغانية، ولأن دائرة الحرب واحدة كيفما كانت فإن عجلة الحرب التي دارت قبل حوالي نصف قرن سوف تعود للدوران في بقعة مكانية أخرى من خلال حرب أفغانستان.

هاهم الجنود الخمسة أنفسهم في كابول، وسوف يواجهون مسلحي طالبان وهم يتجمعون للهجوم على منزل الطبيب نفسه الذي تركنا صورته مع عائلته في القصر المهجور بفرنسا عام 1944، وفي الوقت الذي يشعرون فيه بمرارة التخلي عن الطبيب الذي خدم أميركا وجنودها وزودهم بمعلومات عن أفراد طالبان والقاعدة ها هي أميركا تتخلى عنه.

يتكامل المشهد عندما تقترب لحظة المواجهة مع مسلحي طالبان وهم يحققون مع الطبيب، لكن ها هو المشهد يعيد نفسه، يتم قتل الطبيب حرقا فيما يتم قتل ابنته شنقا وابنه غرقا، وهي القصة الكارثية نفسها التي واجهها الجنود الخمسة في القصر المهجور.

على أن شعور الجنود الخمسة بالغضب لامتناع الضابط المسؤول عن إصدار أمر إطلاق النار ضد مسلحي طالبان سوف يعيد دائرة اللعنة التي وجدها الجنود موزعة باللغة العربية وبالرموز والطلاسم والتعاويذ وحيث تتردد كلمات اللعنة من الأم التي رأت عائلتها وهي تُقتَل في فرنسا أو المرأة الأخرى التي رأت عائلتها وهي تقتل في كابول، لكن الفارق هو أن أباتشي أميركية كانت قرب المكان ولم تفعل شيئا لإنقاذ العائلة، بينما في الحالة الفرنسية كان القصر معزولا والنازيون لوحدهم يفعلون ما يشاؤون.

الخيال العلمي

ببب

الدهشة الأخرى تكمن في الانتقال إلى الجنود الخمسة وقد نالت منهم الحرب ونهشت أجسادهم فهذا مقطوع الساقين وذاك مهشّم الوجه والآخر مقطوع الذراعين، هم أنفسهم جنود الرحلة المرّة الخمسة، وكلهم يرقدون ضمن برنامج متطور يقود الطبيب نفسه الذي أدى دور الضابط النازي في بداية الأحداث.

هنالك الكثير مما كتب عن هذا الفيلم في الصحف والمواقع الإلكترونية وقسم منها يؤاخذ الفيلم على ما يشبه الاستطرادات السردية في مقابل الاستطرادات الكلامية بمعنى المسار الأفقي للأحداث أكثر من التركيز على التفاصيل الجزئية الدقيقة، لكن ذلك لن يغير من حقيقة تلك التراجيديا المرّة شيئا.

والحاصل أن المتيقظ الوحيد هو العريف كريس الذي يحاول أن يستوعب كيف جيء بهم إلى ذلك المكان المعزز بالشاشات والتقنيات الرقمية والأجهزة الحديثة، وكيف انتقل فجأة من الحرب العالمية الثانية إلى هذا الزمن، وهي أسئلة سوف لن تكون هنالك إجابة مباشرة عليها بقدر المضي في الاكتشاف والمستقبل.

لكن في المقابل هنالك تلاعب بذاكرة الجنود وهكذا سوف يبقون بمثابة فئران تجارب لتلك الحروب المجنونة وإلا كيف تمّ محو الماضي بالنسبة إلى جنود محطمين لغرض أن يكونوا امتدادا للحاضر ومن دون هزات ارتدادية تجعلهم يتوقفون جديا من أجل إيقاف عجلة المهزلة.

ولنعد مرة أخرى إلى المشهد نفسه الذي تم تأطير مدخل الفيلم به، الجنود الأربعة نائمون بينما الخامس هو كريس الذي لا تزال أشباح الحرب تلاحقه ولهذا سوف يسأل تلك الأشباح: من أنتم وماذا تريدون مني؟

والحاصل أننا أمام تراجيديا فيها الكثير من العبث واللاجدوى والصراخ والآلام أكثر من حديث البطولات والأصداء البعيدة، أكثر من خطب وأوامر الجنرالات، وهي حقا تلك التراجيديا التي برع المخرج وهو نفسه كاتب السيناريو في تقديمها.

15