فيلم "أمازونيا" عالم غامض روضته كاميرا

الاثنين 2014/02/10
"أمازونيا" للمخرج الفرنسي تييري راغوبير.. فردوس مفقود

نادرة هي الأفلام الوثائقية التي ترقى إلى مستوى التحفة، غير أن فيلم "أمازونيا" للمخرج الفرنسي تييري راغوبير يستحق هذا التصنيف عن جدارة. وقد بذل طاقم الفيلم برمته جهودا كبيرة، بدءا من كُتّاب السيناريو الخمسة، مرورا بالمصورين الثلاثة وأصحاب المؤثرات الصوتية، وانتهاء بـ”المُمنِتجَين” الذين أبهروا مشاهديهم بهذا العمل الساحر الذي يخلو من الحوار!

كيف أوصل المخرج فكرته إلى المتلقين الذين سقطوا في دائرة الدهشة والذهول على مدى خمس وثمانين دقيقة وهم يتنقلون في أماكن التصوير التسعة في أمازونيا، هذا العالم الاستثنائي الغامض وغير المروّض؟

لقد أراد منتجو الفيلم الأربعة أن يحصروه في إطار أفلام الأطفال أو العائلة في أبعد تقدير، لكن قوة الفيلم وسحر الغابات الأمازونية الممطرة المكتظة بعشرات الآلاف من النباتات والحيوانات والحشرات، هي التي أخرجت هذا الفيلم من الأطر الضيقة المرسومة له. فهو فيلم لكل الأعمار، ولجميع المستويات، وأكثر من ذلك فهو يزاوج بين التوثيق والروي الصامت المعبّر إن صحّ التعبير. هذه إضافة إلى تنفيذه بتقنية الأبعاد الثلاثة، التي منحته نكهة خاصة تُحسب لمصلحة الفيلم القائم على رصد اللقطات الجمالية المُبهرة التي تقترب من الفنتازيا أو اللامعقول في بعض الأحيان. تنعقد أولى خيوط القصة السينمائية حينما نرى فتاة صغيرة تودع قردها المُقلنَس “ساي” إلى سيرك آخر، حيث سيتم نقله جوا، لتتطور الأحداث بشكل دراماتيكي حينما تسقط الطائرة التي تقل هذا القرد لتعيده إلى حاضنته الأولى الطبيعة، تلك الحاضنة التي لم يرها من قبل، ولم يألفها قبل هذا التاريخ، وعليه أن يتماهى فيها ويندمج مع حيواناتها، لكي يؤمِّن حاجته من الطعام والشراب والمأوى والبقاء على قيد الحياة. غير أن هذا القرد لم يعرف عالم الغابات، لأنه تربى في الأسر وأصبح شأنه شأن الحيوانات المنزلية مدجّنا خلافا لغرائزه الحقيقية، وطبعه البرّي الذي ينسجم مع حياة الغابات التي تمتلك اشتراطاتها الخاصة.

لا تقتصر القصة على هذا السياق السردي الخارجي على رغم أهميته، وإنما تتجسد أمام أعيننا إشكالات جديدة من قبيل الضياع، والإحساس بالغربة، وصعوبة الاندماج مع الحيوانات الأخرى، والإساءة إلى هذا النمط من الحيوانات المأسورة التي اُقتلعت من جذورها وحاضنتها البيئية المألوفة بسبب الإنسان لا غير.

لقد أحسن المخرج راغوبير حينما اختار هذا النوع من القرود المقلنسة “التي يحيط برأسها شعر كثيف يشبه القلنسوة”، فهي قرود ذكية تتعلم بسرعة، وتندمج في البيئة المكانية من جديد، وتتفاعل معها، لكن هذا التفاعل لا يمنعها من ارتكاب بعض الأخطاء، التي قد تودي بحياتها لأنها قد تذهب إلى الخطر بقدميها بسبب تدجينها وأسرها مدة طويلة من الزمن بعيدا عن مسقط رأسها ومأواها الطبيعي.

إن منْ يشاهد هذا الفيلم لا بدّ أن ينحني إعجابا لكل طاقمه. وقد يستغرب المتلقي كيف تمكن المصورون من تصوير هذا الكم الهائل من اللقطات والمشاهد المدهشة التي تحبس الأنفاس؟ والجواب ببساطة شديدة أن الطاقم برمته قد انغمس في العمل على مدى عامين كاملين من البحث العلمي والكتابة وتطوير الأفكار، بل إن المصورين وبعض التقنيين قد أمضوا تسعة أشهر كي يتأقلموا مع الحيوانات الرئيسية التي يحتاجون إلى تصويرها، هذا ناهيك عن مفاجآت التصوير والغواية الكامنة وراء المصادفات التي لا تنتهي، لأنهم اقتحموا كوكبا أخضر بالكامل يحتوي على أربعين ألف نوع من النباتات وخمسة آلاف نوع من الحيوانات، و2.5 مليون حشرة. أما الجمال الذي تنطوي عليه هذه الحيوانات والحشرات والنباتات فهي قصة ثانية، تتمحور في قدرة المصورين البارعين في الإمساك باللقطات الجمالية المدهشة والصادمة في آن معا.

ربما يكمن قسط غير قليل من جمال الفيلم في اللقطات المدهشة لهذا الكم الكبير من الحيوانات، وخاصة القرود والنمور والدببة والقُضاعات والنسور والدلافين النهرية والتماسيح والكائنات المُدرّعة والأفاعي العصّارة والطائر الطنان، والببغاوات الملونة، والجنادب، والعصافير، والعنادل. أما الأشجار الباسقة، المثمرة، المكتظة الأغصان فتحتاج وحدها إلى دراسة منفصلة كي تغطي فقط الجوانب الجمالية الكامنة فيها. ربما تكون الجنة أو الفردوس المفقود هي الكلمة الوحيدة التي تستوعب هذا الجمال النوعي المدهش المخبّأ في الغابات الأمازونية الحالمة.

16