فيلم "البريء".. استغلال الأبرياء لقتل الفكر ووأد الحرية

فيلم "البريء" للمخرج المصري الراحل عاطف الطيب ينقب منذ لقطاته الأولى في قضايا فلسفية عميقة ويحاول البحث عن معنى الوطن والعدو، اللذين يختلفان حسب نشأة الإنسان وبيئته ومستواه الثقافي.
السبت 2018/11/10
جهل الأبرياء قد يقتل الحرية

أحدث فيلم “البريء” للمخرج المصري الراحل عاطف الطيب، جدلا كبيرا وسط الجمهور والنقاد والمسؤولين في مصر، بسبب جرأته وتناوله قضايا شائكة، دفعت الحكومة لتشكيل لجنة من وزراء الدفاع والداخلية والثقافة في مطلع الثمانينات من القرن الماضي لحسم ملف عرضه، ليدخل صُنّاعه في معركة حول نهايته التي تم اقتطاعها، حتى جاء عام 2005 بعرضه كاملا بقرار جريء اتخذه وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني.

السينما المصرية ركزت في تناولها لجنود الأمن المركزي (قوات مكافحة الشغب) على النواحي الكوميدية الصرفة، وتحاشت الاقتراب من حياتهم قبل ارتدائهم الزي الميري (الرسمي)، ولم تتطرق لملابسات انتقائهم من بين مئات الآلاف المرشحين للتجنيد سنويًا، باستثناء فيلم “البريء” الذي قدمهم في صورة واقعية فلسفية، جعلتها صالحة لكل العصور، رغم عرضه قبل 32 عاما.

غاص فيلم البريء في خلفيات وحيثيات تكوين قوات الأمن المركزي، وهو الجهاز الذي تشكل بمعناه الحديث في أعقاب تظاهرات يناير عام 1977 ضد قرارات الحكومة المصرية برفع أسعار بعض السلع الأساسية، والتي سمتها الصحف “تظاهرات الخبز”، بينما اعتبرتها الحكومة “انتفاضة لصوص”، لينزل الجيش للشوارع للمرة الأولى منذ ثورة 23 يوليو عام 1952.

في خضم الاشتباكات بين المتظاهرين وجنود الأمن، تلقى السيناريست وحيد حامد ضربة على رأسه، ليجد أمامه أحد أبناء قريته بمحافظة الشرقية (115 كيلومترا شمال القاهرة) في زي العسكري صارخًا في استغراب “أستاذ وحيد.. إنت (أأنت) من أعداء الوطن”، لتصبح تلك الجملة بمثابة المنطلق الذي اعتمد عليه في كتابة السيناريو للتعبير عن كل من يعارض الحكومة، أو من يكتب شيئا ليس على هواها.

ينقب الفيلم، الذي تم عرضه في أغسطس 1986، منذ لقطاته الأولى في قضايا فلسفية عميقة ويحاول البحث عن معنى الوطن والعدو، اللذين يختلفان حسب نشأة الإنسان وبيئته ومستواه الثقافي، فهو للفلاح البسيط القاطن بقرية معزولة لا يتجاوز منزله البسيط وأهله، وعدوه لا يتعدى حشرة أو قارض يهاجم مخزونه من الحبوب.

في قرية نائية منعزلة، يعيش الشاب أحمد سبع الليل، الذي لعب دوره الفنان المصري الراحل أحمد زكي، يعول بفأسه شقيقه المتخلف عقليًا عبدالصبور ووالدته ستيته (الفنانة ناهد سمير)، ولا يطمع إلا في محصول جيد، وأن يزيد الله لبن الجاموسة التي يمتلكها، ويعطي حماره القوة لتحمل أعباء العمل، ويظل ماء الترعة وفيرا لري الأرض، وتلطيف حرارة جسده من قيظ الصيف.

فجأة يصبح الشاب الذي لم يغادر قريته أبدا مطلوبا للخدمة العسكرية الإلزامية، رغم كونه العائل الوحيد لأسرته، ليرحل ضمن عشرات تم ربطهم معا بحبل واحد يجره خفير لمركز الشرطة، ومنه لعربة نقل تقلهم للقاهرة لإجراء فحوص طبية، وأخيرا الترحيل لمكان قابع بمنطقة صحراوية تحيط به الثعابين والعقارب من كل مكان.

في اللحظة الأولى لوصول سبع الليل، يقدم المخرج عاطف الطيب لقطات غير تقليدية لا تعتمد على فنيات التصوير، بل تعتمد توظيف العيون والوجوه والحركات؛ الجندي الذي يدهس عقربا، الضابط الذي يُسخر جنديًا للسير خلفه بمروحة كهربائية، مدير السجن الذي لا يتحرك خطوة إلا فوق ظهر حصانه.

يقدم الفيلم أسس الاختيار لجنود الأمن المركزي بصورة غير مباشرة، فكلهم من النجوع البعيدة الفقيرة، لا أحد منهم يعرف القراءة والكتابة، وتبدو على ملامحهم السذاجة، وهم على استعداد لتنفيذ التعليمات حتى لو كانت خاطئة، ليضرب سبع الليل صديقه على وجهه بمجرد طلب الضابط فهيم بيه (الفنان حسني حسني)، والذي سأله عن السبب فأجاب “أنت أمرت ولا بد أن أُنفذ حتى لو كانت غلط (خطأ) يا أفندم”.

سعى فيلم البريء التأكيد على مفهوم الحرية بصفة عامة، وعرج على قضايا حرية الرأي والتعبير والحرية الشخصية وحق المحاكمة العادلة
سعى فيلم البريء التأكيد على مفهوم الحرية بصفة عامة، وعرج على قضايا حرية الرأي والتعبير والحرية الشخصية وحق المحاكمة العادلة

“الله.. الوطن.. بالأمر”.. كان الدستور الذي يحكم المعتقل، الكلمتان الأولى والثانية جعلتا “سبع الليل” يقتنع بأن الكتاب والمثقفين والعلماء المعتقلين أعداء الوطن والدين، لا يعارض إجبارهم على تناول الطعام كالحيوانات بإلقاء أرغفة الخبز لهم ومطالبتهم بالتهامها دون استخدام أيديهم، بل لا يرى ضرورة لحياتهم أساسا، ومن الأفضل قتلهم توفيرا للخبز فينتفي وجود السجن فيعود المجندون لديارهم وحقولهم.

فيلم ‘البريء” الذي كُتبت قصته في مطلع الثمانينات ظل عدة أشهر في ماراثون مع الأجهزة الرقابية بمجرد انتهاء تصويره حتى تم عرضه بعد ستة أشهر من اندلاع أحداث الأمن المركزي في فبراير 1986، حين تظاهر عشرات الآلاف من المجندين، احتجاجا على سوء أوضاعهم المعيشية، وشائعات مد الخدمة من ثلاث إلى خمس سنوات.

أجاب الفيلم عن تساؤلات شغلت المصريين في أعقاب الانتفاضة التي كادت تمتد شرارتها من الصعيد وحتى الإسكندرية، وأسفرت عن مواجهات خلفت 107 قتيلا و719 جريحًا، شرح مؤلفه بقلمه كيف يتم الاختيار والتدريب والتسلسل الهرمي لقيادة جنود تختارهم المؤسسة العسكرية فقط ويخضعون لإدارة وزارة الداخلية المباشرة.

فكرة إدارة الداخلية لجنود الأمن المركزي كانت مستحدثة، أثناء كتابة الفيلم، بعدما استغل النبوي إسماعيل وزير الداخلية (1977 – 1982)، انتفاضة الخبز في السبعينات لتمرير مقترح لجعل ذلك الجهاز الذي يضم قرابة 300 ألف شخص آنذاك تحت سيطرته، كي يكون جاهزًا للنزول إلى الشوارع في أي وقت، على عكس الجيش الذي يتطلب خروجه من ثكناته ترتيبات خاصة، وتجهيزات وتصريحات مسبقة.

ثمن الاختيار القائم على الجهل ومحدودية التفكير دفعت ثمنه الحكومة غاليا خلال أحداث الأمن المركزي التي استمرت نحو أسبوع، فرغم محاولة إقناعهم بأن مصدر قلقهم شائعة رفضوا التصديق، لتتعرض فنادق سياحية في منطقة الجيزة المجاورة للقاهرة للتدمير وكادت تخرج محافظة أسيوط عن السيطرة.

لم يجد الرئيس حسني مبارك حينها بدا من فرض حظر التجوال وتكليف الجيش بالنزول وإقالة اللواء أحمد رشدي وزير الداخلية (1984 – 1986) المحبوب شعبيا، ومعه معظم القيادات الأمنية، وإصدار تعليمات بتغيير نمط حياة الجنود الذين يلتحقون بالأمن المركزي وجعلها أكثر آدمية.

انتهاك الحرية

سعى الفيلم للتأكيد على مفهوم الحرية بصفة عامة، حرية التعبير ممثلة بالكاتب رشاد عويس (صلاح قابيل)، والحرية الشخصية متجذرة بالدكتور علي خليفة عالم الجيولوجيا (جميل راتب) الذي تم إجبار زوجته صغيرة السن على طلب الطلاق منه ومعايرته بذلك، وحتى حق المحاكمة العادلة للفنان أحمد راتب المتحرش الذي شارك بمظاهرة نسائية، فقبض عليه بتهمة الإيمان بمبادئ الشيوعيات.

كان مدير المعتقل العقيد توفيق شركس، الذي لعب دوره الفنان الراحل محمود عبدالعزيز، مثالا للمريض النفسي السادي الذي يتلذذ بالتعذيب البدني والنفسي، يسحل عالم الجيولوجيا لمجرد مجادلته، لكنه رقيق بحياته الخاصة ويعشق ابنته ويقوم بدور الساحر بحفل عيد ميلاد صديقتها، ويعامل عسكري مرور باحترام، وضعيف في مواجهة زوجته التي تغادر المنزل باستمرار تاركة طفلتهما بمفردها.

آمن شركس بأن السيطرة على العقول يمكن تحقيقها بإنهاك الأبدان، فيجبر النزلاء على حفر بئر وبعد انتهائهم يقرر ردمه مجددًا، حينها يقارن المعتقلون بين واقعهم وحال أجدادهم الذين حفروا قناة السويس من حيث الفائدة الاقتصادية، فلولا القناة لكان رغيف الخبز بعشرة قروش (مبلغ كبير في الثمانينات)، في إيحاء بأن العهد الملكي كان أفضل من سياسة الانفتاح الذي تبناها أنور السادات.

ربما كان الخطأ الإخراجي الذي وقع به عاطف الطيب هو مشهد محاولة هروب الكاتب رشاد عويس أثناء تفريغ محتويات عربة قمامة بالصحراء، الكاتب كان يريد الحرية ولو جاءت بالموت، ليغافل المجند سبع الليل ويضربه على وجهه ويسرق سلاحه ويهرب بسيارة النظافة المتهالكة، ليطارده المجند المصاب على قدميه، وشركس على حصانه، ويسبقان سيارتي دفع رباعي تشاركان بالمطاردة في مشهد يخالف المنطق.

دفع عويس حياته ثمنا للجهل، كانت آخر كلماته لسبع الليل الذي كان يقبض على عنقه “أنت حمار.. أنت مش فاهم حاجة (لا تفهم شيئًا)”، ليتم ترقيته بعدها لعريف ومنحه إجازة عشرة أيام قضاها في خدمة أرضه التي ساءت بعد رحيله ولم تستطع أمه العجوز رعايتها، ليلقي بملابس الجندي أرضًا ويتناول الفأس ضاربا في أعماق الأرض باحثا عن سعادته الأصلية.

في الجانب الآخر، كانت أنباء مقتل الكاتب تجد صداها في الجامعة وتجبر الحكومة لتشكيل لجنة تفتيش تزور المعتقل، ليستقبلها العقيد شركس بكذبة محبوكة تتهم الكاتب باعتياد الهرب وإعادته في كل مرة سالما قبل أن يتولي مطاردته عسكري ساذج أطلق النار عليه، معتبرا أنه لا يدير معتقلا ولا سجنا، لكن مصحة نفسية تمنح نزلائها من المثقفين والفلاسفة وأصحاب الرأي مكانا للتأمل والتفكير مع عزلهم عن المواطنين.

تغيير واقع المؤسسات للنقيض تماما مع أي زيارة لمسؤول لا يزال من معالم المجتمع المصري حتى الآن، فبقدوم لجنة التفتيش للمعتقل تحول الطعام من رغيف خبز إلى وجبة من اللحم والأرز، وافتتحت المكتبة للنزلاء لأول مرة واختفت الكلاب البوليسية، حتى النزلاء من المشاهير والمشاغبين تم إخفاؤهم، وتقديم من يسهل السيطرة عليهم، والذين كانت شكواهم الوحيدة من غياب الماء البارد.

على لسان حسين وهدان (الفنان الراحل ممدوح عبدالعليم) صديق المجند أحمد سبع الليل وطالب الحقوق يقصف وحيد حامد جبهة الحكم الساداتي والمباركي على حد سواء، ليقف هاتفا في زملائه بخطبة حماسية يقول فيها “لما (عندما) يكون الحرامية (اللصوص) والقوادين وفتيات الليل أحرارا.. لما التفكير في بلد يبقى (يصبح) تهمة.. لما كلمة لا تبقى (تصبح) ممنوعة.. لما الرد على الكلمة يبقى الكي بالنار.. لما الجهل يحكم.. والفكر يتعذب ويتهان (يهان).. لازم البني آدمين (البشر) تموت من الحسرة والحزن”.

عرج المؤلف على لسان حسين وهدان، الذي تعرض للوشاية من إحدى المشاركات بمسيرته، لواقع الإعلام المصري في مطلع الثمانينات، ليصف الصحف بأنها نشرات يومية يكتبها مجموعة من الموظفين الحكوميين، لجعل الناس يعيشون في أوهام وأكاذيب.

تظهر لحظة الانكشاف للمجند مع وفود الطلاب المتظاهرين للمعتقل لتأديبهم تنفيذا لاتصال هاتفي بين قيادة أمنية مجهولة والعقيد شركس، ليتم إجراء مراسم استقبال لهم أو ما تسمي بالتشريفة بمهاجمتهم بالكلاب وضربهم بالعصيّ، ليُصدم سبع الليل بأن من يضربه ابن بلدته وصديق عمره “حسين” الذي كان يدافع عنه ويمنع تعرضه للسخرية من أهالي القرية.

عاطف الطيب

فيلم "البريء" الذي كُتبت قصته في مطلع الثمانينات من القرن الماضي ظل عدة أشهر في ماراثون مع الأجهزة الرقابية منذ انتهاء تصويره حتى عرضه

لحظة الانكشاف

تعيد الصدمة تشغيل عقل المجند الذي تحول إلى آلة. صديقه لا يمكن أن يكون عدوا للوطن، ليتلقى هو أيضا العقاب بالضرب بسوط شركس، والحبس في زنزانة واحدة معه شهدت حوارا بين المثقف والجاهل حول الوطن، ليقول الأول “وطنك يعني بلدك.. عدوه غير شكلك.. كلامه غير كلامك، بيرطن بلغة ما تعرفهاش.. عدوك عايز يسرقك وينهبك.. يفرح إذا بكيت.. ويشبع لما تجوع.. كل اللي هنا  أهلك وناسك”.

يصارع المجند الحقيقة المرة لأول مرة، لا تعنيه قضية الوطن أكثر من عقوبة قتل المظلوم، يدخل في موجة بكاء هيستيرية يصرخ “قتلت واحد منهم”. يتذكر كلمات المقتول (إنت مش فاهم حاجة”. يحاول النهم أكثر من المعرفة مستغربا “طالما لستم الأعداء فلماذا أتيتم إلى هنا؟ ليأتي الرد صادما “عشان إحنا اللي فهمنا حاجة يا أحمد”.

أمام الرفض المتتالي من سبع الليل لتعذيب ابن بلدته، يلقي الضابط فهيم ثعبانين داخل زنزانتهما وقف الجنود ضاحكين أثناء محاولته حماية ابن بلدته الذي يتعرض للدغ في النهاية، وتكون وصيته إعادة شقيقته نوارة (ولعبت دورها الفنانة إلهام شاهين) إلى البلدة مرة أخرى بعدما جلبها في وقت سابق كي تخضع للتسنين (تحديد عمرها) من أجل تزويجها.

خاض الفيلم معارك من أجل الموافقة على عرضه، ففي البداية وافقت مصلحة السجون على تصوير مشاهده خلف أسوار سجن وادي النطرون بمحافظة البحيرة شمالي القاهرة، بدعم اللواء بهاءالدين إبراهيم، مساعد وزير الداخلية حينها، الذي كان مؤلفا دراميا مستنيرا، وساهم في تسهيل مهمة التصوير، ووافق الجيش على توفير مروحية لخدمة العمل.

مشهد النهاية، قلب الأمور رأسا على عقب، فأثناء العرض الخاص لفيلم البريء صاح مسؤول بوزارة الثقافة المصرية، كيف يمكن عرض هذا الفيلم، وفي يد كل جندي أمن مركزي سلاح، في اتهام لصناع الفيلم، بتحريض الجنود ضد قادتهم.

اعترضت الرقابة على تقديم قادة المعتقل بزي عسكري رغم أن الجيش لا يدير السجون التي من مهمة وزارة الداخلية ليتم الاتفاق على تشكيل لجنة مكونة من المشير عبدالحليم أبوغزالة وزير الدفاع وأحمد رشدي وزير الداخلية وأحمد هيكل وزير الثقافة، شاهدت الفيلم الذي أجازه أبوغزالة بشرط تحديد التوقيت الزمني لعرضه، ليضيف صناعه عبارة “وقائع هذا الفيلم لا تمثل الواقع”.

ثم عادت الرقابة وطالبت بتغيير النهاية إلى موافقة العقيد شركس على تحويل تهمة سبع الليل من الامتناع عن تنفيذ الأوامر وعقوبتها الإعدام إلى الإهمال، مع خفض رتبته العسكرية لمجند وحبسه 15 يومًا، ليصعد البرج الذي اعتاد حراسته ويمسك الناي الذي جاء به من بلدته، ليرى وفدا جديدا من الطلاب في الطريق واصطفاف المجندين، بتقديم التشريفية المعتادة وينتهي المشهد بصرخة.

كانت النهاية الأصلية أكثر دموية، فسبع الليل يفقد توازنه النفسي ويطلق النار على جميع ضباط ومجندي وحدته، ووقف بعدها يعزف الناي على مدخلها، قبل أن يداهمه مجند مستجد فيطلق النار عليه فيرديه قتيلا ويمضي الأخير يتجول في المعسكر، دون تفكير في إنقاذ زملائه المطروحين أرضا، أو حتى تبليغ قادته، في إشارة على تكرار جديد للمأساة.

ظلت النهاية التي كتبها وحيد حامد حبيسة الأدراج، حتى اتخذ وزير الثقافة المصري فاروق حسني عام 2005، قرارا جريئا بعرض النسخة الكاملة للفيلم دون حذف للمرة الأولى على شاشة التلفزيون، وبأغانيه التي تعج بالثورية وانتقاد الظلم، لكنه لا يجد حظا كبيرا في العرض، ربما خشية تأويله سياسيا.

قوة الفيلم ورسالته شجعت الموسيقار عمار الشريعي للمشاركة في غناء أغانيه التي كتبها الشاعر الراحل عبدالرحمن الأبنودي، أولها أغنية المعتقلين التي تعبر عن حالهم بهمهمة كئيبة، يقولون فيها “دقي على الجدار.. لحد ليلنا ما يتولد له نهار.. سجنونا قاصدين يسجنوا الكلمة.. والكلمة غصب عنها.. طلعت من القضبان ومن الأسوار”.

كان الفيلم ماراثونا تمثيليا لأحمد زكي الذي أتقن دوره بكل تفاصيله، بملامح الساذج ونظرات الخجل التي تتحاشى النظر في عيون من يحادثها، وقدم وجهه عشرات المشاعر ما بين السعيد والحزين والمنتصر والمهزوم والفخور والمنكسر، عاش دورا حقيقيا، وأكمله باقتراح أن تكون الثعابين التي تلقى بزنزانته حقيقية وسامة، ليكون التعبير عن الخوف حقيقيا دون افتعال.

يريد الفيلم أن يرفع شعارا عريضا “جهل الأبرياء قد يقتل الحرية”، لا يعرف مشاهد الفيلم من البريء الذي يقصده، قد يكون الكاتب الذي مات من أجل الكلمة، أو العالم الذي سحل دفاعا عنها، أو المتحرش الذي لا تعنيه إلا مفاتن السيدات واتهم بممارسة السياسة، أو الطالب الذي فقد حياته لنشر الحقيقة.. أو حتى المجند الذي قتل بإيعاز الجهل.

16