فيلم "البغل" عن العجوز والعائلة والزمن

نقاد: العيب الأساسي في الفيلم يكمن في النظرة السلبية إلى المكسيكيين، بل والسود الأميركيين من أصول أفريقية أيضا.
الجمعة 2019/05/03
بعد أن بلغ الشيخوخة وجد نفسه وحيدا

كلينت إيستوود قارب التسعين عاما من عمره، وقد أمضى حتى الآن أكثر من ستين عاما في العمل السينمائي منذ أول أدواره كممثل عام 1955، وبعد أن حقق ما لم يحققه غيره في عالم التمثيل، انتقل إلى الإخراج. و”البغل” هو أحدث أفلامه كمخرج وممثل معا.

قد يصبح “البغل” (The Mule) الفيلم الأخير الذي يخرجه ويقوم ببطولته كلينت إيستوود، ذلك “البطل الأسطوري” الذي صمد في وجه الزمن لعقود وعقود، وأصبح جزءا راسخا في ذاكرة السينما، خاصة سينما البطل، الكاوبوي البارد الأعصاب كما عرفناه في ثلاثية الويسترن الاسباغيتي الشهيرة للمخرج الإيطالي الراحل سرجيو ليوني، وبعد ذلك في أفلام المخرج دون سيغل البوليسية وأشهرها بالطبع “هاري القذر”، إلاّ أن إيستوود نضج مع الزمن، وأصبح متمكنا في أداء الأدوار الإنسانية المركبة، وكان آخر ما شاهدناه له كممثل (ومخرج في آن واحد) أداؤه المرموق الذي لا ينسى في فيلم “غران تورينو” (2008).

يعود إيستوود إلى التمثيل والإخراج بعد أن أصبح كهلا، يجرجر قدميه بصعوبة، يتحامل على نفسه ويرفض الاستسلام للزمن وللشيخوخة، وإن كان قد ابتعد بطبيعة الحال عن أداء المشاهد المليئة بالعنف التي اعتدنا أن نراه فيها، فهو هنا يقوم بدور جديد مختلف تماما عن كل أدواره السابقة، بل ويبدو “البغل” كما لو كان قد كتب خصيصا من أجل أن يقوم ببطولته إيستوود، خاصة أنه يتضمن أيضا خلاصة حكمته في الحياة، أو ربما “وصيّته الأخيرة” واعترافاته الشخصية المؤلمة بعد أن أوشك على الرحيل.. وإن كان كل شيء بيد العناية الإلهية.

الفيلم رغم ما يبدو كما لو كان تعبيرا عن فلسفة إيستوود الشخصية وخلاصة تجربته في الحياة، إلاّ أنه في الحقيقة مأخوذ عن قصة حقيقية وقعت أحداثها منذ فترة ليست ببعيدة تماما، واختتمت عام 2011 مع القبض على “ليو شارب” الرجل الذي قارب التسعين عاما وكان أحد أبطال الجيش الأميركي في الحرب العالمية الثانية، ثم شارك في الحرب الكورية كما حصل على جوائز عديدة كأحد المتفوقين الكبار في زراعة الورود والخضراوات واستنباطها وتطويرها.

كلينت إيستوود بتجربته الطويلة في التمثيل يصل بأدائه في الفيلم إلى الذروة، ذروة التماثل مع الشخصية، يعيشها كما لو كان قد تسلل داخل جلدها
كلينت إيستوود بتجربته الطويلة في التمثيل يصل بأدائه في الفيلم إلى الذروة، ذروة التماثل مع الشخصية، يعيشها كما لو كان قد تسلل داخل جلدها

أزمة الرجل

يقوم إيستوود في الفيلم بدور ليو شارب بعد أن غيّر كاتب السيناريو اسمه إلى “إيرل ستون” الذي أهمل عائلته، بسبب إدمانه اهتماماته الخاصة، وتكريس وقته للزراعة والأصدقاء والصحبة والجري وراء متعته الخاصة وما يحقق ذاته، وهو ما استدعى غيابه المستمر عن المنزل، مما أدى إلى أن هجَرته زوجته “ماري”، كما قاطعته ابنته “أيرس” وظلت ترفض الحديث معه لأكثر من 12 عاما بسبب إهماله لها، لكنه احتفظ بعلاقة ودّية مع ابنتها أو حفيدته “جيني”.

الآن أصبح إيرل ستون كهلا وإن كان لا يزال يتمتع بقدر من وسامته القديمة وقوة شكيمته، لكنه يواجه مشاكل مادية كبيرة، وقد تم الحجز على مزرعته وطرد منها بسبب عجزه عن الوفاء بتعهداته المالية، وانقطعت صلته بعائلته وأصبح تقريبا من دون مأوى.

ميزته الوحيدة التي يتشدّق بها أمام الآخرين، أنه سائق ماهر يقود منذ عقود شاحنته الصغيرة التي تدهورت حالتها، ولم يسبق أن نال مخالفة سير واحدة طيلة حياته، رغم أنه كما -يقول- كان دائما “على الطريق”.

إيرل كرجل مسن مسالم، يتمتع بسجل نقي ورخصة قيادته نظيفة، يجذب شابا كان يحضر حفل خطوبة حفيدته فيعرض عليه عملا يناسب مهارته في القيادة، هذا العمل سيتضح في ما بعد أنه لحساب عصابة تهريب مخدرات مكسيكية عبر الحدود بين تكساس والمكسيك، على أن يقوم فقط بنقل الحمولة المطلوب تهريبها من الكوكايين والهيروين مقابل مبالغ كبيرة تدفع له بانتظام، تتكفل بتسديد كل ديونه وإنقاذ منزله والمساهمة في تعليم حفيدته والتكفل بحفل زفافها.

هذا الرجل الطاعن في السن، النظيف اليد، صاحب القيم والمبادئ الأخلاقية التقليدية القديمة، يجد نفسه يعمل في وظيفة “البغل” وهو الاسم الحركي لناقل المخدرات، يطلقون عليه في العصابة المكسيكية “طاطا” أي الجد. ولكن ماذا سيحدث له، وهل سيواصل مهمته بنجاح، وماذا سيفعل بالمال، وهل يمكنه أن يتخلى عنه، ولماذا ينصح رفيقه الشاب الذي خصصه زعيم العصابة لمتابعته، بالتخلي عما يقوم به من عمل إجرامي وهجر العصابة والذهاب لعمل شيء مفيد في حين أنه لم يعد المثال الصالح لتوجيه مثل هذا النصح؟

كان الشرط الأساسي للعصابة في البداية ألاّ يعرف إيرل ماذا يوجد في الحقائب التي يتولى نقلها بسيارته التي سيستبدلها بسيارة جديدة جيّدة بعد أن أصبح المال يجري بين يديه كما يقال، لكنه بعد نقلة أولى وثانية وثالثة ستتغلب رغبته في حب الاستطلاع على تعهده، ليكتشف وجود المخدرات.

هذه الحقيقة تصدمه، ورغم ذلك يواصل العمل الذي يعتبره عملا سهلا ميسورا بعد أن يكتسب ثقة أكبر عند كل مأزق يكاد يوقعه بين أيدي رجال الشرطة، فهو يفلت بفضل حسن تدبّره للأمور ومظهره المسالم المطمئن، وثقته الكبيرة بنفسه.

مستويات ثلاثة

رجل نظيف اليد تربكه الأزمات المالية والعائلية في خريف العمر

يبدأ الفيلم عام 2005 عندما يتقاعس إيرل ستون عن حضور زواج ابنته “أيرس” مفضلا صحبة الأصدقاء والاحتفاء بنفسه واستعراض قدرته على مغازلة النساء، ثم يقفز الفيلم إلى 2017، بعد أن تكون الحفيدة الصغيرة جيني قد أصبحت فتاة شابة تتأهب للزواج.

ويقوم سيناريو الفيلم على التوازن الدقيق بين ثلاثة مستويات ومن خلال الانتقال في ما بينها يحدث التطور الدرامي: على المستوى الأول هناك إيرل وتشابك علاقته مع العصابة وتطورها، أو بالأحرى، تدهورها، والتعقيدات التي تطرأ بعد تولي زعيم جديد قيادتها، يكون أكثر تشددا يفرض رقابة مشددة على إيرل ويطالبه بضرورة الالتزام بالمواعيد وإلاّ قطعوا رأسه.

وعلى المستوى الثاني هناك جهاز شرطة مكافحة التهريب ومحاولات الضابط “كون بيتس” (برادلي كوبر) ملاحقة عصابات تهريب المخدرات عبر الحدود وتضييق الخناق عليها ومنع وصول المخدرات إلى شيكاغو، إلى أن يتوصل مع رجاله إلى تحديد وجود “بغل” ما، لكنهم لا يعرفون هويته الحقيقية بعد.

وعلى المستوى الثالث هناك عائلة إيرل ستون وتطورات علاقتها المتأزمة مع إيرل، وكيف يصل صاحبنا قرب النهاية إلى إدراك ما ارتكبه من أخطاء في حياته، وتقصيره تجاه أسرته الذي أصبح يلاحقه الآن بمضاعفاته التي لا مفر له منها.

مشهد اللقاء بين إيرل والضابط بيتس في المقهى منسوج جيدا، سواء من حيث الحوار أو المغزى الخاص الذي يعكسه، فالرجل الذي فقد الشعور بالأبوة يشكو للضابط كيف أن ابنته امتنعت عن مقابلته أو التحدث إليه منذ سنوات، وينصحه بالاهتمام بأسرته وألاّ يندمج كثيرا في عمله بحيث ينسى التزاماته تجاهها ويرتكب بالتالي نفس الخطأ الذي ارتكبه وأصبح الآن نادما عليه.

إنه يلعب هنا دور الأب بالنسبة للضابط، وهو ما سيتوج في المشهد الأخير الذي يعكس تعاطف الضابط معه رغم انحرافه، وهو تعاطف أشبه بتعاطف الابن.

تكتسي شخصية إيرل أيضا بطابع مرح خفيف، فهو يبدو منذ البداية ومن المشهد الأول، رجلا يتمتع بروح الدعابة خاصة وهو يداعب النساء، كما نراه وهو يصطحب فتاتين إلى غرفته في فندق من فنادق الطريق.. ويخصص له زعيم العصابة في مشهد من المشاهد الصاخبة في الفيلم (حفل، ورقص، وغناء، والتواءات وعري واستعراض أجساد.. إلخ) فتاة أو اثنتين للترفيه عنه مكافأة له على إخلاصه في العمل ونجاحه في نقل كميات كبيرة من الكوكايين. ويشي المشهد التالي في الصباح بأن صاحبنا قد نجح بالفعل في قضاء ليلة مليئة بالمتعة، وهو نوع من المبالغات يراد لها إبراز ذكورية الشخصية وتطويعها لصورة “البطل” التي ترسّخت في أذهان جمهور أفلام كلينت إيستوود، فما نراه في مثل هذه المشاهد ليس إيرل ستون بل إيستوود نفسه صاحب الفيلم، الذي لا يشق له غبار والذي لا يزال يقاوم تأثير الزمن.

الزمن الذي ضاع

رغم ذلك نحن أمام عمل رصين بليغ ومؤثر عن الزمن، أو بمعنى آخر عن “تبديد الزمن” حسب تعبير إيرل نفسه، وأداء كلينت إيستوود بتجربته الطويلة في التمثيل يصل هنا إلى الذروة.. ذروة التماثل مع الشخصية، يعيشها كما لو كان قد تسلل داخل جلدها، وعندما يتحدث يبدو كما لو كان في حالة مونولوج داخلي مع ذاته، إنه يعيش خليطا من الشعور بالإثم
والذنب والتقصير والتقاعس عن أداء الواجب.

وفي مشهد اللقاء الأخير مع زوجته بعد أن أصبحت على فراش الموت، تتفجّر مشاعره، ولكن بهدوء ومن دون مغالاة ومن خلال النظرات وتعبيرات الوجه. وفي هذا المشهد يصل تحكم إيستوود (المخرج) إلى ذروة الإحكام والدقة والمهارة، إنه لا يترك لقطة من اللقطات تستغرق على الشاشة زمنا أطول مما ينبغي، ولا يجعل الممثلين الذين يقفون أمامه يشعرون بثقل شخصيته عليهم، بل يترك لهم المجال للتعبير كما ينبغي والحركة المحسوبة داخل إطار الصورة، فكل شيء في الفيلم محسوب ومرسوم، لكنه يبدو عفويا تلقائيا.

كلينت إيستوود يهزم الشيخوخة
كلينت إيستوود يهزم الشيخوخة

ربما يكمن العيب الأساسي في الفيلم في النظرة السلبية إلى المكسيكيين، بل والسود الأميركيين من أصول أفريقية أيضا، ففي أحد المشاهد يتطوّع إيرل بمساعدة شاب وزوجته من السود تعطلت سيارتهما على الطريق، وهو تصرف نبيل دون شك رغم أنه يعطله عن مواصلة رحلته في توصيل الحمولة، لكنه يصفهما بـ“الزنوج”، فتلفت المرأة نظره إلى أن هذه الكلمة لم تعد مستخدمة، ويقول له الرجل إن الأصح أن يقول “السود”.

فهل المقصود من المشهد أن يعكس لنا كيف أن الرجل الأميركي الأبيض الذي خدم في الجيش الأميركي والذي ينتمي إلى الماضي لا يزال يستخدم لغة عنصرية قديمة دون أن يكون في الحقيقة يقصد سوءا؟

غير أن المشكلة الأكثر فداحة أن الفيلم يصوّر المكسيكيين عموما في صورة أنماط سلبية شرّيرة، كرجال عصابات ومهربي مخدرات وأشرار مسلحين وقتلة يتصفون بالعنف والقسوة والفظاظة.. “أنا لست صديقك.. لا تخاطبني باسمي”، هذا ما يقوله له المرافق الشاب الذي سبق أن تدخل إيرل بحنكته وسرعة بديهته وتمكن من إنقاذه بعد أن كاد يقع بين يدي رجل الشرطة.

موقف كلينت إيستوود السياسي من سياسة الرئيس دونالد ترامب ملتبس ومتناقض، ففي 2016 صرّح لصحيفة “ايسكواير” بأن ترامب قال الكثير من الكلام الفارغ، وأنه عنصري واستنكر الوصف العنصري الفظ الذي أطلقه على قاض من أصل مكسيكي، ولكنه قال إنه يتفهم دوافعه في استخدام ما يعن له من كلمات، دون أن يتفق معه أو يؤيده، وأكد مرارا أنه لا يؤيد أيا من المرشحين للرئاسة، ووصف كلا من ترامب وهيلاري كلينتون بأنهما مثل “أبوت وكوستيللو!”.

إلاّ أن إيستوود معروف أيضا كمحافظ يميل للجمهوريين، ويعتنق أفكارا يمينية متشددة، ولكن أفلامه تتعارض مع بعضها البعض، فكما أنه صاحب فيلم “القناص الأميركي” الذي يبرّر ويحتفي بالقتل في العراق بدعوى حماية الأميركيين من العمليات الإرهابية، فهو أيضا صاحب “غران تورينو” الذي يحتفي بالتسامح الإنساني ويدعو إلى التعايش بين الأجناس المختلفة في أميركا.

أما أن يمتلك “البغل” قوة داخلية وتأثيرا عاطفيا، فأمر لا شك فيه، فرسالته المستترة أن المرء مهما بلغ من العمر ومهما كان يشعر بأن الوقت قد مضى ولم يعد في الإمكان إصلاح ما فات، فهو مخطئ، فحتى اللحظة الأخيرة يمكن للمرء أن يعترف بالخطأ، وأن يصنع أيضا إن استطاع، ما يمكن أن يسعد الآخرين.

16