فيلم "الجلد" والطريق إلى التوبة

دراما قوية تقدم ضاهرة الهوس العنصري والحركات المتطرفة بأسلوب جذاب قادر على النفاذ إلى قلب وعقل المشاهد.
الجمعة 2019/08/23
بطل تراجيدي يبحث عن الخلاص

لا يوجد وقت أفضل من وقتنا الحالي يقتضي أن تتصدى السينما لكشف تنامي العنصرية التي كانت كامنة في ما مضى أو محدودة النطاق، وتوسّعت وخرجت إلى العلن أخيرا بل وأصبحت جزءا من الخطاب الرسمي في الكثير من دول العالم المتقدمة.

  فيلم “الجلد” (Skin) هو أحدث الأفلام وأكثرها تعبيرا عن الهوس العنصري بفكرة “تفوق الجنس الأبيض” والحركات المتطرفة “النازية الجديدة” المعادية للملونين والأجانب بوجه عام، وهو أول عمل يكتب له السيناريو ويخرجه الإسرائيلي غاي ناتيف (Guy     Nattiv) في إنتاج أميركي.

يعتمد الفيلم الذي يقوم ببطولته البريطاني جيمي بيل (الذي لمع في بداياته الفنية في فيلم “بيللي إليوت” (2000) عندما كان في الرابعة عشرة من عمره) على التجربة المريرة الحقيقية التي عاشها بريون ويندر، الشاب الأميركي المتطرف الذي التحق بإحدى الجماعات النازية الجديدة من حليقي الرؤوس، حيث مارس الكثير من أعمال العنف إلى أن جاء وقت بدأ يتشكّك فيه ويتساءل عن جدوى ما يفعله، ثم قرّر التوبة منشقا على “الجماعة” التي احتضنته وأنشأته على أن يصبح جزءا من “قطيع” همجي عنصري متطرف يمكن التحكم فيه وتوجيهه.

كانت هذه القصة الحقيقية قد ظهرت للمرة الأولى في الفيلم التسجيلي القصير “إزالة الكراهية” -45 دقيقة- (2011) (Erasing Hate) الذي أخرجه بيل برامل وصوّر فيه مرحلة ما بعد “التوبة” في حياة بريون ويندر، وكان مدخله هو نفس المدخل الذي استند عليه المخرج الإسرائيلي في فيلمه الأميركي الأول، أي التوقف أمام جلسات إزالة الوشوم التي تغطي جسد ويندر دلالة على خروجه من عالم “الكراهية”.

أما غاي ناتيف (الإسرائيلي) فقد أخرج أولا فيلما روائيا قصيرا (21 دقيقة) بعنوان “الجلد” أيضا عن كيف يتم تشكيل وعي طفل بالمفاهيم الفاشية. ولعل مشاهدة فيلم “الجلد” الطويل لا تكتمل سوى بالعودة إلى هذين المصدرين: الفيلم التسجيلي “إزالة الكراهية” والفيلم القصير “الجلد”.

والمصدر الثالث هو فيلم “التاريخ الأميركي إكس” (American History X) للمخرج توني كاي، بطولة إدوارد نورتون. وكان أيضا عن شخصية حقيقية مرّت بتجربة مماثلة، ولكن هذا الفيلم يعود إلى العام 1998، أي قبل أن تطفو الظاهرة العنصرية إلى الواجهة وتتصدر الأخبار وقبل أن نصل إلى الأحداث الدامية في مدينة شارلوت سفيل بولاية فيرجينيا والمصادمات الدامية بين النازيين الجدد ومناهضي العنصرية، التي تقاعس الرئيس دونالد ترامب عن إدانتها.

مصادر الفيلم

يعتبر فيلم “الجلد” الروائي القصير (الحائز على الأوسكار)، تمهيدا للفيلم الطويل وإن كان الموضوع يختلف، فهو يروي قصة رجل عنصري متطرف حليق الرأس “جيف” (جوناثان تاكر) متزوج من امرأة بدينة (دانييل ماكدونالد وهي نفس الممثلة التي ستقوم بدور الزوجة في الفيلم الطويل) ولديه ابن اسمه “تروي” في السابعة من عمره.

وهو يدرّب ابنه على التصويب وإطلاق النار وترديد الشعارات العنصرية. وعندما يذهب ليتسوّق مع ابنه وزوجته يكون هناك في المتجر رجل أسود يمسك بدمية في يده تلفت نظر تروي فيداعبه الرجل الأسود من بعيد ملوّحا بالدمية.

هنا يلمحه جيف فيوجه له شتائم عنصرية قبيحة، لكن الرجل لا يريد تصعيد الموضوع فزوجته وابنه وابنته في انتظاره في السيارة خارج المتجر، يغادر الرجل لكن جيف يتصل بأصدقائه الذين ينتظرونه في الخارج.. أي عصبة المتطرفين النازيين الجدد فينهالون على الرجل ضربا وتنكيلا ويتركونه بين الحياة والموت. بعد فترة تختطف مجموعة من السود جيف، ويقومون بحقن جلده بمادة تجعله أسود اللون ثم يلقون به قرب منزله في الليل. وما سيحدث له بعد ذلك سيكون عقابا مأساويا.

هذا فيلم كالطلقة المباشرة.. إيقاع سريع، تصوير ليلي وصورة قاتمة تمتلئ بالظلال ولقطات قريبة خانقة، وشخصيات تتحرك كالأشباح. نبقى حتى النهاية دون أن نعرف ما الذي يفعلونه بجيف بالضبط؟ ثم تأتي المفاجأة عندما نكتشف أنه قد أصبح “زنجيا” وأنه يتعيّن عليه أن يواجه زوجته وابنه في الليل كلص يحاول التسلّل مهزوما محطما مرهقا عاجزا إلى منزله.

من فكرة تغيير الجلد وكيفَ تُغيّر الثعابين جلودها كما تستغل لون جلدها في التخفي ومفاجأة الحيوانات التي تهاجمها، وهي فكرة تتردّد في الفيلم الروائي القصير، ننتقل إلى الفيلم التسجيلي “إزالة الكراهية” الذي يوثّق مخرجه أهم جلسات إزالة النقوش والوشم المرسوم على جلد بريون ويندر بأشعة الليزر لكي يتخلّص نهائيا من صورته القبيحة المخيفة التي تحول بينه وبين العودة للاندماج في المجتمع بعد أن هجر الجماعة النازية، كما يروي هو وزوجته والمسؤول في الجمعية التي ترعى أمثاله وتساعدهم على “التوبة” والطبيب الذي أزال الوشم، تجربتهم معه.

أما فيلم “الجلد” الطويل، فهو يبدأ وبطله بريون ويندر الذي تغطي جسده كله الوشوم القبيحة: الصليب المعقوف ورمز الشرطة النازية والجمجمة والأسهم الحادة المدبّبة، وغير ذلك، يشارك ضمن جماعته من النازيين الجدد في الاعتداء على مظاهرة نظمها مناهضو العنصرية في 2005 في أوهايو (ينتقل الفيلم بين فصوله وأحداثه من خلال كتابة التواريخ والأماكن).

يطارد بريون أحدهم ويضربه ثم يحفر في وجهه بالسكين صليبا ويتركه وهو ينزف. إنه جزء من عائلة “فريدكراغر” (بيل كامب في دور الأب الروحي المهيمن، زعيم الجماعة) وزوجته “شارين” (فيرا فاميغا تؤدي دور شخصية ساحرة منومة شديدة الجاذبية). الاثنان يعاملانه كابنهما تماما. لقد التقطاه وهو مراهق شاب ضائع وجائع، متمرد بلا عائلة، وقاما بتربيته على العنف والكراهية والعنصرية ليصبح أداة ضمن أدوات أخرى عديدة في أيديهم، للفتك بالآخرين. لا شيء في حياة بريون سوى الإفراط في تناول الخمر والمخدرات، وكأنه يريد أن يهرب من مواجهة حقيقة نفسه.

غير أن الفيلم ليس عن سيكولوجية هذه الجماعات المتطرفة وأيديولوجيتها ودوافعها وكيف تدار وتموّل.. إلخ. لكنه أساسا دراسة في شخصية شاب انتمى كأقوى ما يكون إلى إحدى هذه الجماعات التي لم تعد حاليا على نفس صورتها القديمة، ولم يعد أعضاؤها يرتدون مثل هذه الملابس ولا يقيمون احتفالات عامة في الغابات تسودها الفوضى والعنف حتى بين بعضهم البعض ولم تصبح بالضرورة من حليقي الرؤوس والأجساد المليئة بالوشوم المخيفة على نحو ما نرى في الفيلم، بل أصبحوا يتّخذون أشكالا أكثر عصرية، يستخدمون الفضاء الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي للترويج لأفكارهم، بل لقد وصلوا إلى مواقع السلطة والنفوذ في بلدان عديدة، وفي الولايات المتحدة أصبح لهم ممثل نافذ في “البيت الأبيض” جاء بانتخابات “ديمقراطية”!

الرحلة نحو الخلاص

هذه الرحلة “الروحية” -إن جاز التعبير- من الظلام إلى النور، ومن العنف والكراهية والرفض والغضب إلى الشك ثم التوبة والندم والانشقاق عن عالم الكراهية، كما في حالة بريون ويندر، هي ما يسعى الفيلم لرصده وتصويره من خلال دراما قوية قد يشوبها بعض العيوب في السرد مع بعض الاستطرادات واختلاق بعض المواقف التي تضفي مسحة ميلودرامية قرب النهاية، إلاّ أن ما يبقي على جاذبية الفيلم وقدرته على النفاذ إلى القلب والعقل، ذلك الأداء البديع من جانب جيمي بيل.

ولا شك أن اختيار جيمي كان من البداية اختيارا صائبا، فالممثل الإنكليزي يتمتع بطاقة جسدية هائلة بجسده الفارع، وقوة تعبيرية كبيرة بوجهه ذي العظام البارزة وعينيه المثقلتين بالذنب والألم والمعاناة.

فيلم "الجلد" هو أول عمل يكتب له السيناريو ويخرجه الإسرائيلي غاي ناتيف في إنتاج أميركي، وقد نجح فيه إلى حد كبير
فيلم "الجلد" هو أول عمل يكتب له السيناريو ويخرجه الإسرائيلي غاي ناتيف في إنتاج أميركي، وقد نجح فيه إلى حد كبير

وهو يجيد في التعبير عن الشرّ والغضب والتعصّب، ثم عن المعاناة الداخلية والحيرة التي تجعله يبدأ في التشكك في جدوى حياته كلها قبل أن يلتقي المرأة التي يقع في حبها لتصبح شريكة حياته بل ستصبح أيضا مع بناتها الثلاث “أسرته البديلة”. هذه الأسرة بكامل أفرادها بل ومع كلبها “بوس” ستصبح البديل الذي كان بريون يبحث عنه وتصوّر أنه عثر عليه في كل من بيل و”شارين”.

شارين الأم الحاضنة المُغوية التي تتحسّس أجساد “الأولاد” الذين تتبنّاهم وتؤهلهم لتحقيق أهداف الجماعة، فهي على ما يبدو، تمنحهم بعض المتعة الحسية. وهذا ما يوحي به بوضوح المشهد الذي نراها فيه وهي تقصّ شعر فتى يدعى “غافين” يلتقطونه من الضياع، من الجوع والتشرّد والصعلكة، ويقدمون له الطعام والمأوى والأبوة، ويدربونه على الكراهية والعنف في إشارة واضحة إلى ما حدث في الماضي مع بريون نفسه.

“الأب” (بوب) هو القادر على توفير الحماية، و”الأم” (شارين) هي التي تغوي وتحتوي. وهي تمارس الغواية حتى مع الفتيات (تحاول استدراج ابنة جيني الكبرى).

الماضي والحاضر

ينقسم الفيلم إلى فصول تتعاقب من الزمن المضارع مع تعاقب جلسات إزالة الوشوم من جلد البطل، التي استغرقت 300 يوم كما يقول الفيلم، ومع كل جلسة نشاهد الألم الشديد الذي ينجم عن استخدام أشعّة الليزر في أماكن شديدة الحساسية قرب الأنف والفم والرقبة، ثم ننتقل في “فلاش باك” لنتابع أحد فصول القصة.

مشاهد العنف العام والاحتفالات الاستعراضية وشرب الخمور بجنون وكأن بطلنا ينتقم من العالم، من وحدته وفراغه وطفولته التعيسة، ثم بدء علاقته بجيني، ثم ما ينشأ من الشد والجذب، وكيف يواجه بريون مقاومة شديدة من جانب “الجماعة” بعد أن يبدأ في التغيّر، يحاول أولا استرضاءها، لكنه يجد نفسه ممزّقا بين ولائه القديم للجماعة، وبين رغبته في تغيير حياته وأن يصبح رب أسرة حقيقيا بعد تعمّق علاقته بجيني وبعد أن أصبحت أيضا حاملا منه.

وفي خضم شعوره بالتمزّق يحاول أن ينهي حياته، يقود السيارة في الليل، يترك عجلة القيادة، يصرخ غاضبا ويخبط رأسه في زجاج السيارة، ينحرف ويكاد يصطدم بشاحنة قادمة في الاتجاه المعاكس، لكن إرادة الحياة تتغلب على رغبته في الموت، كما تغلبه الرغبة في إنقاذ أسرته التي أصبحت مبررا لوجوده، ليعود ويظل ينتقل مع الأسرة من مكان إلى آخر، فقد حسم أمره أخيرا واختار الولاء لأسرته الجديدة وأصبح بالتالي خائنا في نظر الجماعة، تُحاول قتله وقتل جميع أفراد عائلته، إلى أن يتفق أخيرا مع “داريل جنكنز” على “الخروج”.

وداريل جنكنز رجل أسود لا يؤمن بالعنف المضاد، بل أخذ على عاتقه مناهضة الجماعات العنصرية برصد وتتبع وتصيّد كل من يلمح فيهم ما يشي بالتشكّك والاستعداد للتمرد على حياتهم، ومن ثم “التوبة”، عن طريق الإقناع والتمهيد وتقديم يد المساعدة.

وجنكنز على صلة بالمباحث الفيدرالية، وقد حصل على معلومات كثيرة من الوكالة عن أفراد كثيرين من بينهم بريون. وهو يستطيع مساعدته وتوفير الحماية له ولعائلته، ولكن مقابل الحصول على معلومات يمكن استخدامها في إقامة الدعوى القضائية ضد الجماعة المتطرفة وقياداتها.

هذا فيلم قضية، ولكنه أساسا فيلم دراسة شخصية، صحيح أنها شخصية حقيقية لكنها توفر أساسا دراميا جيّدا مع إضافة بعض الرتوش التي تجعلها أكثر درامية. وهو يستند إلى سيناريو متماسك، يمنح الأطراف المختلفة والشخصيات الثانوية مساحات جيّدة، وينجح المخرج مع فريق التصوير، في تصوير مشاهد خارجية شديدة القوة والتأثير منها مشهد هجوم العصابة على مسجد يأوي عددا من المسلمين وإحراقه بمن فيه، ثم قتل أربعة مكسيكيين بعد تقييدهم داخل سيارة وإشعال النيران في السيارة.

ورغم هذا العنف البالغ، نشاهد أيضا الكثير من المشاهد التي تجعلنا نشعر بتمزّق الشخصية الرئيسية، ومعاناتها ورغبتها في الخروج من جلدها القديم مهما كان الألم. وهو ما يتجّسد بشكل ملموس في “إزالة الوشم” وتخليص الجسد من نزعة الشرّ، وكأننا أمام عملية شبيهة بطرد الأرواح الشريرة.

لكن النزوع نحو الخلاص يبدو كما لو كان اتجاها نحو تحقيق “التوازن” النفسي بعد العثور على الأسرة الحقيقية التي يصبح البطل – اللابطل، مسؤولا عنها وبعد العثور على الحب، بينما كان الدافع للتحوّل في فيلم “التاريخ الأميركي إكس” هو تجربة السجن التي كشفت للبطل أن الآخر – الأسود قد يكون أكثر إنسانية ورقّة وسموّا من رفاقه المفترضين، البيض العنصريين الذين يغتصبونه ويضربونه ويسخرون منه في السجن.

16