فيلم "الحفر".. ما تخبّئه الأرض يفضح الطباع البشريّة

عندما يتحول باطن الأرض إلى مسرح كبير.
الأحد 2021/03/07
متعة الاكتشاف الإنساني الأرضي

يبقى الجانب الأهم من أي عمل سينمائي هو ما تثيره الدراما التي يؤسسها عبر أسئلة عميقة، فتتحول مكوناتها من قصة وشخصيات إلى أضواء كاشفة للخبايا البشرية، كي تعيد إيقاظنا على ما ظننا أننا حسمنا الأمر  فيه، وتفتح أمامنا من جديد ذواتنا على خطى شخصياتها المرسومة بدقة السيناريو وحسن توظيف الكاميرا والأحداث، وهذا ما نجده في فيلم "الحفر".

اكتشاف ما تخبئه الأرض من أسرار وكنوز لا يختلف كثيرا عمّا تخبئه الذات الإنسانية، فكلاهما يحتاج إلى سبر أغواره والتعرّف على طبقاته الخفية، كما يبين فيلم “الحفر”.

لنبدأ بالأرض التي هي تلك المساحة الممتدة للطبيعة بتنوعها في هذا الفيلم من مكان ما   بالريف الإنجليزي، ومن هناك سوف تبدأ رحلة الاكتشاف وتبدأ المغامرة في برهة فاصلة ما بين السّلم والحرب.

التنقيب عن الآثار

ميزة هذا الفيلم المأخوذ عن رواية للكاتب جون بريستون أنه يقدّم شخصيّات مختلفة ويرسم أبعادها بدقة عالية
ميزة هذا الفيلم المأخوذ عن رواية للكاتب جون بريستون أنه يقدّم شخصيّات مختلفة ويرسم أبعادها بدقة عالية

يبدأ هذا الفيلم للمخرج المتميز سيمون ستون (من مواليد 1984) مع رحلة المنقّب المثابر بازيل براون (الممثل رالف فينيس)، ففيما كانت طبول الحرب العالمية الثانية تقرع كان هو منصرفا عن شواردها، لا يشغله سوى النبش في الأرض بحثا عمّا خلّفه الأسلاف من آثار.

في الريف الإنجليزي وبين ركوب الدراجة الهوائية وعبور أحد الأنهار يتفاعل براون مع طبيعة ممتدة تبدو خالية من ناسها ولا أحد هناك غيره، وتتالى جمالية المشاهد من خلال لقطات عامة على درجة من الإتقان سوف يكثّفها مدير التصوير البارع مايك إيلي بتفاعله الفذّ مع الطبيعة عبر استخدام اللقطات العامة والكبيرة، وفي أوقات وزوايا متعددة شديدة التنوّع.

من هنا سوف نبدأ رحلتنا مع المنقّب براون الذي تستأجره السيدة إيديث (الممثلة كاري موليغان) التي تعيش حياة مرفّهة في فيلا فخمة  بالريف الإنجليزي، وتكلّفه بالقيام بالتنقيب عن أيّ آثار يمكن أن تخفيها الأرض الزراعية التي تمتلكها، وخاصة بعض الهضاب الصغيرة.

من هنا سوف نكتشف شخصيتين متوازيتين لا يلبث أن يكون اكتشافهما سببا آخر لتتكشّف شخصيات أخرى حتى يتحوّل موقع التنقيب وكأنه مسرح يتم فيه اكتشاف الشخصيات على حقيقتها، الأنانية والغيرة والنفاق والمنافسة والعلاقات العاطفية الهشّة، كلها تتوزع على العديد من الشخصيات.

ولعلّ ميزة هذا الفيلم المأخوذ عن رواية للكاتب جون بريستون أنه يقدّم شخصيّات عدّة وأن أبرزها على الإطلاق تحتاج إلى وقفة جدّية لكي تفهم حقيقة ذاتها ووعيها ومشاعرها ورؤيتها للآخر، ابتداء من السيدة إيديث مرورا بالسيد براون وبالفتاة الشابة بيغي إلى تلك الرابطة المليئة بالشفقة والإنسانية التي تربط براون بزوجته، مع أنه يهجرها أياما لكي يمضي يومه وسط التراب حتى تقول له “لأي سبب أنت تتجوّل وتلعب بالتراب بينما البلاد تستعد للحرب”.

متعة الاكتشاف الإنساني – الأرضي تتكامل، فبالنسبة إلى إيديث وبلا كثير من الشرح والكلمات يمثل براون استثناء في حياتها، فهو لحظة غامضة مفعمة بالإصرار والتواضع والنبل، كما أن انشداده إلى الأرض يلفت النظر حتى أنه يقول إن “ليس حفنة من تراب يمكن أن يراها أو يلمسها إلا ويعرف من أي مكان جاءت”.

لكنّ انشداده إلى الأرض لن يقطع صلته بالسماء فهو إن كان منذ الصباح الباكر يبدأ صلته بالأرض البكر في التنقيب عن آثار الأولين فإن الليل يعني له التنقيب في مستوى آخر وهو تأمل النجوم والمجرات من خلال تلسكوبه الخاص الذي سوف يجتذب إليه الفتى روبرت.

 ولاحظ أن السيدة إيديث تدعو براون دعوة يتيمة على العشاء أرادت من خلالها أن تعبّر عن امتنانها وحسّها العميق والأصداء الغامضة في ذاتها تجاهه، لكنّها دعوة لن تتحقق بسبب قدوم زوجة براون وتدهور صحة إيديث المتواصل.

أسئلة إنسانية

إنسانية إيديث وشفافيتها تكملها شفافية بيغي (الممثلة ليلي جيمس) التي تصبح مهمة التنقيب اليومية سببا لها لكي ترى ما لم تره وتشعر به من قبل، الرحلة مع زوجها إلى هذا المكان  كانت بمثابة رحلة إلى الذات والبحث عن إجابات لأسئلة أثبتت اغترابها وتجربة الزواج الفاشلة التي عاشتها، وهناك سوف تتخلص من ذلك الزواج لتعيش قصّة حب نمت بلا ضجيج مع المصوّر روري (الممثل جوني فلين) الذي سرعان ما يلتحق بسلاح الجو مع اندلاع الحرب العالمية الثانية.

أما خلفية كل ذلك فهو ليس إلا منافسة بين أطراف عدّة تريد المتاجرة بما تمّ العثور عليه من تنقيب براون، الذي يكاد   كل ما عاناه يذهب سدى بمحاولة شراء الموقع لحساب متاحف متنافسة، ولهذا يقيم أولئك المتنافسون في تلك البقعة ملوّحين بإمكانية الاستعانة بقانون تبعية المكان إلى جلالة الملكة، لكن إيديث لن تتوانى عن الانتصار لبراون وتتوّج جهده بالتقدير.

إذا مضينا في تلك الدراما التي شملت مسارات سردية متعددة كلّ منها أضاف جمالية فذّة على الأحداث فإن هنالك عمقا إنسانيا يتكشف مع وطأة الأزمة، لاسيما أزمة إيديث التي تنازع الموت منذ البداية بسبب مرض يعود إلى طفولتها بسبب إصابتها بالحمى الروماتيزمية التي ضربت صمامات القلب، وهناك ابنها الطفل روبرت الذي عاش مرارة فقدان والده الطيار وها هو يعلن   عجزه عن إنقاذ والدته.

أما المسار السردي الآخر المرتبط بشخصية براون فهو مختلف تماما، هو ذلك الكائن المتجرّد من كل شيء سوى الإخلاص للمهمة التي أوجدها لنفسه متحدّثا عن عصامية فريدة، إنه علّم نفسه بنفسه وأتقن عدة لغات وتخصص في التنقيب والآثار على الرغم من عدم تمكنه من إكمال دراسته الجامعية، وكأنه يعيد طرح أسئلة الذات الحائرة وحتى في تلك العلاقة البسيطة مع الزوجة، إلا أن أسئلته تبقى شبيهة به تحتمل إجابات عدة.

15