فيلم "الخروج" يحرّف التاريخ بتهويد الأهرامات

الجمعة 2015/01/30
الفيلم احتوى مغالطات تاريخية عديدة

الرباط - يعرض فيلم “الخروج: آلهة وملوك”، لمخرجه ريدلي سكوت، قصة خروج بني إسرائيل من مصر على يد موسى عليه السلام، وقد أثار ضجة كبيرة في العالم، وبالأخص في العالم العربي والإسلامي، حيث تعرض للمنع في عدد من بلدانه، بسبب الاتهامات التي وجهت إليه، بكونه يحرف الحقائق التاريخية.

بات واضحا وغريبا معا أن الاحتجاج على فيلم “الخروج: آلهة وملوك”، صدر بشكل أساسي عن العرب والمسلمين، وبشكل خاص عن النخبة المصرية، بسبب كون الفيلم ينسب بناء الأهرامات إلى اليهود، ولم يصدر عن اليهود أنفسهم، لأن الفيلم يعتبر خرقا حتى للرواية التوراتية في أجزاء كثيرة منها؛ وهذا يطرح على أي باحث معني سؤالا جوهريا: لماذا سكت اليهود عن الفيلم بينما يعتبرون أن التوراة هي كتابهم المقدس؟

من الوهلة الأولى يظهر أن الفيلم لا يقدم رواية دينية معينة، بل يحاول إعادة صياغة تاريخ بني إسرائيل من وجهة نظر ذات حمولات سياسية ودينية معا، لأهداف ترتكز على التلازم بين الدين والسياسة.

يتجاوز الفيلم البعد الديني في الرواية الموسوية، ويقدّم قصة الخروج من مصر كواحدة من الملاحم التاريخية الكبرى التي تمتلئ بها الثقافة اليونانية؛ أما النبي موسى فهو يقدّمه كبطل قومي للعبرانيين، لا كنبي بالمعنى المكتمل للكلمة، فهو مجرّد بطل أرسلته الأقدار إلى شعب مقهور يعيش تحت حكم طاغية ويريد أن ينال الخلاص.

ولتحقيق هذه الغاية يعتمد السيناريو على فبركة الأحداث وكتابة قصة على هامش القصة الأصلية في التوراة. فالنبي موسى لا يدرك جذوره العائلية من خلال الوحي، بل عن طريق العبرانيين أنفسهم، في صورة ملحمية لا دخل للسماء فيها. عندما يرسل الفرعون موسى إلى العبرانيين لتأديبهم، يقابل زعيمهم الذي يكشف له حقيقة أصوله العبرانية، ويروي له أنه في يوم مولده انتشرت نبوءة تقول بأن مخلص العبرانيين قد ولد، ما دفع الفرعون إلى إصدار أمر بقتل جميع مواليد العبرانيين، لكن موسى يردّ عليه قائلا له بأن كلامه “مجرّد قصص، وأنتم تجيدون رواية القصص”.

الباحث في الشأن الديني كينيث دافيس يقول إن الأهرامات بنيت منذ قرابة ألف عام قبل وصول أي شخص عبراني إلى مصر

واضح أن كاتب السيناريو كان في ذهنه اختلاق صورة معينة للعبرانيين ولموسى، لا التمسك بالحقائق التاريخية، التي تظل مهما كان الأمر غير معروفة تماما حتى لو أراد الالتزام بها، ما عدا في الرواية القرآنية.

وما يدل على غياب الخلفية الدينية في الفيلم، حتى مقارنة بالرواية التوراتية، تلك اللقطة التي يظهر فيها موسى وهو ينال البركات من العبرانيين في واحد من معابدهم؛ هنا يظهر موسى كبطل قومي وليس كنبي، فهو لم يأت بأيّة رسالة دينية، وما كان عليه أن يفعله هو أن يتبع الطقوس الدينية المكتملة الموجودة لدى العبرانيين من قبل.

أما قصة الأهرامات فهي دليل أوضح على الجهل المطبق الذي عبر عنه معدّو الفيلم. في كتابه الهام “إنك لا تعرف الشيء الكثير عن الكتاب المقدس”، الصادر بالأنكليزية عام 2004، يقول الباحث في الشأن الديني كينيث دافيس، إن الأهرامات بنيت منذ قرابة ألف عام قبل وصول أي شخص عبراني إلى مصر.

ثم يتساءل دافيس: لماذا لم يتطرق إليها اليهود في كتابهم المقدس، كما لم يذكروا أيا من أسماء الفراعنة في مصر، رغم أن التوراة مليئة بأسماء أشخاص بعضهم تافهون؟

كاتب السيناريو كان في ذهنه اختلاق صورة معينة للعبرانيين ولموسى، لا التمسك بالحقائق التاريخية

ويجيب عن السؤال الأول بأن اليهود لم يكونوا يعرفون الأهرامات، ولم يشاهدوها حتى بعد أن وصلوا إلى مصر، كما لم يريدوا أن يخلدوا أسماء الفراعنة الذين ساموهم سوء العذاب، كمت يقدّم الفيلم طفلا يمثل الإله، على أساس أن التوراة ليس فيها ما يوضح لنا “شخصية” الإله الحقيقية للعبرانيين، وهي مسألة توقف عندها طويلا فيبر، وخلص إلى أنهم كانوا يتنقلون بين الآلهة كما يريدون بحسب الظروف، ويتخذون آلهة بحسب الأوضاع السياسية والاقتصادية، وبحسب ما إن كانوا مقيمين أم رحلا.

ويؤكد فيبر أن العبرانيين هم الذين كانوا يخلقون آلهتهم بحسب هواهم، لذلك ليس مستبعدا أن يكونوا قد عبدوا إلها على هيئة طفل. لكن مشكلة هذه الصورة التي قدّمها الفيلم أنها تناقض الرواية التوراتية، التي تحتفل بإله قوي قادر على خوض الحروب، وبدل ذلك قدّمه على هيئة طفل وديع.

16