فيلم "الطائر المطلي".. فقدان الروح والتدهور الإنساني في تحفة سينمائية

رحلة في قلب الجحيم الأرضي في زمن الحرب حيث يصبح الإنسان منزوعا من الضمير، يجسدها بإتقان المخرج التشيكي فاكلاف مارهول.
الأحد 2019/10/06
لحظة استرخاء نادرة وسط الجحيم الأرضي

من أهم ما يعرض في مهرجان لندن السينمائي الـ63 فيلم “الطائر المطلي” الذي جاء إلى لندن بعد عرضه في مسابقة الدورة الـ76 لمهرجان فينيسيا السينمائي، فهو احتفال بالفن السينمائي وبالصورة السينمائية وقدرتها على تحقيق الدهشة والصدمة، في مزيج فريد بين الجمال والقسوة.

يعيدنا فيلم “الطائر المطلي The Painted Bird” للمخرج التشيكي فاكلاف مارهول، إلى عصر الكلاسيكيات العظيمة في السينما التشيكية، وتحديدا إلى أجواء فيلم قديم حفر في ذاكرتنا هو “ماركيتا لازاروفا (Markita Lazarova (1966″ للمخرج التشيكي فرانتشك فلاتشل. ولكن بينما كان “ماركيتا لازاروفا” يصور قسوة الإنسان وبدائيته وعنفه وافتقاد للأخلاقيات في أوروبا القرون الوسطى في مرحلة الانتقال من الوثنية إلى المسيحية، يصور “الطائر المطلي” التدهور الإنساني في زمن الحرب معلنا أن الإنسان لا يتغير، وأن الدين لم يصبح وقاء أبديا له من السقوط.

وشأنه شأن فيلم “ماركيتا لازاروفا” يعتمد “الطائر المطلي” على رواية أدبية ذائعة الصيت، من تأليف الكاتب البولندي- الأميركي “يرزي كوزينسكي Jerzy Kosinski” كتبها كوزينسكي وقت تصوير “ماركيتا لازاروفا” أي في عام 1965. وتعتبر الرواية من روايات “السيرة الذاتية” إلا أن بعض نقاد الأدب اكتشفوا كما قالوا، بعد مرور سنوات، أن فيها الكثير من الخيال، وأن كوزينسكي اعتمد في الكثير من فصولها على ما كتبه غيره ممن كانوا يساعدونه في الكتابة خاصة وأن الرواية كُتبت بالإنكليزية وهي لغة لم يكن يجيدها الكاتب الذي هاجر من بولندا إلى الولايات المتحدة عام 1958 أي قبل 7 سنوات من صدور روايته ذائعة الصيت.

كون الرواية رؤية ذاتية أم رواية خيالية لا يضيف أو ينقص من قيمة الفيلم، فالفيلم يبقى عملا قائما بذاته، وشكلا للتعبير يختلف تماما عن الوسيلة الأدبية. و”الطائر المطلي” هو الفيلم الثالث لمخرجه منذ أن أخرج “فيليب الشاطر” (2003) وبعده “طبرق” (2008)، وهو معروف أيضا كممثل شارك بالتمثيل في عدد من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية التشيكية. لكن مارهول يثبت بفيلمه هذا أنه واحد من أعظم المخرجين الأوروبيين، وأنه يمتلك رؤية بصرية تضارع أعظم إنجازات الفن السينمائي، ولا شك أن الصورة التي جاء عليها فيلمه تكتسب جمالها وسحرها ورونقها وتأثيرها الكبير بفضل مدير التصوير المرموق فلاديمير سموتني (77 عاما) Vladimír Smutný الذي استخدم كاميرا الـ35 ملم في تصوير الفيلم، واعتمد على إضفاء ملامح الأبيض والأسود عليها.

قصيدة سينمائية

القس الذي ينقذ البطل الصغير
القس الذي ينقذ البطل الصغير

إننا أمام قصيدة سينمائية خلابة ومعبرة عن “فقدان الروح”. صحيح أن الفيلم يتصف بالقسوة التي تصل إلى حد غير مسبوق في بعض مشاهده، إلا أن هذه القسوة “الإنسانية” تقع في محيط الطبيعة الخلابة بما يعكس تناقض النفس البشرية مع الطبيعة، مع الحيوان والطيور، ومع الأرض والسماء، إنه يعكس كيف يسيء الإنسان للإنسان، ويقسو عليه، بل وكيف يتحول البشر في خضم الحرب، إلى كائنات أدنى من الحيوانات المتوحشة.

فالفيلم رحلة في قلب الجحيم الأرضي في زمن الحرب حيث يصبح الإنسان منزوعا من الضمير، مجردا من المشاعر، غارقا في مستنقع الهمجية الأولى: العنف والاغتصاب والعقاب الصادر من قلوب متحجرة دون سبب أو هدف، عجز الدين عن كبح جماحه، وغياب السلطة، وانتشار العنف المتبادل والاضطهاد والصيد البشري. إنه باختصار فيلم عن “السقوط الإنساني”.

يقع الفيلم في نحو ثلاث ساعات، فهو عمل ملحمي يتخذ سمة السرد الخطي وعلى تقسيم الفيلم إلى فصول منفصلة (9 فصول) تظهر عناوينها على الشاشة في مطلع كل فصل، وما هي سوى أسماء الأشخاص الذين يلتقي بهم بطل الفيلم خلال تلك الرحلة داخل الجحيم الأرضي.

استخدم المخرج الدوبلاج، كضرورة خاصة وهو يعتمد على طاقم متعدد الجنسيات من مشاهير النجوم
استخدم المخرج الدوبلاج، كضرورة خاصة وهو يعتمد على طاقم متعدد الجنسيات من مشاهير النجوم

هذا البطل هو طفل في الـ11 من عمره، يرغب في النجاة من أهوال الحرب، ولكن كلما تصور أنه قد أصبح بمنأى عن الخطر، يكتشف أنه قد يواجه مأزقا أكبر.

وتدور مشاهد الفيلم على خلفية الحرب العالمية الثانية في أوائل الأربعينات، في ريف أوروبا الشرقية، في المنطقة الواقعة بين أوكرانيا وروسيا وسلوفاكيا دون تحديد المكان بدقة، ولا يحدد المخرج لغة ما تتحدثها شخصيات الريفيين في فيلمه بل يجعلهم يستخدمون لغة هجينة من اللغات السلافية، وقد صرح بأن هدفه من ذلك كان ألا يعتقد المشاهدون في أوروبا الشرقية، أن بلدهم هو المقصود وصمه بهؤلاء الناس الأشرار.

استخدم المخرج الدوبلاج، كضرورة خاصة وهو يعتمد على طاقم متعدد الجنسيات من مشاهير النجوم في عالم التمثيل مثل الأميركي هارفي كايتل، والسويدي ستيلان ساكارغارد، والكندي باري بيبر، والألماني أودو كير، والبريطاني جوليان ساندس، وفي الدور الرئيسي، الطفل التشيكي بيتر كوتلار، الذي لم يسبق له الوقوف أمام الكاميرا، وهو يقوم بدور “الصبي” الذي لا اسم له ويبقى صامتا طوال الفيلم بعد أن يصيح مرة واحدة فقط ”أريد العودة إلى بيتي”.

هذا الصبي يصفه الذين يقابلهم من “الكبار” تارة باليهودي، وتارة أخرى بالغجري. وهو غموض مقصود، فالفيلم يتناول ظاهرة الحرب عموما، والحرب العالمية بوجه خاص، على خلفية الصدام المسلح بين الجيش الألماني النازي، وجنود الجيش الأحمر السوفييتي، لكنه ليس من “أفلام الحرب”، كما لا يمكن اعتباره -كما ذهب كثيرون- من “أفلام الهولوكوست”. خاصة وأنه وقت كتابة الرواية ثم صدورها عام 1965 لم يكن هذا المصطلح قد ظهر إلى الوجود بعد (ظهر بعد حرب 1967 بين الدول العربية وإسرائيل) كما أن الفيلم لا يتطرق إلى “غرف الغاز”، أي قبل ما يسمى بـ“الهولوكوست”.

ورغم ظهور الجنود الألمان والسوفييت إلا أنه لا يصور المعارك بل انعكاسات الحرب على البشر العاديين من الريفيين في تلك المنطقة بحيث يجعل انهيارهم الأخلاقي والقيمي معادلا لانهيار عالم “الكبار” وعالم “البشر” الذين يفترض أن يتضامنوا مع بعضهم البعض عند الخطر.

اصطياد اليهود

قصيدة سينمائية خلابة ومعبرة عن "فقدان الروح"
قصيدة سينمائية خلابة ومعبرة عن "فقدان الروح"

هناك مشهد هائل نشاهد فيه قطارا ينقل اليهود الذين اعتقلهم الألمان وهم ينقلونهم إلى معسكرات الاعتقال. يعبر القطار منطقة ريفية. اللقطة مصورة من داخل القطار وهو يتحرك من زاوية تبرز السجناء وهم تزدحم بهم العربات الضيقة كالحيوانات. البعض منهم يطرق ويكسر فتحة تكفي للقفز منها.

 لا شيء يوحي بالخطر. يطمئن الأسرى. يقفزون واحدا وراء الآخر وهم يسرعون نحو “الحرية”. تنطلق بنادق الجنود الألمان من داخل القطار تتصيدهم. ورغم المصير الدموي الذي ينتظرهم، يستمرون في القفز من القطار، كل منهم يحمل حقيبته، يمنّي نفسه بأنه ربما يتمكن من الإفلات من الموت. تتمدد الجثث على الأرض. يهجم عليها الفلاحون يجردون اليهود مما يملكونه ويستولون على الحقائب. ينال صاحبنا حذاء يحتاج إليه من قدمي إحدى الجثث. لكنه لا يبدو سعيدا. لقد بدأ هو نفسه يفقد روحه.

في البداية يقع الصبي في قبضة من يشبعونه ضربا ويلقون به في بركة مليئة بالقاذورات، ثم يبيعونه كعبد لامرأة عجوز “ساحرة” تشفق عليه وتضمد جراحه وتمنحه ملجأ.. لكنها تموت فيشعل النيران في منزلها ويفر بعيدا ليواجه مصيره وحيدا مجردا من الحماية. سيلتقي بعد ذلك بالكثير من البشر: الفلاح الذي ابتكر طريقة غريبة لطلاء العصفور باللون الأبيض ثم يطلقه في الجو. تجده باقي الطيور غريبا عليها فتهاجمه وتنهشه فيسقط على الأرض ليموت. إنها صورة مجازية عن مصير “المختلف” الذي ينهشه أقرانه.

في واحد من أكثر المشاهد إثارة للقشعريرة يُدفن الصبي في حفرة بحيث لا يظهر سوى رأسه فقط. تحوم حوله الصقور المفترسة تريد أن تنهش رأسه. يصرخ صرخة عالية، تبتعد الصقور لكنها تعود وتتكاثر عليه وتبدأ في نقر رأسه.

يقع الصبي في قبضة الجنود الألمان الذين يبحثون عن اليهود والغجر لقتلهم، يسلمه القوزاق للألمان باعتباره يهوديا. يجده الضابط الألماني عاجزا عن الكلام. يطلب متطوعا لكي يأخذه ويطلق عليه الرصاص. الجندي يشفق عليه. يقرر الإبقاء على حياته ويتركه يهرب.

يلتقطه قس كاثوليكي لكنه يسلمه لفلاح متدين من أتباع الكنيسة سرعان ما يكشف عن طبيعته التي تجعله يغتصب الصبي مرة ومرات.

يلتقطه بعد ذلك مزارع مصاب بلوثة جنونية تجعله يتشكك في أن ابنه يطمع في زوجته الشابة. يثور ويصرخ ويهدد ويتوعد. ويضرب المائدة بقبضة يده، ثم يلتقط شوكة يخرج بها عين الشاب ثم يلقي بالعين المفقوعة التي تهجم عليها القطط الضالة!

سيشهد “الصبي” الكثير من الفظائع، وأعمال القتل وتقطيع الأطراف والأشلاء والاعتداءات الجنسية وقتل الحيوانات، ويمر بتقلبات الطبيعة وتغير أحوال الطقس، بقرى تحترق، وشخصيات تبدو كأنها خارجة من الكهوف بعد أن ارتدت إلى البدائية الأولى، لن يعرف التعاطف سوى على أيدي جنديين من جنود الجيش السوفييتي اللذين يصحبانه معهما في قطار لا نعرف إلى أين يمضي.

رؤية كابوسية

الصبي وحيدا في مواجهة شرور العالم
الصبي وحيدا في مواجهة شرور العالم

ليس المهم هنا أن نتابع قصة تتصاعد دراميا نحو ذروة ما، أو ترمي إلى تحقيق هدف محدد من وراء السرد، فالفيلم يصور أجواء الجحيم الأرضي، في صورة ضبابية قاتمة، ربما تكون كابوسا في خيال الطفل، أو تداعيات في وعيه بينما هو مشرف على الموت، إلا أن “الصبي” هو أيضا شاهد على التدهور الإنساني وغياب التعاطف وموت الروح.

وتظل الصورة والمونتاج واستخدام الحركة البطيئة الطويلة للكاميرا والاهتمام بمكونات اللقطة بحيث يظهر الإنسان دائما في إطار الطبيعة، وحركة الكاميرا التي تضفي طابعا تسجيليا على مشاهد الفيلم، هي أبرز طرق التعبير عن “الرؤية” وليس الكلام أو الحوارات أو الحبكة المصنوعة المقصود منها توصيل رسالة سياسية ما. وتتخذ الكاميرا وجهة نظر “موضوعية”، كعين تراقب وترصد، تقترب وتبتعد، وليست من وجهة نظر الصبي، فهو موجود في الفضاء الفيلمي كمفعول به طول الوقت.

يحقق الفيلم تأثيره الكبير من خلال تصميم المناظر وتنسيقها وإعادة تشكيل الطبيعة ومواقع التصوير التي تمت في أكثر من بلد، وفي ذلك الاهتمام الكبير، ليس فقط بالعناصر المكونة للقطات والمشاهد، بل بالعلاقات البصرية داخل اللقطات: المسافة بين الفرد وما يجري حوله وخلفية الصورة، الأرض المحروقة أو السماء الغائمة المنذرة والسحب الداكنة المتحركة، ويخلق الإيقاع العام للفيلم شعورا بالنفس الملحمي، ويوحي تعاقب الأحداث المتصلة المنفصلة، باستمرارية الزمن، ورغم الأبيض والأسود الذي يدعم الشعور بالماضي ويؤكد شاعرية الصورة وابتعادها عن المألوف والعادي واليومي الذي نراه في شرائط الأخبار وتقارير التلفزيون عن الحروب، إلا أن الحاضر لا يغيب عن بالنا قط. فهذا فيلم عن عالمنا المعاصر الذي نعيشه أيضا، وعن التفرقة والعنصرية والتعصب والصراعات التي لا تنتهي بين الإنسان والإنسان.

ولا شك أن استخدام طاقم من الممثلين المحترفين الكبار أضاف الكثير إلى الفيلم، وأبرز قوة تجسيد الشخصيات وملامحها الشكلية وتعبيرات وجوهها وحركة أجسادها، رغم استخدام الدوبلاج. ويصلح الفيلم عموما كدراسة بصرية في قدرة السينما على إعادة تجسيد الأدب في شكل سينمائي بعيد كل البعد عن الثرثرة الكلامية، والمشاهد الجامدة المسرحية، واستخراج الشعر من الصور التي تتعاقب في نسق محدد يبدو أحيانا كما لو كان نوعا من “الفوضى” ولكنها فوضى ظاهرية في سياق مرتب تماما، فالهدف ليس رواية قصة، بل توصيل مشاعر ترتبط بمحنة البطل الصغير في هذا الجحيم الأرضي.

15