فيلم "الطريق إلى إسطنبول" يضل طريقه نحو الهدف

أثار الفيلم البلجيكي- الفرنسي- الجزائري المشترك “الطريق إلى إسطنبول” للمخرج الجزائري رشيد بوشارب، الكثير من الترقب والاهتمام بين النقاد والجمهور، وذلك عند عرضه للمرة الأولى عالميا في الدورة الـ66 من مهرجان برلين السينمائي الذي انتهى مؤخرا.
الجمعة 2016/03/11
رحلة بحث شاقة دون طائل

اشترك في كتابة سيناريو فيلم “الطريق إلى إسطنبول” مع مخرجه الجزائري رشيد بوشارب، ثلاثة كتاب آخرون على رأسهم الكاتب والأديب الجزائري ذائع الصيت محمد مولسهول، الذي يكتب تحت اسم “ياسمينة خضرا”، ويرجع ما أحاط بالفيلم من اهتمام في صفوف النقاد وجمهور مهرجان برلين السينمائي الأخير إلى ما نشر من معلومات قبيل عرضه، لكونه أول فيلم يتناول موضوع انضمام الشباب الأوروبيين إلى صفوف ما يعرف بـ “تنظيم الدولة الإسلامية” (داعش)، والمقصود هنا الشباب غير المسلمين، أي من الأوروبيين الأصليين وليس المهاجرين من الدول الإسلامية أو أبنائهم.

يبدأ الفيلم بلقطة لفتاة بلجيكية في الثامنة عشرة من عمرها تدعى “إيلودي”، ترتدي الحجاب والملابس الإسلامية، تقف أمام الكاميرا وتمسك في يدها بطاقة كتبت عليها بعض الكلمات، تستبدلها بغيرها، الواحدة تلو الأخرى، وتقول الأسطر التي تظهر عليها للمشاهدين إنها اعتنقت الإسلام، وارتدت الزي الإسلامي وأنها أدركت أن كل ما كانت تفعله في حياتها في الماضي كان خطأ، والواضح أنها نشرت هذا الفيديو على صفحتها الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك.

يبدأ الفيلم إذن، من اللحظة الحاسمة في حياة هذه الفتاة، بدلا من أن يبدأ بما قبل التحول الحاسم في حياتها لنعرف دوافعها وما يمكن أن تقودها إليه هذه الخطوة، وكيف ستلتحق بداعش وما هي الأسباب، وتحت أي تأثير، وما هي آلية التجنيد، وكيف يمكن أن تقع فتاة بلجيكية أو غربية عموما، تحت تأثير جماعة شديدة التطرف تمارس العنف والقتل وسفك الدماء باسم الجهاد، وهي التي نشأت في مجتمع علماني مفتوح، لا يعتنق لغة الخطاب الديني في تسيير شؤون الحياة اليومية.

الصدمة التي تصاب بها الأم تجعلها غير قادرة على فهم ما حدث لابنتها التي لم يظهر عليها أي ميل لهذا التغير الحاد

التركيز على الأم

كل هذه التساؤلات تظل خارج موضوع الفيلم تماما، إذ نرى أن اهتمام صناع الفيلم لا يتركز على الفتاة “إيلودي”، التي لن نراها بعد ذلك طوال الفيلم، بل ينحصر الاهتمام حول أمها “إليزابيث”، وهي امرأة خمسينية مطلقة، لا تعرف بعدُ ما أقدمت عليه ابنتها، فكل ما تعرفه أنها خرجت من المنزل ذات مساء، بعد أن قالت لها إنها ستقضي الليلة مع صديقة لها، لكنها لم تعد.

تحاول الأم الاتصال بها على هاتفها المحمول مرات عدة، كما تترك لها رسالة بعد أخرى دون أن تتلقى أيّ ردّ منها، وبمرور الوقت تبدأ إليزابيث في البحث المجنون عن ابنتها، تسأل مدرب كرة السلة الذي يعرفها وأقرب أصدقائها إليها، لكن لا أحد يعرف أين اختفت، فتذهب إلى مركز الشرطة، وهناك يعدها الضابط المسؤول بالبحث الجادّ عن إيلودي.

يستدعي الضابط إليزابيث ليخبرها أن المعلومات التي تمكن من الحصول عليها، هي أن ابنتها سافرت مع صديقها المدعو عبدالله (الواضح أنه مسلم من أصول عربية وربما يكون هو من أثر عليها وأقنعها برفض الحياة الغربية)، وأن الاثنين توجها من هناك إلى تركيا وأنهما يعتزمان العبور إلى سوريا للانضمام إلى تنظيم داعش.

الصدمة التي تصاب بها الأم تجعلها غير قادرة على فهم ما حدث لابنتها التي لم يظهر عليها في السابق أي ميل لهذا التغير الحاد والمفاجئ، تلتحق الأم بمركز لرعاية الأمهات اللاتي فقدن أبناءهن الذين انضموا إلى داعش، حيث تشاهد بعض شرائط الفيديو المصورة لتدريبات أعضاء التنظيم الإرهابي وطرق الدعاية التي يجتذبون بها الشباب الأوروبي، هذا كل ما نراه في الفيلم عن “داعش”.

ضابط الشرطة يخبر الأم أن حدود عمله تنتهي عند حدود الدولة، أي أنه لا يملك سلطة البحث والتحري خارج البلاد، فتقرر إليزابيث البحث عن ابنتها بنفسها. ويصبح الفيلم منذ تلك اللحظة تصويرا لرحلة المرأة المكلومة المكروبة في البحث عن ابنتها الغائبة، فتذهب أولا إلى منطقة هاتاي في تركيا، وهناك تلتقي بضابط تركي (الممثل الجزائري الأصل أبيل جفري) الذي يحاول التخلص منها وإعادتها من حيث جاءت.

ومن الغريب أن الممثل الذي يقوم بدور الأب ينتمي أصلا إلى الطوارق، يبدو غريبا في الدور من حيث ملامحه الخارجية التي لا تمت للأتراك بصلة، كما يتحدث الإنكليزية بلكنة خشنة، ثم نراه في المشاهد الأخرى التي يظهر فيها، يتحدث مع زملائه ومرؤوسيه باللغة العربية الفصحى باللهجة الجزائرية. فبوشارب لا يهتم بالدقة في هذا المجال، بل يجعل حتى سائق التاكسي الذي يفترض أنه سوري لجأ إلى الأراضي التركية، والذي يبتز المرأة البلجيكية ويحصل منها على مبلغ كبير مقابل نقلها عبر الحدود التركية إلى داخل سوريا، ممثلا جزائريا يتحدث بالعربية الفصحى بطريقة مسرحية رديئة، وينطق بعبارات شديدة السذاجة مثل (أنا سوري وهذه بلادي التي أفخر بها)، وأشياء مضحكة أخرى من هذا القبيل.

بوشارب لا يهمه الجمهور العربي الذي يمكن أن يكشف غياب المصداقية، وسطحية عبارات الحوار الخطابية، فهو يميل أساسا إلى الاستعانة بالممثلين الثانويين الذين سبق لهم العمل معه في أفلامه السابقة، ويتركز اهتمامه على إقناع الجمهور الغربي الذي يتوجه إليه بفيلمه، والذي لن يمكنه التفريق بين السوري والتركي والجزائري، فكلهم عند الغربيين يجسدون ذلك “الآخر” المختلف في اللون والسحنة واللغة.

حيرة بوشارب

وإذا كان يمكن التغاضي عن مثل هذه التفاصيل، إلاّ أن المشكلة التي تضرب الفيلم في مقتل، هي أن بوشارب يبدأ رحلة طويلة نسبيـا، مـع إليزابيـث إلى تركيا تمهيدا لدخول سوريـا، لكنـه لا يعـرف كيـف يطـور الموضوع، ولا كيف ينهيه، فالمرأة تنجح في التسلل إلى سوريا، إلاّ أن مسلحي داعش يمسكون بها ويعيدونها إلى داخل الأراضي التركية.

المشكلة في الفيلم تكمن في البناء الدرامي الذي يظل يدور حول نفسه دون تصعيد أو تطور أو حتى إثارة

بوشارب يجعل المتفرج يتأهب لمشاهدة أشياء جديدة تكشف له البعض من تفاصيل الموضوع الأساسي وهو التحاق الآلاف من الشباب الأوروبيين بتنظيم داعش، لكنه يتوقف حائرا، وفي اللحظة التي ينتظر المشاهد منه أن يطلعه على جانب من الحقيقة، على الأقل من وجهة نظر كتاب السيناريو، فإنه لا يفعل سوى تصوير مشاهد مثل قصف الطائرات التركية لمواقع داخل الأراضي السورية، ولجوء أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين الفارين من جحيم الحرب إلى تركيا، حيث تحتمي بهم المرأة البلجيكية وتسير وسطهم حتى لا ينكشف أمرها وهي تحاول التسلل إلى مدينة الرقة للوصول إلى ابنتها، وكلها مشاهد يعرفها الجمهور جيدا من خلال ما تبثه يوميا أخبار التلفزيون.

لا شك أن هناك حرفية عالية يتميز بها تنفيذ الكثير من المشاهد، فبوشارب مخرج يجيد تحريك الممثلين وتنفيذ المشاهد الصعبة التي يشارك فيها عدد كبير من الكومبارس، وهو صاحب التجربة الكبيرة في فيلمه المرموق “أيام المجد” (أو البلديون) الذي تدور أحداثه في أجواء الحرب العالمية الثانية، ولكن المشكلة الأساسية في “الطريق إلى إسطنبول” تكمن في السيناريو، أي في البناء الدرامي الذي يظل يدور حول نفسه دون تصعيد أو تطور أو حتى إثارة تحافظ على الحبكة وتدفعها إلى الأمام.

سيظل الفيلم ينتقل من هاتاي إلى إسطنبول، حيث تشاهد إليزابيث في الفندق الذي تقيم فيه رجلا غريب الأطوار يقبض عليه الضابط ويجعله يعترف بأنه من ينقل الأفراد إلى داعش، وهو الذي ساعد إيلودي وصديقها على العبور إلى الرقة. ومن الطريف أن يعيد بوشارب الممثل الجزائري المميز فوزي السايشي الذي عرفناه في السينما الجزائرية خلال الثمانينات، إلى السينما عبر هذا الدور القصير الذي أداه بشكل أضفى عليه مزيجا من الخبث والتعصب وكراهية الآخر، وإن كان يعاب على هذا الجزء البعض من الخطابة المباشرة واستخدام العربية الفصحى أيضا في عبارات ساذجة على شاكلة: أنتم ما الذي جاء بكم إلى بلادنا؟ إننا السوريون نموت يوميا بالآلاف وأنتم لا تهتمون سوى بأبنائكم.

من المؤسف أخيرا أن يعجز الفيلم الأول الذي يتناول هذه القضية الهامة، التي لم يسبق تناولها في السينما الروائية، عن بلوغ مقصده، وهو تسليط الضوء على الظاهرة بشكل جاد يثير الاهتمام، ولكنه بدلا من ذلك يصبح فيلما عن رد الفعل على أم أوروبية مصدومة لما وقع لابنتها.

ولولا الأداء الجيد المتماسك والمؤثر من جانب الممثلة البلجيكية إستريد ويتنال في دور إليزابيث، لما ظل هناك شيء في “الطريق إلى إسطنبول”، فهي تعبر بانفعالاتها الدقيقة المحسوبة، دون مبالغة أو تشنج، وبدرجة عالية من الإحساس بالدور وبشكل مقنع.

16