فيلم "العائد": قصيدة بصرية بديعة عن علاقة الإنسان بالطبيعة

أخيرا أنجز المخرج أليخاندرو غونزاليس إيناريتو مشروعه الكبير "العائد"، الذي التهم ميزانية تجاوزت 160 مليون دولار، بعد أن أصرّ على تصوير الفيلم في الأماكن الطبيعية؛ في الغابات والسهول والجبال التي تغطيها الثلوج، مصورا المشاهد التي تدور في المناطق الطبيعية خارج مستعمرات الغرب الأميركي في عشرينات القرن التاسع عشر، أي زمن الاكتشاف والمغامرة والرغبة في تحقيق الثراء عن طريق البحث عن الذهب، أو كما في حالة فيلمنا هذا، صيد الحيوانات والحصول على الفراء الثمينة.
الجمعة 2016/01/08
كثير من التوحش قليل من الشاعرية

تقول العناوين الأولى التي تظهر على الشاشة في بداية فيلم “العائد” للمخرج أليخاندرو غونزاليس إيناريتو، إن قصته مأخوذة جزئيا من رواية مايكل بونكي التي صدرت عام 2002، والتي تعتمد بدورها على شخصية حقيقية هي شخصية هيو غلاس (يقوم بالدور ليوناردو ديكابريو) صائد الحيوانات الذي يعمل لحساب شركة أميركية متخصصة في تجارة الفراء، والذي يقود مجموعة من زملائه، لاكتشاف الأماكن الجديدة وسط الغابات القريبة من نهر ميسوري في الغرب الأميركي، مما يعرض تلك البعثة لمواجهات عنيفة مع السكان الأصليين كما نشاهد في المشاهد الأولى المؤثرة من الفيلم.

يضل هيو غلاس طريقه بعد أن يبتعد عن جماعته داخل الغابة، ليجد نفسه أمام دب عملاق يهاجمه بوحشية، ويدور صراع ضار بينهما، ينتهي بأن يقتل غلاس الدب، ولكن بعد أن يكون قد أصيب إصابات خطيرة تعجزه عن الحركة والكلام.

يعثر زملاؤه عليه، ويلحق به ابنه من زوجته التي نعرف أنه فقدها بعد أن قتلها رجال البعثات الاستكشافية لكونها من السكان الأصليين، وينقلونه إلى حيث يمكن تضميد جراحه، لكنه يبدو مشرفا على الموت.

يكلف زعيم المجموعة اثنين هما جون فيتزجيرالد (توم هاردي) والشاب جيم برديجر (ويل بولتر) بالبقاء مع غلاس، مقابل مبلغ من المال، لكي يقوما بدفنه بعد وفاته المرتقبة، بينما تغادر المجموعة المنطقة ويتفرق أفرادها لأجل النجاة من السكان الأصليين الذين يعتبرونهم لصوصا، سرقوا أرضهم وخيولهم ودمروا مستعمراتهم.

لقد نجا غلاس من غضب الحيوان لكنه يدفع ثمن الحقد المخيف الذي ينهش قلب زميله الإنسان، فيتزجيرالد الشرس الذي يقتل الابن، ثم يدفن غلاس رغم أنه مازال حيا، ويهرب مع بريدجز مهددا إياه بالقتل إذا خالف تعليماته.

يتمكن غلاس من التغلب على بعض جروحه، ويتحامل على نفسه ويزحف ببطء، بعد أن يستر جسده بجلد دب من تلك الجلود التي تركها زملاؤه وراءهم، ومنذ تلك اللحظة نتابع رحلة غلاس الشاقة من أجل الخلاص، أو النجاة من المصير المأساوي، ثم الانتقام ممن كان وراء مأساته المركبة.

خلال الطريق، الذي يتدرج من الغابات إلى الأنهار والسهول التي تغطيها الثلوج، في درجة حرارة تحت درجة التجمد، يلتقي غلاس بزعيم قبيلة من السكان الأصليين يبحث عن ابنته التي اختطفتها جماعة من المستكشفين الفرنسيين الذين يعسكرون في الغابة، يساعده الرجل على تضميد جراحه باستخدام وسائل الطب الطبيعية، ثم يتركه مواصلا مقاومته الشديدة لما حل به، ويواصل رحلته نحو النهاية الدامية، عندما يتمكن أخيرا من تحقيق انتقامه.

ديكابريو يبذل جهدا خرافيا

مفاجآت الفيلم

الخط الروائي في الفيلم بسيط، فليست هناك تعقيدات درامية وشخصيات متعددة، ولكن هناك الكثير من المفاجآت، أبرزها بالطبع مشهد تلك المعركة الشرسة بين غلاس والدب الضخم الذي يهاجمه، وهو مشهد يستغرق خمس دقائق كاملة على الشاشة.

يبدأ المشهد بغلاس في الغابة بعد أن ابتعد عن رفاقه، يبحث عن صيد بين الدببة الكثيرة المنتشرة في المنطقة، تدور الكاميرا معه 360 درجة، وهو يرصد الدب بالقرب منه، ثم يصوب بندقيته نحوه، إلاّ أن الدب يهاجمه ويسقطه أرضا وينهش لحمه ويغرز أنيابه في جسده، بينما يحاول غلاس المقاومة، ثم يقفز الدب فوق جسده تماما، وتستمر هذه اللقطة- المشهد لمدة 5 دقائق، دون قطع، ينتقل خلالها المصور من الأحجام العامة إلى المتوسطة ثم القريبة والقريبة جدا، في إيقاع شديد الحيوية ومشهد غير مسبوق في السينما، يجسد الصراع الأزلي بين الإنسان والحيوان. إنه ذلك العقاب الذي تنزله الطبيعة بالإنسان بسبب اعتدائه على غيره من الكائنات البريئة.

وبعد أن يتمكن غلاس من سرقة حصان من رجال البعثة الفرنسية، يهرب به فيتعقبونه، وفجأة يسقط الحصان من فوق ربوة جبلية في أسفل هوة عميقة، وبذلك ينجو غلاس من مطارديه بعد أن يسقط فوق كتلة من الجليد، بينما يُقتل الحصان على الفور بعد أن يرتطم بالأرض.

وفي أحد أجمل مشاهد الفيلم، في الليل، تحت الجليد ومع بلوغ درجات الحرارة حدّها الأدنى، يشق غلاس بسكينه بطن الحصان الميت (نرى اللقطة من الطرف الآخر من جسد الحصان)، ثم يدخل يده داخل جوف جسد الحصان لينتزع أحشاءه الداخلية ويلقي بها خارج الجثة، ثم يدخل بجسده كله داخل جلد الحصان ليرقد محتميا من شدة البرد.

مناطق الجمال

يكمن جمال هذا الفيلم في قدرة مخرجه على تصوير العالم تصويرا يجعلنا كأننا نتعرف عليه للمرة الأولى؛ الأرض والسماء، الأنهار والجبال والسهول والحيوانات والطيور، إنها رحلة الإنسان نحو المعرفة، والثمن الذي يتعين عليه أن يدفعه بسبب اعتدائه الفظ على الطبيعة والحيوانات وعلى السكان الأصليين.

ويعمد المخرج إلى تجريد المكان ليمنحنا إحساسا بأننا نشاهد بدايات الخلق، مصورا بحساسية نــادرة عــلاقــة الإنسان بالطبيعة وبالحيوان وبأخيه الإنسان، في الصراع الدائم بين الخير والشر، مصورا رغبته التي لا تهدأ في الانتقام، مبرزا أقوى غرائز الإنسان التي غرسها الله فيه، غريزة حب البقاء، أي إصراره المدهش على النجاة.

فكرة النجاة وحب البقاء تظلان مرتبطين بأداء ديكابريو في فيلم (العائد) الذي تجاوز كثيرا فيلم (الخلاص) لبورمان

إن فيلم “ذي ريفيننت” (ومعناه “العائد من الموت”)، فيلم عن الألم، وعن الرغبة في البقاء، عن قدرة الإنسان الهائلة على مقاومة قسوة الطبيعة، وتحقيق النجاة، أحيانا بفعل نوع من المعجزات أو تصاريف القدر، والفيلم بذلك يبدو قريبا من حيث تجريديته وأسلوبه الطبيعي، من فيلم “الخلاص” (1972) لجون بورمان، ولكنه من ناحية أسلوب التصوير يذكرنا في الكثير من مشاهده، بفيلمي “العالم الجديد” (2005) و“شجرة الحياة” (2011) لتيرنس ماليك، ولا غروّ في ذلك، فمدير التصوير هو نفسه، إيمانويل لوبيزكي الذي صور فيلم إيناريتو السابق “بيردمان” وحصل معه على جائزة الأوسكار.

لوبيزكي يجعل الفيلم قصيدة بصرية بديعة عن علاقة الإنسان بالطبيعة، وهو يحرص -مع إيناريتو بالطبع- على أن يبدأ معظم مشاهد الفيلم، بلقطة عامة من زاوية منخفضة تتطلع إلى أشجار الغابة التي تشكل تكوينات بصرية مدهشة في تآلفها وتعانقها معا وإحاطتها بقلب اللقطة، أو إلى السماء الزرقاء التي تتحرك فيها السحب البيضاء، ثم يحرك الكاميرا تدريجيا إلى أسفل ليتابع حركة الأشخاص أو انتقالات بطل الفيلم في المكان.

وكثيرا ما يستخدم الحركة الدائرية للكاميرا في لقطات محسوبة جيدا، ليس فقط من أجل الإحاطة بالمكان، بل لتأكيد الإحساس بالخطر، وبالمفاجآت التي يمكن أن تبرز فجأة، وإدراك السيطرة المطلقة للطبيعة وهيمنتها على الإنسان، ولتجسيد الإحساس بالحصار الخانق الذي يواجهه البطل خلال رحلته نحو النجاة، يستعين تارة بتناول قطعة من لحم حيوان نافق، أو استخراج البعض من الأعشاب الطرية طورا، فيمضغها في لهفة لكي تمنحه شيئا من الطاقة التي تكفل له مواصلة طريقه.

إيناريتو يقدم على مغامرته الأكبر

الأداء التمثيلي

بعد مرور أكثر من ساعة من زمن الفيلم البالغ 156 دقيقة، يقف غلاس قرب النهـر يمسك غصن شجرة ويصوبه كأنه بندقية، في اتجاه سرب من الوعول يعبر النهر سباحة، تتحرك الكاميرا معه وهـو يحـرك الغصن الخشبي مثل بندقية، وكأنه يحلم باصطياد أحد هذه الحيوانات ليصنع منـه وجبـة شهية.

وفي اللقطة التالية مباشرة يجلس فوق الأرض الصخرية قرب النهر، ينحت حروفا على الأرضية الصخرية، ثم يسمع أصواتا بشرية فينتبه ويرفع رأسه إلى أعلى، تقترب الكاميرا منه تدريجيا لتنتقل من لقطة متوسطة يظهر فيها النهر في الخلفية إلى لقطة قريبة من وجهه فقط، مع ازدياد توتره بعد أن أصبح الصوت البشري قريبا منه، يزحف بسرعة مختبئا بجانب السياج الصخري، يلمح اثنين من راكبي الجياد، على الضفة القريبة، تتحرك الكاميرا مبتعدة عنهما لتعود نحو غلاس وهو يتراجع زحفا إلى الوراء، ثم تتركه لتتحرك في الاتجاه العكسي مرة أخرى لنرى رجلا يسير على قدميه بالقرب منه، بينما ينتظره الفارسان على مقربة.

تبتعد الكاميرا في حركة سريعة عن الرجل في اتجاه النهر، تمسح صفحة الماء بسرعة قبل أن تدور لتستقر مجددا على وجه غلاس، وهو يجذب زمزمية الماء بيده ويتراجع زحفا إلى الوراء مبتعدا عن المكان، والكاميرا تتحرك معه، تتابعه في حركته المتراجعة داخل مياه النهر، ثم تقترب منه وهو يختبئ خلف حاجز صخري في لقطة قريبة.

يسمع غلاس صوت رجل من السكان الأصليين صادر من أعلى فترتفع الكاميرا تدريجيا، لنرى رجلا، ثم آخر وكلاهما يحمل سلاحا، ثم تهبط الكاميرا لنرى رجلا ثالثا في الأسفل يلمح غلاس، فيصيح، بينما يتراجع غلاس بسرعة داخل مياه النهر، وتغوص الكاميرا معه داخل الماء في حركة مهتزة تعكس توتره ورعبه. يستغرق هذا المشهد، وهو مصور في لقطة واحدة تمتلئ بالحيوية والحركة، أكثر قليلا من دقيقتين.

يسبح غلاس تحت الماء لينجو من رمح صوبه أحد الرجال نحوه، ثم يغوص في مياه النهر عند منطقة شلالات متدفقة، وهو مشهد يؤديه ديكابريو نفسه دون بديل، كما يفعل في معظم مشاهد الفيلم التي يبذل فيها أكبر جهد بشري بذله ممثل في فيلم سينمائي، في أداء عبقري، من خلال مشاهد ولقطات طويلة تتابعه فيها الكاميرا وتقترب منه، لنرى كيف يتحكم في مشاعره وانفعالاته وتعبيرات ملامح وجهه والتحكم في حركة جسده ببراعة مثيرة للإعجاب.

ربما يكون “العائد” أكثر توحشا، وأقل شعرا من فيلم “العالم الجديد” لماليك، وربما يعاني من الإفراط بعض الشيء في طوله، وربما كان في حاجة إلى مزيد من التحكم في بعض مشاهده وجعلها أكثر انضباطا، مع ضبط المشاهد التي يظهر فيها الممثل الإنكليزي توم هاردي (في دور فيتزجيرالد) وهو يغالي كثيرا في التعبير عن انفعالاته، كما يمضغ الكلمات ويلوكها في فمه بحيث يستحيل فهم ما يقوله، ولا شك أن المخرج يتحمل مسؤولية هذا العيب بعد أن تركه يؤدّي كيفما اتفق، مما أفسد دوره تماما.

ورغم الملاحظات السابقة تظل البنية التشكيلية في فيلم “العائد” هي الأكثر بقاء في الذاكرة، وتظل فكرة النجاة وحب البقاء مرتبطة بأداء ليوناردو ديكابريو في هذا الفيلم الذي تجاوز كثيرا فيلم “الخلاص” لبورمان في مناظره الطبيعية، ورغم اختلافه الواضح عن أفلام إيناريتو السابقة التي منحته شهرته العالمية، إلاّ أنه سيظل دون شك، المغامرة الأكبر في تاريخ هذا السينمائي الكبير.

16