فيلم المصرية دينا حمزة "جاي الزمان" مرثية مبهجة عن الباقين أحياء

“داخل خارج الغرفة”2011، هو الفيلم الأول للمخرجة المصرية دينا حمزة الذي قدمت فيه انطباعاتها التسجيلية عن فكرة الموت، من خلال الاقتراب من شخصية عشماوي الذي يعمل كنائب رسمي لعزرائيل، عبر مهنته التي تتلخص في إزهاق الأرواح بحكم القانون.
الثلاثاء 2015/05/05
الراحة من ألم فقدان عزيز بالموت لا تأتي سوى بالموت ذاته

في فيلم دينا حمزة الثاني “جاي الزمان” الحائز على جائزة رضوان الكاشف من مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية في دورته الثالثة، قررت المخرجة الشابة المصرية أن تعيد الاقتراب من فكرة الموت التي طالتها بشكل شخصي، عندما فقدت والدها الشاعر الكبير محمد حمزة، أحد أبرز شعراء الأغنية المصرية في نصف القرن الماضي، وصاحب الأيقونات الغنائية التي شكلت وجدان أكثر من جيل في مصر ومختلف البلدان الناطقة والمعنية باللغة العربية.

لا تحاول دينا أن تطرح إجابتها عن الفكرة الوجودية المؤرقة، بل تحاول أن تطرح سؤالها الوثائقي الخاص، على نفسها قبل أن تطرحه على المتلقي. وهي تمهد لذلك في البداية عبر مقدمة طويلة تثقل من وثبة الانطلاق الأولى التي من المفترض فنيا أن تتحلى بالرشاقة، فنرى مشهدا تمثيليا يعيد لقطة الفتاة التي تنتحر من شرفة منزل عبدالحليم حافظ يوم وفاته، تاركة خطابا تتحدث فيه عن أن الحياة لم تعد لها قيمة، وأن الراحة من ألم فقدان عزيز بالموت لا تأتي سوى بالموت ذاته، فهو الداء والدواء.

ثم نرى المخرجة نفسها في مشهد تمثيلي تعيد فيه لقطة الانتحار بنفسها، لندرك فيما بعد أنه تجسيد لحلم يراودها منذ أن توفي والدها تاركا فراغا روحيا هائلا في داخلها، يدفعها هذا الفراغ إلى حضور جلسات علاج جماعي وعمل فيلم لكي يشاركها آخرون معاناة السؤال.

حضور وغياب

دينا لا تطرح إجابتها عن الفكرة الوجودية المؤرقة، بل تطرح سؤالها الوثائقي الخاص على نفسها قبل طرحه على المتلقي

تبدأ دينا من حيث الفراغ المكاني، حيث تستعرض بقايا والدها في مكتبه الذي يبدو أنه غادره للتوّ والبيت الذي انطفأ فيه وهج أيامه السابقة برحيله، ثم تنتقل إلى الفراغ الشعوري حين تترك اختها التوأم دعاء أمام الكاميرا، كي تحكي لنا عن الأب ويوم المغادرة ومشاعر ما بعد الرحيل الجسدي.

يبدو بطء الإيقاع في البداية سببه الحمل الشخصي الذي تحاول المخرجة أن تتخلص منه بإلقائه على أكتاف الفيلم، رغم أنها تفتح أقواسا بصرية جيدة بتوظيفها مواد من أرشيف العائلة، وعلى رأسها أعياد الميلاد الخاصة بها -وتوأمها بالطبع- أو لقطات من جلسات الغناء والشعر في المنزل بحضور عدد من الفنانين إبان الثمانينات.

بعض هذه الأقواس تغلق سريعا عبر المونتاج من خلال القطع ما بين المادة المصورة للمنزل العامر بالصحبة والإبداع في الماضي، وحالته الصامتة في حاضر ما بعد الرحيل، وبعضها الآخر يستمر حتى تنتهي المرثية، ويتسع سؤال الموت ليحتوي كمّا أكبر من علامات الاستفهام.

فنرى عيد ميلاد آخر لحفيدة الشاعر التي ولدت عقب ثلاثة أشهر فقط من وفاته -يوم عيد ميلاده-، وهو عيد الميلاد الذي يمثل ذروة حقيقة التساؤل في التجربة حول ماهية الموت واستمرارية الحياة؟

بعد هذه البداية يستقيم الإيقاع الفيلمي بشكل كبير، وتتضح معالم الأسلوبية التي تقررها المخرجة، حيث تبدأ معالم البهجة في المرثية تظهر بصورة ملفتة، فهي تستخدم تسجيلات صوتية للشاعر الراحل منتقاة بعناية توحي بأنه لا يزال باقيا يتحدث عما هو آني من مشكلات المجتمع والحياة، وفي نفس الوقت تربط هذه الأحاديث بموتيفة بصرية متكررة عبارة عن لقطة من عين شخص ما يسير رافعا نظره إلى أعلى، يتأمل أشجارا جميلة وورودا مزهرة، كأنما هو الشاعر نفسه ينتقي من الطبيعة ما يصلح لكي يصنع خبز أشعاره الطازج.

ثم تشرع المخرجة في رسم الملامح الداخلية لشخصيات الفيلم التي تريد توريطها في سؤال الموت، “أخوها الكبير” الذي عانى من أحلام جيله المهدرة -جيل ما بعد أكتوبر-، و”عاشقة عبدالحليم” التي تركت زوجها لتعيش مع حبيب غائب يصلح طيفه للإبقاء على الخيال حيا بعد أن مات الواقع. بالإضافة إلى الأخت التوأم وابنتها الصغيرة وبالطبع الشاعر الراحل والأم-الزوجة التي غادرت قبله.

دينا نجحت في صياغة مرثية مبهجة خلال الفصل الثاني من الفيلم والذي يمثل بدن الفكرة والسياق الحقيقي للتجربة، فليس ثمة بكاء على الأطلال ولا مفردات تترحم على الماضي

نجحت دينا في صياغة مرثية مبهجة خلال الفصل الثاني من الفيلم والذي يمثل بدن الفكرة والسياق الحقيقي للتجربة، فليس ثمة بكاء على الأطلال ولا مفردات تترحم على الماضي، وهو ما يتسق عضويا مع فكرة “جاي الزمان” وهي إحدى عبارات الشاعر الشهيرة في واحدة من أغنياته الباقية بصوت عبدالحليم حافظ “أي دمعة حزن لا”.

عشرات اللقطات والصور واللقاءات الأرشيفية التي انتقتها المخرجة للتأكيد على أن الموت ليس غيابا كاملا كما نتصور. ولكن بقيت الحرفية الأكثر طزاجة وقوة تتمثل في اختيار مقاطع من أغاني الشاعر -الذي كتب أكثر من 1200 أغنية- للتعبير أو التعليق روحيا على سياقات الفيلم، سواء اللقاءات التي تتمّ مع الشخصيات أو البوح الخالص الذي تمارسه المخرجة عبر شريط الصوت.

فكل مقطع تم اختياره ومعالجته صوتيا يبدو متسقا بشكل كامل مع سبقه من لقاء، أو ممهدا للقاء أو لقطة تالية له، ومعالجة الصوت حتى يصبح صدى متكررا من أبرز سمات الأسلوب، لأن الصدى أكثر خلودا وبقاء من الصوت ذاته، والصدى استمرارية واتصال، وهو ما تبحث عنه المخرجة في فيلمها تحديدا، فصدى الأغنيات هنا ليس مجرد مؤثر ميلودرامي للبكاء على الراحلين، بل هو اعتراف وتأكيد على أنهم باقون إلى النهاية.

حلم مغاير

تعود المخرجة في الفصل الأخير إلى فكرة إعادة التمثيل مرة أخرى، فتقدّم مشهدا لما قبل انتحار “فتاة شرفة العندليب”، وهي ترتدي ملابس ملونة وترفض شرب القهوة، وكأنها ترفض الاعتراف بموته، وهي تبتسم بينما الكل يبكي من حولها، ثم تنهض لتلقي بنفسها وسط صراخهم، ولكن يعيب المشهد بالطبع ضعف الأداء والمبالغة، كما أنه يبدو أطول نسبيا مما تحتمل الذروة التي من الطبيعي أن تصبح أكثر كثافة مع الصعود الهرمي لإيقاع الفيلم، من القاعدة الواسعة إلى القمة الدالة الضيقة.

تبدأ الذروة حين تقرر المخرجة عقب رحلتها الطويلة مع السؤال أن تذهب أخيرا لزيارة قبر والدها، وتبدو الزيارة هنا إشارة دالة على التصالح مع الزمن والحياة والموت ذاته، صحيح أنها قدمت بصريا بنفس النمط الميلودرامي من خلال تكوينات بصرية للمخرجة على باب القبر أو وهي تدخله وتغادره، لكن الدلالة الدرامية والمعنوية تصبح أكثر قوة من الصورة خاصة بعد رحلة البحث الطويلة مع السؤال.

صدى الأغنيات ليس مجرد مؤثر ميلودرامي تعتمده المخرجة للبكاء على الراحلين، بل تأكيد على أنهم باقون إلى النهاية

وفي محاولة المخرجة أن تصنع أكثر من ذروة خلال الفصل الأخير، تمرّ على شخصيات الفيلم الأساسية في لقطات سريعة، لكي نرى تأثير السؤال حول وجهة نظرهم في الموت.

وفي المقابل يفلت منها الإيقاع بدرجة ما في النهاية، حين تستطرد في تتبع بعض شخصيات عابرة ظهرت في لقطات قصيرة خلال جلسات العلاج الجماعي التي تحضرها دون أن تكون لها جذور درامية أو وثائقية في الفيلم، وظهور شخصيات جديدة في مواقف انفعالية قرب الذروة أو النهاية يخلق حالة تشتت نفسي وشعوري كبيرة لدى المتلقي، خاصة بعد ارتباطه بعدة شخصيات أساسية واستغراقه معها خلال العمل.

وتظل الذروة الأكثر تأثيرا وكثافة هي عيد ميلاد الحفيدة الصغيرة الذي يتناص بصريا ودراميا ووثائقيا مع عيد ميلاد الأختين في البداية، بل إننا نستشعر وجود الأب بينهم دون أي مؤثرات بصرية أو مزج مونتاجي.

وكما بدأت المخرجة فيلمها بحلم الانتحار، قررت أن تنهيه أيضا بحلم آخر لكنه حلم البهجة الذي ينتظرها، من خلال مشهد تمثيلي تتساقط فيه عليها مئات “البالونات” الملونة بعد أن تحررت عبر التجربة من ثقل السؤال، وأصبح لديها من القناعات والتصورات النفسية والمعنوية ما يمكن أن يعينها ذات يوم على الإجابة، طالما ظلت أصداء الباقين تتردد في داخلها، وطالما أن الزمان لم يذهب كلية، وأنه يمكن أن يجيء ثانية ذات يوم.

16