فيلم المصير.. محنة المثقف العربي بين الدين والسياسة

"المصير" لمخرجه يوسف شاهين واحد من الأفلام الجريئة، والنادرة في رصدها لمحنة المثقف في العالم العربي، ووقوعه ضحية بين السلطتين السياسية والدينية.
السبت 2019/05/04
شاهين ثمن تراث  ابن رشد

“علّ صوتك بالغناء.. لسّه الأغاني ممكنة” أغنية تكاد لا تغيب عن كل تظاهرة احتفالية تندد بالإرهاب وتدين التطرف كلما ضرب مدينة عربية. يهب مثقفون وعلمانيون وجمهور من الناشطين للتعبير عن رفضهم واستنكارهم عبر احتفاليات تعبيرية، تستحضر أعمالا فنية يرونها مثالا حيا للانتصار على القوى الظلامية. من أبرز هذه الأمثلة يأتي عرض فيلم “المصير” وأغنيته الشهيرة، لما يتمتع به هذا الشريط الذي أنتج عام 1997 من قدرة غريبة على التنبؤ بما بدأ بالحدوث منذ العام 2011 في البلدان التي عصفت بها رياح الربيع العربي. فيلم “المصير” أسال حبرا كثيرا، وأثار جدلا واسعا في الأوساط الثقافية العربية بين مدافعين متحمسين، ومنتقدين متهجمين، لاسيما وأن الشريط يتناول حياة واحد من أشهر المفكرين العرب وهو ابن رشد، الفيلسوف والقاضي الذي أحرقت مؤلفاته، واتهم بالكفر وإفساد جيل الشباب في ما يشبه ما تعرض له مثقفون عرب في عصرنا الحديث مثل نصر حامد أبوزيد، وفرج فودة، وقبلهما صادق جلال العظم الذي قدم للمحاكمة بسبب نقده للفكر الديني. “الحدوثة” في هذا الشريط الروائي، ليست بعيدة عن مزاج المخرج وأسلوبه في أفلامه السابقة، خصوصا تلك التي تقتفي حدثا تاريخيا وتبني عليه في نسيج تخييلي مثل “المهاجر” و”وداعا بونابرت” و”الناصر صلاح الدين”.

تدور أحداث فيلم “المصير” للمخرج يوسف شاهين بالأندلس، وفي قرطبة على وجه التحديد، خلال القرن 12 أثناء حكم المنصور، الذي، ورغم بعض الانتصارات العسكرية التي حققها ضد الإسبان، انتشرت مظاهر الفوضى والعنف والتطرف لتنخر جسد الدولة وتمهد لسقوطها.

للخليفة المنصور ابنان، الأكبر عبدالرحمن الناصر، ولي العهد الذي تعلم على يد الفيلسوف المفكر ابن رشد، والمرتبط بحب سلمى ابنته، والثاني عبدالملك عبدالله، والذي يتجه نحو حب الرقص والشعر والخمر بعد فشله في العلم، فتثمر علاقته بالغجرية سارة عن حملها سفاحا، لكن برهان يجنده في جماعة إسلامية متطرفة يحاول أميرها أن يقنعه بقتل أبيه الخليفة وتولي عرش البلاد.

يعيش ابن رشد قاضي القضاة مع زوجته زينب وابنته الوحيدة سلمى، وينجح في تأليف العشرات من الكتب التي تعرضت للحرق مرتين، الأولى بتدبير من الجماعة الإسلامية المتطرفة، ولكن بعد العثور على نسخ أخفاها الشاب الفرنسي يوسف، يتم إعداد عدة نسخ لنشرها في فرنسا ومصر. والمرة الثانية عندما يغضب الخليفة المنصور عليه ويأمر بحرقها ونفيه خارج البلاد.

المغني مروان وزوجته الغجرية مانويلا وأختها سارة وأمهما من أنصار ابن رشد، وقد تعرض مروان لمحاولة القتل من الجماعة المتطرفة مرتين، الأولى لرفضهم غناءه والثانية لتطاوله على أميرهم الذي توعد الجميع بأن يكون القتل مصير من يخالفه. يؤدي قتل مروان إلى يقظة الأمير عبدالله لنبذ الجماعة الإسلامية بأفكارها المتطرفة والوقوف إلى جوار والده وأخيه ضد الإسبان.

شارك يوسف شاهين في كتابة الفيلم إلى جانب كوثر مصطفى. وأدى الأدوار فيه كل من: نور الشريف وليلى علوي ومحمود حميدة، وصفية العمري، ومحمد منير وخالد النبوي.

الانتصار للمثقف

تم تصوير الفيلم بين سوريا ولبنان، في المناطق الأثرية التي تتشابه مع الجو الأندلسي، ومنها المسجد الأموي في دمشق، وقلعة الحصن في مدينة حمص، وكذلك جبال لبنان التي كانت قريبة الشبه من جبال فرنسا، إلى جانب بعض اللقطات عند أهرام مصر في المشهد الذي يشير إلى وصول كتب ابن رشد إلى مصر.

ربما عاب بعض الباحثين الأكاديميين على فيلم “المصير” افتقاره لبعض الدقة التاريخية، لكن من الواضح أن مخرجه يوسف شاهين، قصد التركيز على جانب الإسقاط السياسي أكثر من الالتزام بعرض التاريخ بصورة متحفية.

عاب بعض الباحثين على فيلم "المصير" افتقاره لبعض الدقة التاريخية، لكن الواضح أن شاهين قصد التركيز على جانب الإسقاط السياسي أكثر من الالتزام بعرض التاريخ بصورة متحفية

الفيلم تعرض إلى عاصفة من النقد، وحتى السخرية من بعض المشاهد والأخطاء التوثيقية، ومحاولة تمصير الأحداث والشخصيات، لكن محبي صانع “العصفور” و”باب الحديد” دافعوا عن شاهين كظاهرة سينمائية متفردة في العالم العربي، وقالوا إن المخرج كان يقصد كل شيء في نوع من المشاغبة على الحاضر عبر تلك المقاربات السينمائية.

يرسم “المصير” بأسلوب سينمائي بصري وحوار كتب بالعامية المصرية عصر العالم الفيلسوف ابن رشد في الأندلس، الذي حاول أن يكون المرشد والناصح الأمين للخليفة المنصور في الأندلس، محذرا إياه من مغبة غض النظر عن استفحال التطرف في البلاد، ومن الإصغاء إلى نصح المنافقين وأكاذيبهم الملفقة.

لكن الخليفة المنصور سرعان ما نبذ ابن رشد وهمش دوره كقاض، بل وأقصاه عن بلاطه. يوسف شاهين في فيلم “المصير” ينتصر للمثقف ودوره الطليعي في توعية المجتمع وتنويره من جهة، ونصح الطبقة الحاكمة وتحذيرها من فقهاء الظلام، من جهة ثانية.

الشريط يحكي نكبة المثقف ومحنته التي ما زالت تتكرر في عالمنا العربي عن طريق سيرة حياة شخصية من ألمع ما عرف تاريخ الفكر العربي، وهو ابن رشد الذي حقق فتوحات فلسفية مدهشة، ولامس نظرية المعرفة بمفهومها الابستيمولوجي الحديث من خلال مؤلفه الشهير بـ”فصل المقال”.

قرّب الشريط ابن رشد من الناس، حطم تلك الصورة النمطية التي تجعله دائم العبوس والتجهم، غريب المنطق، ومتعاليا على غيره. شاهدنا ابن رشد الرجل البشوش المرح وهو محاط بتلاميذه وأفراد أسرته، يشاركهم بهجة الحياة، ويهتم بأدق التفاصيل.

تعرفنا على المثقف الإنسان واقترابه من قضايا مجتمعه كما نظّر له المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي في “المثقف العضوي”. ولمسنا دفء الأسرة في تواددها وانفتاحها وتبنيها لقيم الحب والتواصل الاجتماعي في نسيج درامي تخيلي، لكنه صائب وقريب من أجواء الأندلس في تلك المرحلة.

لا شك أن نرجسية يوسف شاهين، ومزاجيته حاضرتان بقوة في الفيلم، لكن هذا الأمر محمود في السينما، ويكسبها ذلك السحر الخفي في جعلها تنبض بالحياة.

كل شخصيات “المصير” رشيقة، متوثبة ولا تشبه تلك التي عادة ما نلمحها في الأعمال التاريخية العربية، وتجعل المرء ينفر منها، ويحس بأنها بعيدة عن تفاصيل الواقع وامتلائه بالحياة.

يرسم "المصير" عصر الفيلسوف ابن رشد في الأندلس، الذي حاول أن يكون المرشد والناصح الأمين للخليفة المنصور في الأندلس
يرسم "المصير" عصر الفيلسوف ابن رشد في الأندلس، الذي حاول أن يكون المرشد والناصح الأمين للخليفة المنصور في الأندلس

شاهدنا أشخاصا مرحين وآخرين نزقين أو متجهمين أو مدبرين عن الحياة، لكنهم جميعا يشبهون الواقع الذي يتحركون في حيزه ويذكروننا بما نحن عليه دون افتعال أو ليّ لعنق التاريخ.

يقف خلف الفيلم إنتاج ضخم وطاقم فني متمرس وشديد الاحتراف، وهو أمر اعتاد عليه يوسف شاهين في غالبية أفلامه، إذ كثيرا ما يتعامل مع خبراء وتقنيين أوروبيين مشهود لهم بتفوقهم.

شاهدنا صورا مبهرة في أماكن لم تعتد عليها السينما المصرية التقليدية، وقد اختارها المخرج بعناية فائقة، خصوصا في سوريا ولبنان. وشاركت في التمثيل وجوه كثيرة، منها ممثلون قاموا بأدوار رئيسية، ومنها من اكتفى بالحضور الشرفي في نوع من التحية والتآزر مع صانع الفيلم مثل المخرج السينمائي السوري المعروف محمد ملص.

كاميرا يوسف شاهين تحررت في أغلب المشاهد من الأماكن الضيقة والمغلقة، واستفادت في لقطات عامة من جماليات الفضاءات التاريخية وتناغمها مع الأحداث.

أكثر المخرج من المجاميع في مشاهد المعارك، واشتغل عليها بدقة وحرفية بعيدا عما نشاهده عادة في الأفلام التاريخية المصرية التي تعج بأخطاء الراكورات في الملابس واختيار زوايا التصوير، وكذلك التقطيع.

جدل اللغة والتاريخ

كثر الجدل حول لغة الفيلم التي اختار لها شاهين العامية المصرية، وهو موضوع في غاية الدقة والحساسية، ذلك أن الجمهور العربي قد اعتاد الفصحى في معظم الأفلام التاريخية حتى بات عنده اعتقاد راسخ بأن كل قادم من التاريخ يجب أن يتكلم الفصحى بتلك الطريقة المقعرة التي عودتنا عليها الدراما التاريخية.

العامية المصرية أكسبت الفيلم تلك الحميمية والطرافة والرشاقة، وألغت المسافة بين المكتوب والمنطوق، الأمر الذي يرقى بأداء الممثل، ويجعله أكثر عفوية وغير غريب عن الدور.

يوسف شاهين مخرج مثير للجدل في كل أعماله، وقد اعتاد على حملات النقد والتشهير، ولعل ذلك كان سببا في سطوع نجمه، لكن الرجل يختار مواضيع أفلامه بدقة ويربطها بالراهن والحيني، خصوصا أن الفترة التي صنع فيها “المصير”، شهدت حملات تكفير وتشهير من بعض المؤسسات الدينية في حق مفكرين تنويريين.

كما اتهم شاهين بالعمل وفق أجندات أوروبية في أسواق الفيلم، وقد يكون في هذا شيء من الصحة إذا ما تأملنا في الآليات الإنتاجية، لكن المخرج يرجع إليه في الفضل في التعريف بالسينما العربية في المهرجانات العالمية، علما أن الفضل في بداية شهرته يعود إلى مهرجان قرطاج في ستينات القرن الماضي. الأكاديميون المنتقدون

للفيلم، نسوا في لحظة من اللحظات، أنهم أمام عمل فني وليس توثيقيا، وحاكموا صانع الشريط كمؤرخ أو ناقل للأحداث، وهو أمر يطرح بقوة في جميع الأعمال التي تتناول شخصيات تاريخية.

هناك معادلة شديدة الدقة في الأعمال التاريخية، وتتمثل في طرح المتخيل من التفاصيل دون المساس بما هو موثق أو محاولة تزويره، وهي مسألة احترمها يوسف شاهين في “المصير”، ثم ترك خياله يشطح في تفاصيل لا يمكن أن تؤثر على ما هو جوهري.

وفي هذا الصدد، يقول المفكر جورج لوكاتش، مخاطبا شخص الفنان والأديب “تخيل كما شئت لكن لا تخن التّاريخ ولا تحرف أحداثه”، ذلك أن هناك مسافة بين الموثق والمتخيل، قد تصغر وقد تكبر بشكل يُقربنا من الحقيقة وقد يقطع أي علاقة لنا بها.

يوسف شاهين مخرج مثير للجدل في كل أعماله، وقد اعتاد على حملات النقد والتشهير، ولعل ذلك كان سببا في سطوع نجمه
يوسف شاهين مخرج مثير للجدل في كل أعماله، وقد اعتاد على حملات النقد والتشهير، ولعل ذلك كان سببا في سطوع نجمه

الفيلم الذي أتى مبهرا للخبير بالسينما، ولكنه ظل ثقيلا جدا على قلب مؤرخ الفَلْسفة والمطلع على تاريخها حيث اعتبر أحد الأكاديميين المتشددين أن “سيرة الحكيم ابن رشد في الفيلم، وكما يحاول المخرج أن يَظهر بأنه يرويها بتفاصيلها الدّقيقة، سيرة غير حكيمة بالمرّة لحكيم لم يكن هو أبا الوليد بن رشد”.

وضمن موجات التحامل التي تعرض لها “المصير” عند عرضه، والتي تخلط بين الخيال الإبداعي والواقع التاريخي، وصف الكاتب المصري يوسف زيدان، الأحداث التاريخية التي ورد ذكرها في فيلم المصير بـ”الفضيحة”. وأشار في لقاء تلفزيوني، إلى أن يوسف شاهين أبدع في فيلم المصير كعمل سينمائي، فضلا عن أن العمل من الناحية الفنية “مقبول للغاية، أما عن الجانب التاريخي فالعمل مليء بالمغالطات”.

وفي نوع من التعسف النقدي الذي لا يتقبل فكرة أن السينما رؤية فنية قبل أن تكون مسحا توثيقيا، أضاف زيدان أن ابن رشد كان قاضي القضاة في قرطبة، وهو بمثابة وزير العدل حاليا، فكان “أنيقا وذا هيبة، أما الشخصية التي وردت في المصير، فمختلفة تماما” وعقب قائلا “أما الحديث بالعامية في مشاهد الفيلم فأمر مضحك للغاية”.

وقال كتاب ومؤرخون إن مشهد حرق كتب ابن رشد لم يحدث، وإنما كان لقطة رمزية من رؤية مخرج الفيلم يوسف شاهين، وإلا ما وصلتنا كتابات ابن رشد الآن، التي ورد في الفيلم أنه أرسلها إلى فخرالدين الرازي في مصر.

مازال “المصير” واحدا من الأفلام الجريئة، والنادرة في رصدها لمحنة المثقف في العالم العربي، ووقوعه ضحية بين السلطتين السياسية والدينية.

عرض الفيلم للمرة الأولى في المسابقة الرسمية للدورة الـ50 من مهرجان كان السينمائي عام 1997، وحصل شاهين خلال الدورة على جائزة المهرجان الخاصة عن مجمل أعماله بمناسبة اليوبيل الذهبي. وتم طرح الفيلم تجاريا في دور العرض المصرية خلال أغسطس 1997، كما شارك المخرج خالد يوسف في كتابة سيناريو الفيلم مع المخرج يوسف شاهين.

وقع خلاف بين المخرج يوسف شاهين والملحن كمال الطويل، عندما أراد شاهين إدخال تعديلات على أغنية “علّ صوتك” وهو ما رفضه الطويل تماما، وتم التوصل إلى الحل بأن تكون نسخة الأغنية في الفيلم وفقا لرؤية شاهين، أما النسخة في الشرائط الغنائية فتكون وفقا لرؤية الطويل.

يعتبر الفيلم الظهور الأول لعدد من الفنانين من بينهم هاني سلامة وفارس رحومة ومحمد رجب.

رشحت مصر الفيلم لتمثيلها في النسخة الـ70 من مسابقة أوسكار عن فئة أفضل فيلم غير ناطق بالإنكليزية عام 1998. تم ترميم الفيلم بجودة فائقة الدقة، في معمل “إكلير إيماج”، بتمويل من شركة مصر العالمية وستوديو أورانج والسينماتك الفرنسي، بدعم من المركز السينمائي الفرنسي. وعرضت النسخة المرمّمة من الفيلم ضمن قسم “كلاسيكيات” على هامش فعاليات الدورة الـ71 من مهرجان كان السينمائي، في مايو 2018.

16