فيلم "الملك لا يموت" رواية لم يعرف فيها الطفل معنى العصفور

الثلاثاء 2014/03/04
الفيلم محاكاة للأقبية الموصدة ومآسيها

دمشق- منذ البداية يضع المخرج السوري يامن المغربي بيننا وبين المشهد عدسة متخيّلة، يريد منها أن تتسع وتضيق لتنقل لنا في الحال وبالسرعة التي يحدثها الانتقال بين لقطة وأخرى ما تحدثه (اللاعقلانية) من هدم وإهدار لقيم السلام والشرف والعطاء.

في الفيلم القصير “الملك لا يموت”، الذي يصوّر قصة حقيقية حصلت في أحد معتقلات النظام السوري، حسبما ظهر مكتوبا في البداية. قبل أن يحيلها المغربي إلى فيلم بعد التصرف في بعض مجرياتها، وتم بثه على “يوتيوب” (موقع مشاركة مقاطع الفيديو على الأنترنت)، مؤخرا، يصور في بدايته سجّانا يدخل إلى زنزانة معتقل، ويواصل معه لعبة شطرنج كانا قد بدآها في وقت سابق، كي يسلي السجان نفسه ويملأ وقته الذي يقضي معظمه في الأقبية لتعذيب المعتقلين.


أم ووليدها


الفيلم الذي شارك في تمثيل شخصياته ممثلون غير معروفين، يروي قصة الكاتب ميشيل كيلو عندما كان معتقلا في سجون النظام السوري، حيث يتحداه السجّان بأن يروي قصة لطفل يقبع في زنزانة رفقة والدته، وفي التفاصيل يقول ميشيل كيلو: “فجأة، فتح باب زنزانتي.

كانت الساعة تقارب من الثالثة فجرا. أمرني رجل الأمن أن أخرج وأتبعه. بعد قرابة خمسين خطوة، فتح باب زنزانة سبقني إلى داخلها وهو يمسك بيدي ويجرني وراءه. رفع الغطاء عن عيني وقال لي هامسا: سأعود بعد ساعة لإعادتك إلى غرفتك (يسمون الزنزانة المنفردة في السجون السورية غرفة) أشار بأصبعه إلى زاوية فارغة وقال لي: اجلس هناك واحك حكاية لهذا الطفل. كان في المكان الضيق (متران على مترين) سيدة في نحو الثلاثين من العمر. خرج الحارس وأغلق الباب وراءه وهو يأمرني أن لا أتحدث بصوت مرتفع كي لا يسمعني أحد من زملائه فتقع الكارثة ونذهب معا إلى تدمر.

ألقيت التحية على السيدة، فلم تردّ. كانت خائفة ومتكوّرة على نفسها كمن يتقي خطرا داهما. قلت لها مطمئنا: لا تخافي يا أختي فأنا سجين مثلك. بعد صمت قصير سألتها: كم مضى عليها من الوقت هنا؟ فقالت ستة أعوام. نظرت إلى الطفل، الذي كان في الرابعة ففهمت أنها حملت به وولدته في السجن. سألتها عن سبب وجودها في الفرع، فقالت وقد بدأت حبات الدموع تنساب من عينيها: “رهينة”.

يتطبع الشريط بأسلوب بصري خاص، لا يطابق الفضاء المعتاد، ويكثف من استخدام الإضاءة القاتمة والحبكات المتوهة، المنفتحة على الواقع في بعده الانفعالي والسيكولوجي

ويضيف: “جلست أمام الطفل، سألته عن اسمه، فلم يردّ. قالت: إنها لم تطلق عليه اسما بعد؛ لأنه لم يسجل في أيّ قيد، لكنها تسميه أنيس. قلت وأنا أمسك يده الصغيرة: سأحكي لك الآن حكاية يا أنيس.

كان هناك عصفور صغير كثير الألوان حسن الغناء، فسأل: شو العصفور؟ صمتّ قليلا، ثم قررت تغيير القصة وقلت: كانت الشمس تشرق على الجبل، فبدت على وجهه علامات الاستغراب وعدم الفهم.

قالت الأم: لم يخرج أبدا من هذه الزنزانة، فهو لا يعرف عن أيّ شيء تتحدث، وانفجرت بنحيب لم تعد تستطيع السيطرة عليه. جلست حائرا لا أدري ما عليّ فعله: رواية حكاية للطفل هي استحالة لا سبيل إلى تحقيقها، أم مواساة أمّ منتهكة الكرامة تضيع عمرها في هذا المكان الخانق، صحبة طفل لا تدري من أبوه، ستخرج معه ذات يوم تجهل متى يأتي إلى عالم لن يرحمهما”! تسمّرت في الزاوية البعيدة عنها. لم يعد لساني قادرا على قول أيّة كلمة، فقبعت هناك متكورا على نفسي. بعد قليل جاء الحارس لإعادتي إلى زنزانتي، عندما فتح بابها واطمأن إلى أن أحدا من زملائه لم يشاهدنا، سألني إن كنت حكيت حكاية للطفل. عندما رأى الدموع على خدّي، أغلق الباب وراءه وانصرف.


انفعال سيكولوجي


يتطبع الشريط بأسلوب بصري خاص، لا يطابق الفضاء المعتاد، ويكثف من استخدام الإضاءة القاتمة والحبكات المتوّهة، المنفتحة على الواقع في بعده الانفعالي والسيكولوجي.

هذا الفيلم يستعيد ذاكرة أدب المعتقلات المشحون بواقعية درامية كما تصوّرها، ترسبت في وعي صاحب القصة من غير أن تندثر أو تركن في سبات اللاوعي، بل إنها تعتمل وتنشط من جديد في خاصية تصويرية تعتمد على التقاط مشاهد أو حركات لاهثة بأقل الكلمات اقتضابا.. وكثافة تاركة للمشاهد قدرا من المشاركة والمعايشة للموقف أو المشهد.

هذه المشاهد التي توحي بعدم الاكتمال وتوحي بالتوتر في آن واحد تستقطب منا جهدا في أن يتمثل الحادث، ويشارك في تجسيم صورته المتحركة بحسّه الانفعالي ومراقبته الذهنية من أجل أن يعثر بمعايشته على موقف معيَّن لا يقتصر وجوده على أشخاص العمل السينمائي لأنه موجود في داخلنا أيضا قبل أن يوجد في القصة.

كتب المخرج المغربي يقدّم الفيلم في صفحته على الـ”فيسبوك”: “هذا الفيلم انعمل لسوريا، وللشعب السوري وهو إهداء بسيط من فريق عمل الفيلم، ما انعمل للجان تحكيم، سوريا بتمنى إرفع راسِك بفيلمي البسيط”.

16