فيلم الملوك الثلاثة.. تراجيديا حوّلت حرب الخليج إلى مغامرة

المخرج دافيد راسل ينتصر للرواية الرسمية الأميركية ويضفي على الحرب معالجة كوميدية جعلت الفيلم يلقى رواجا كبيرا.
السبت 2019/03/16
الحضور العسكري الاميركي في العراق تحول إلى كوميديا

اقتفت السينما الأميركية أثر الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة، من الحربين العالميتين إلى فيتنام إلى العراق إلى أفغانستان وليبيا والصومال وغيرها، وكانت اللغة السينمائية المتوخاة تتعمد في الغالب إظهار الجندي الأميركي بطلا يحمل على ظهره وبسلاحه، كل القيم الأميركية، وكانت بذلك السينما الأميركية في هذا المحور من الأعمال، سينما المنتصر التي توظف كل تقنياتها لإبهار العالم، المغلوب منه والمحايد. في العالم العربي خاضت الولايات المتحدة حروبا كثيرة، احتاجت إلى أن ترفدها بمنجز سينمائي يقتفي أثر الحروب ويوظفها في سرده التصويري، وكان هذا المنجز في أغلبه وفيا للمبررات الأميركية، بأن حافظ على صورة الأميركي البطل الذي يذهب لغرس قيم الحرية، وقلة من الأعمال السينمائية نجت من هذه الأسطرة وخرجت عن الخط السياسي الأميركي، بأن قدمت صورة مغايرة للحروب أو التدخلات.  فيلم الملوك الثلاثة، الذي أخرجه دافيد راسل، تناول الحرب الأميركية على العراق عام 1991، انتصر للرواية الرسمية الأميركية وأضفى على الحرب معالجة كوميدية جعلت الفيلم يلقى رواجا كبيرا في السوق الأميركية.

نحن الآن في العام 1991 وحرب الخليج الثانية المرتبطة بقضية احتلال الكويت ثم تحريرها، ما تزال ذيولها مشتعلة وضحاياها لم يبرد دمهم وآثارها التدميرية قائمة على جبهتي الحرب في العراق والكويت.

على هذه الأرضية سوف ننطلق في مقاربة ثيمة الصراع التي هي ثيمة أساسية في هذه الدراما التي تكررت في العديد من الأفلام الأميركية التي عالجت الثيمة ذاتها.

واقعيا، ظلت فكرة الغلبة والقهر والتفوّق جزءا من بروباغندا الحرب وأداة المنتصر والغازي كما هي في كل الحروب والصراعات غير المتكافئة على مرّ التاريخ.

آلة الحرب الصماء العمياء في مقابل الإنسان الأعزل مقاربة أخرى تحضر بقوة أيضا في هذه التراجيديا القاسية، حيث يجري طحن أضعف الضحايا تحت تروس ماكنة الحرب فيما يمكن لأبطال الحرب أن يكونوا هم ضحاياها أيضا ومن أشد من يعانون من آثارها. كما نحن نعيش اليوم في إصابة جنود الحرب الأميركان في ما يعرف بمرض لعنة العراق أو متلازمة ما بعد الصدمة المفضية إلى الانتحار شبه اليومي للآلاف من الجنود الأميركان العائدين بكوابيس تلك الحرب وقصصها الفظيعة.

لكن ذلك كله لا يستوجب تزويق قبح الحرب وآثامها فما بالك بصبغها بصبغة كوميدية للتخفيف من قسوتها وآلامها وجراحاتها، وهو ما نشاهده في هذا الفيلم للمخرج ديفيد راسل ومن إنتاج العام 1999.

في الصحراء الجرداء المديدة وفي المشهد الأول للفيلم تظهر عبثية قتل الإنسان. جندي عراقي واقف على تلّة، رافعا راية بيضاء وفي يده الأخرى السلاح، ويحتار الجنود الأميركان ماذا يفعلون معه وبدلا من أن يطالبونه برمي سلاحه فإنهم يطلقون النار عليه ويردونه قتيلا، ثم ينطلقون في حفل صاخب احتفالا بالنصر.

الصحافية كاثي (قامت بدورها الممثلة جودي غرير) التي أرسلتها شبكة تلفزيونية مرموقة لتغطية انتصارات الولايات المتحدة، يختلي بها الجنرال آرشي (الممثل جورج كلوني) خلوة حميمية تتبادل الشتائم مع منافستها الصحافية آدريانا كروز (الممثلة نورا دون) ثم يدخل آرشي في سجال مع رئيسه الأعلى في كونه يعطي الأحاديث للإعلام من دون ترخيص وفي مقابل الترفيه الجنسي عن نفسه.

دافيد راسل: لا يمكن تزويق قبح الحرب وآثامها فما بالك بصبغها بصبغة كوميدية للتخفيف من قسوتها وآلامها
دافيد راسل: لا يمكن تزويق قبح الحرب وآثامها فما بالك بصبغها بصبغة كوميدية للتخفيف من قسوتها وآلامها

وفق هذه الخلفية الساخرة سوف نمضي مع ثلاثة جنود يرأسهم الجنرال آرشي مهمتهم تعقّب سبائك الذهب المزعومة التي يحتفظ بها نظام صدام حسين بعد سرقتها من الكويت، وسيكون المكان المحتمل لإخفائها هي أقبية تحت الأرض تقع بالقرب من محافظة كربلاء العراقية.

الرحلة من الكويت، حيث تواجد القوات الأميركية، إلى ذلك المكان المفترض لوحدها تحمل مساحة كوميديا مرفوقة بحلم يقظة خلاصته أن الفريق الرباعي يحلم بتقاسم سبائك الذهب والعيش برفاهية في الولايات المتحدة بعد ترك الجيش، والحاصل أننا سوف نتحول ابتداء من هذه الحبكة الثانوية إلى مغامرة البحث عن الذهب وليس غير ذلك، وبمعنى آخر، تتحوّل ثيمة السرقة إلى قاسم مشترك لعيّنة من أفراد الجيشين، العراقي والأميركي.

يُبنى المكان على أساس تنويعات فرضتها الدراما الفيلمية، فهنالك في الغالب الأرض الصحراوية القفراء التي يتحرك عليها الفريق الرباعي، وهناك خيام الجنود الأميركان فهم لا يقيمون في مخابئ وينعمون بالرقص وشرب الخمور كما ظهر في مشاهد الفيلم، وفي المقابل العراقيون، الجنود وهم في مخابئ وأقبية وسراديب، أما المدنيون فيقيمون في العراء.

هذا التقاطع المكاني سوف يحول مهمة الفريق إلى ما يشبه مغامرة البحث في مغارة علي بابا. لصوص سرقوا ما سرقوه من الكويت، ولصوص جدد -هم الجنود الأميركان- يريدون سرقة ما سرقه العراقيون ويستحوذون عليه، وسوف نكتشف وجود سبائك الذهب وسيارات الليموزين التي سوف تستخدم لاحقا في مشهد كوميدي مصنوع بعناية.

بصريا، تمت معالجة البناء المكاني بمهارة وحرفية واضحة، مع إدخال لمسات من عادات وتقاليد عراقية في مقابل أن وظائفية المكان المخفي هو غالبا إما لإخفاء مسروقات وإما لاحتجاز مدنيين، وما عدا ذلك فإن رحلة الأربعة تشبه رحلة اكتشاف في صحراء مترامية، يزيدها متعة كونهم شبه متمردين على قياداتهم وينفذون عملية غير مرخّصة أو لا تعلم عنها قيادات الجيش الأميركي الكثير.

على صعيد البناء السردي من تحصيل الحاصل أن الفيلم قائم على سرديتين متقابلتين لا ثالث لهما، وهما السردية الأميركية في مقابل السردية العراقية. يوظف الأميركان في هذه السردية دافعين هما دافع الانتصار والتفوق والدافع الثاني هو المغامرة. فالفريق الرباعي يكون قد خرق ما عرف باتفاقية خيمة صفوان التي بموجبها اجتمع قادة الجيشين الأميركي والعراقي وأنهوا العمليات الحربية بعد هزيمة الجيش العراقي، وعلى هذا ظل هاجسهم هو عدم التدخل العسكري مع أنهم نفذوا عمليات دموية.

أما السردية العراقية فمحورها تلك الشخصيات التي حرص الفيلم على تقديمها منهزمة وسطحية. الجنود العراقيون من السهل خداعهم كما في صنع موكب رسمي كوميدي مهلهل لسيارات قادمة من عمق الصحراء على أساس أنه موكب لصدام حسين ما يؤدي لهرب الجنود العراقيين. أما المدنيون العالقون ما بين بطش قوات صدام والغزاة الأميركان فبلا حول ولا قوة، بل إن الفيلم يظهرهم جياعا، وبعضهم يطلب الطعام لأطفاله.

في المقابل كانت مشاهد الحوار المصنوع بشكل جيد بين الجندي الأميركي الأسير تروي (الممثل مارك واهلبيرك) وبين الضابط العراقي من المشاهد المصنوعة بموضوعية، لكون الضابط العراقي هو أحد ضحايا الغزو بسبب مقتل زوجته وابنه وتدمير بيته بسبب القصف الأميركي واسع النطاق على المواقع المدنية إبان حرب العام 1991.

ولعل المضيّ في هذه السردية سوف يقودنا لاحقا إلى أكثر المشاهد درامية التي اختتم بها الفيلم وكيف سوف يكفّر الرباعي الأميركي عن خطاياه ويكمل مغامرته، عندما ينجح في إنقاذ مجموعة من المدنيين بالسماح لهم بعبور الحدود والدخول إلى الجانب الإيراني، بغرض الهروب من بطش أجهزة النظام العراقي.

هنا سوف تبرز مفارقة الضحايا مرة أخرى، القوة الدرامية الغالبة ومن منطلق التفوّق والقهر بإمكانها تصفية من تشاء، لكنّها بالنسبة للجنرال آرشي تتعدى ذلك إلى انتهازية يقنع بها ضابطه الأعلى بأنه إن أنقذ المدنيين فسوف يظهر ذلك في وسائل الإعلام الأميركية وسوف تتم ترقيته إلى رتبة أعلى، ومن جهة أخرى سوف يحصل على حصة من سبائك الذهب.

المدنيون يمثلون نقطة انتقال ما بين الانتهازية والطمع الفردي وبين عبثية القوة والاستئثار التي تجعل الجنود الأميركان في صورة القتلة الذين لا يميزون بين ضحاياهم، حتى وإن بدوا مستسلمين أو بلا قضية يقاتلون من أجلها.

في وسط هذه الدراما المتصاعدة هنالك مشاهد قتل القوات العراقية لامرأة أمام أنظار طفلتها وزوجها وأمام أنظار القوات الأميركية، ومشاهد أخرى تتعلق بالتعذيب والاحتجاز وكلها ملتصقة بالقوات العراقية. المدنيون الذين هم في العراء وبلا حماية يستدرّون رأفة المغامرين الأربعة، والصورة أكثر دراماتيكية ومثالية عمّا هي عليه في واقع إبادة القوات الأميركية لعشرات الألوف من المدنيين العراقيين بدم بارد، لكن الفيلم يتغاضى مع هذه القضية.

المدنيون في الجانب الأميركي يتم إظهار عيّنة فقط تتمثل في زوجة الجندي تروي وابنته وهي التي سوف تنقذ زوجها والباقين في مفارقة دراماتيكية، إذ أنه بسبب عجزه عن طلب المساعدة من وحدته العسكرية يكتشف وجود جهاز هاتف لاسلكي يتمكن تروي من خلاله من الاتصال بزوجته في الولايات المتحدة، ليطلب منها الاتصال بالوحدة العسكرية لطلب العون وهو حل لا يبدو مقنعا ومع ذلك تم تمريره في الفيلم.

تبرز في الفيلم وظيفة التلفزيون والفضائيات في تغطية الحرب، وواقعيا لا يمكن أن ينسى العراقيون والعالم بأسره تغطية مراسل سي إن إن، بيتر آرنت، للرحب على العراق.

وهنا سوف يقدم المراسلتين المتنافستين آدريانا وكاثي. الأولى مولعة بالسبق الإعلامي وبالملابس الأنيقة والثانية مولعة بمعاشرة الضباط واستنطاقهم لأخذ تصريحات مفيدة منهم، وما عدا ذلك خفت صوت الإعلام تماما بينما في غالب أفلام الحرب هنالك مقدمة لخطاب أحد الرئيسين، جورج بوش الأب أو الابن، سواء من قاد حرب الخليج الثانية أم الثالثة، أما هنا فسوف يحضر اسم جورج بوش بطريقة ساخرة، بما ينقله الجنود الأميركان بأن الرئيس يريد تحريرهم.

على صعيد القيمة الوثائقية للفيلم يمكن التوقف عند نزر يسير تم بثه خلال أحداث الفيلم ومنه مثلا قصة المسروقات التي يجري تتبعها من طرف الجيش الأميركي، ثم قصة التلوث التي لا تبرز إلا لماما في مشهد عابر عندما تشاهد الصحافية آدريانا وهي ترأف بطيور عالقة في وسط بركة من الزيت فتذرف الدموع، وكذلك يشاركها مرافقها الذي يحاول التحرش بها.

لا شك أن عنصر الوثائقية والثبات على الحقائق الموضوعية على الأرض تم تخفيفه إلى حد كبير بالابتعاد قدر المستطاع عن أي توثيق واقعي وعملي وإيجاد حلول درامية بديلة، من خلال التنويع على الموضوع المطروح، من خلال جوانب من الحرب مع صبغها بصبغة كوميدية ممتزجة بالمغامرة أكثر من مقاربة الحرب في حد ذاتها بوصفها كارثة مدمرة.

تراجيديا قدّمت الحرب باعتبارها مجرد رحلة كان هدفها اصطياد نفر من الأشرار المهيئين للهزيمة، وثلة من المدنيين يعارضون النظام ولا يمتلكون رؤية تتعلق ببلدهم ومستقبلهم
تراجيديا قدّمت الحرب باعتبارها مجرد رحلة كان هدفها اصطياد نفر من الأشرار المهيئين للهزيمة، وثلة من المدنيين يعارضون النظام ولا يمتلكون رؤية تتعلق ببلدهم ومستقبلهم

وإذا أمعنا النظر في هذه الجزئية، فلم يعرف للجيش الأميركي إبان تلك الحرب أنه قام بمثل تلك العملية التي انتقل فيها من أقصى جنوب العراق إلى كربلاء، ثم إلى الحدود العراقية الإيرانية بقصد إنقاذ المدنيين في حل إخراجي كان أقرب إلى المزحة الثقيلة البعيدة عن الواقع كليا، والأقرب إلى الضحك على العقل الأميركي المستهلك الأول لتلك الدراما.

ولمنح الجمهور الأميركي متعة أكبر، وهو ما تحقق فعلا، فقد ظهر أفراد الجيش الأميركي وهم سكارى ويرقصون بلا انقطاع، ثم انطلقوا في رحلة البحث عن الذهب انطلاقا من خارطة تم استخراجها من مؤخرة أحد جنود صدام حسين الهاربين، ثم تتوالى مشاهد استعمال الخارطة بطريقة مسقطة ومفبركة، مصحوبة بالنكات التي يتبادلها الجنرال آريش وزملاؤه.

هذه المقدمات تبدو كافية لفهم الخلاف الحاد الذي نشب إبان إنجاز الفيلم وبعد إنجازه بين المخرج وكاتب السيناريو جون ريدلي الذي عند مشاهدته الفيلم وجد قصة وأحداثا لا تتطابق مع ما كتبه، مما أجج الخلاف بين الطرفين، بالإضافة لما رافق إنتاج الفيلم من خلاف مع الشركة المنتجة، لكن الفيلم قوبل باستحسان أميركي وحقق دخلا جيدا في شباك التذاكر، كما أعيد إطلاقه مجددا بعد الحرب الأميركية التالية على العراق في العام 2003 أو ما يعرف بغزو العراق.

لا شك في المحصلة النهائية أننا بصدد عمل سينمائي قدّم حرب العام 1991 بحسب مقاربة غلب عليها طابع المغامرة وأنها ليست مأساة إنسانية مدمرة بل مجرد رحلة كان هدفها اصطياد نفر من الأشرار المهيئين للهزيمة أصلا، وثلة من المدنيين الذين حتى وإن كانوا يعارضون للنظام العراقي وقتها فإنهم لا يمتلكون رؤية تتعلق ببلادهم أو بمستقبلها.

وهي من الخلاصات التي حرص الفيلم على إظهارها كجزء من بروباغندا الحرب كما يبدو، والتي تراوحت بين الغلبة والقهر وبين الدراما الساتيرية التي تراوغ مبتعدة عن الجرح إلى تخدير مؤقت ينسي آثاره أو يقللها، ويصرف النظر إلى هوامش وجزئيات تستخّف بالأشياء أو تبسّطها لخدمة جمهور يجد في المغامرة والكوميديا مقاربة مسلية لكارثة الحرب وفظائعها.

16