فيلم "المهرج شوكولا".. قصة لذيذة سريعة الذوبان

الأحد 2013/11/24
حين كانت البشرة السوداء تحدّد مصير صاحبها

"المهرج شوكولا" عنوان الفيلم الفرنسي الوثائقي الذي أخرجته الجزائرية المقيمة في باريس سامية شالا بالتعاون مع الفرنسي تييري لولكلير، وقد عرض في "معهد العالم العربي"، كما سيعرض على محطات التلفزة الفرنسية.

فيلم جميل يستند إلى مراجع تاريخية وفنية ويعرّف بشخصية منسية كانت تتمتع بشعبية كبيرة في مرحلة الاستعمار. فالفيلم يروي وبأسلوب مشوّق سيرة فنان من أصول إفريقية اسمه رافاييل باديلا، لكنه عرف في فرنسا باسم "المهرج شوكولا" بسبب بشرته السوداء. ولد عام،1868 في كنف أسرة عانت من العبودية وجيء بها من أفريقيا إلى كوبا. صار يتيما وكان لا يزال في سن الطفولة. بيع إلى تاجر برتغالي ثم هرب إلى أوروبا، وفي أسبانيا التقى بمهرج معروف فجعله خادما له، بعدما أعجب بقوته البدنية وبموهبته كراقص. عام 1886، وصل إلى باريس حيث عمل مهرجا في "السيرك الجديد"، وشكل مع مهرج آخر ذي بشرة بيضاء يدعى "فوتيت" ثنائيا ذاع صيته، وكان بذلك أول فنان أسود يفرض نفسه على المستوى الجماهيري في العاصمة الفرنسية، وقد استمرت هذه الشهرة حوالي عشرين عاما توقّفت بعدها عندما لم يجدد السيرك عملهما بعد عام 1905، فافترقا وتابع المهرج شوكولا مسيرته بمفرده، ومات وحيدا ومنسيا في مدينة بوردو عام 1917.

وصل «شوكولا» إلى باريس حيث عمل مهرجا في «السيرك الجديد»، وشكل مع مهرج آخر ذي بشرة بيضاء يدعى «فوتيت» ثنائيا ذاع صيته


عبودية ممنهجة

من خلال سيرة هذا المهرج، يروي الفيلم فصلا من فصول العبودية والعنصرية التي طالما عانى منها ولا يزال أصحاب البشرة السوداء. صحيح أنّ المهرج شوكولا تمتع بشعبية كبيرة مع رفيقه الأبيض "فوتيت" إلاّ أن أدواره كانت دائما أسيرة الأفكار السائدة عن السود، والتي تكرس دونيتهم وتأخرهم عن الآخرين. وهو لم يكن في هذه المرحلة يملك الثقافة التي تمكنه من المقاومة ورفض الصورة النمطية المهيمنة والتي تحصره في قالب واحد محدد لا يحق له تجاوزه. وقد خلده العديد من الفنانين في لوحاتهم ومن أشهرهم الفنان تولوز لوتريك، كما تحدث عنه كتّاب معروفون ومنهم جان كوكتو. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن فنون السيرك كانت تتمتع بشعبية كبيرة في فرنسا في زمن المهرج شوكولا، وكانت تستقطب الأغنياء والفقراء من جميع الأعمار.

من أجل إضفاء المزيد من الحيوية على الفيلم، اعتمد المخرجان سامية شالا وتييري لوكلير على لقاءات مع المؤرخ جيرار نواريل، الذي يرجع له الفضل في كتابة سيرة المهرج شوكولا بعد أن طواها النسيان. كذلك تطالعنا شهادات للمخرج مرسيل بوزونيه الذي قام بإخراج عرض مسرحي جميل مستوحى من حياة المهرج شوكولا قدم العام الماضي في باريس.

تطالعنا شهادات للمخرج مرسيل بوزونيه الذي قام بإخراج عرض مسرحي جميل مستوحى من حياة المهرج "شوكولا"

من جانب آخر، يحلل الفيلم أسباب سقوط المهرج بعد سنوات النجاح، وعدم قدرته على القيام بأدوار فنية خارج إطار عمله في السيرك، فيعزو ذلك إلى هيمنة الصورة النمطية التي كانت تلاحق السود المتواجدين في باريس، ولم يكن عددهم آنذاك يتجاوز المئات. في عام 1911 قام المهرج شوكولا بأداء دور رجل رياضي، غير أنّ المسرحية منيت بفشل ذريع لأن الجمهور لم يكن قادرا على تصوّر شخص أسود يتمتّع بالجاذبية والقوة. وفي الرسوم التي أنجزها الفنان تولوز لوتريك، تتكرس هذه الصورة النمطية إذ يبدو فيها كيف أن المهرج الأسود هو الذي يتلقى الضربات دائما من المهرج الأبيض.

أخيرا نستعيد مع هذا الفيلم أجواء المرحلة الاستعمارية والتي طالعتنا في السنوات الأخيرة في العديد من الأفلام، ومن أبرزها فيلم فرنسي بعنوان "فينوس السوداء" الذي أخرجه التونسي عبد اللطيف كشيش عام 2010، وروى فيه سيرة امرأة سوداء كانت تعرض في قفص تماما كالحيوانات حتى يشاهدها الجمهور في المعارض والاحتفالات التي كانت تقام مطلع القرن الماضي.

16