فيلم الوداع الأخير لآرنولد شوارزنيغر وليندا هاملتون

"الفاني: المصير المظلم" فيلم خيال علمي متقن يتميز بشخصياته الخارقية وقدراته على النفاذ عبر الزمن إلى جانب العنف والحركة التي تشكل ركنا آخر له.
الاثنين 2020/01/20
صراع لا ينتهي بين قوى خارقة

الولع بالبطولات الخارقة التي تتجاوز حدود طاقة البشر واكتساب الكائن البشري قدرات فائقة كانت وما تزال إحدى الموضوعات المفضلة في سينما الخيال العلمي، تلك التي ترتقي بالكائن البشري من وجوده الأرضي الضعيف إلى أعلى مراتب التفوّق.

تتيح سينما الخيال العلمي للكائن الذي يمتلك صفات خارقية أن يخترق حاجز الزمن والتفوق في سرعة رد الفعل، وكنا شاهدنا ضمن هذا الإطار سلسلة “سوبر مان” و”الرجل الحديدي” و”الرجل العنكبوت” كأمثلة على هذا النوع من الخيال الواسع الذي منح تلك الشخصية عناصر جذب حتى صارت أكثر شعبية وتفاعلا مع الجمهور العريض.

وفي هذا الصدد وضمن الإطار نفسه من المعالجة الفيلمية كانت هناك سلسلة “الفاني” التي انطلقت منذ أزيد من 35 عاما عندما ظهر أول فيلم، وهو فيلم “الفاني” (إنتاج 1984) لتليه خمسة أفلام أخرى كان خاتمتها فيلمنا الذي نحن بصدده الآن “الفاني: المصير المظلم” للمخرج تيم ميلر.

وفي الأفلام الستة كانت هناك قواسم مشتركة من أهمها وجود الممثل الشهير آرنولد شوارزنيغر الذي منح هذه السلسة جاذبية وبراعة على جميع المستويات وتألق فيها، وهو في زهو قوته وشبابه، وها نحن نشاهده اليوم كهلا في هذا الفيلم وإلى جانبه ليندا هاملتون وقد بدأت الشيخوخة تتسرّب إلى وجهها وصوتها.

في فيلم “الفاني: المصير المظلم” لن يكون “الفاني” المعتاد هو سيد الموقف بل سوف يتم إنتاج شخصيات خارقية أخرى، فيما سيكون دور آرنولد مكملا لما يجري وليس مهيمنا على كل شيء كما في السابق.

هذا الفيلم احتشدت فيه قدرات إنتاجية هائلة على جميع المستويات ودخل فيه المخرج الشهير جيمس كاميرون منتجا إلى جانب عدة منتجين آخرين و6 شركات كبرى من بينها فوكس للقرن العشرين وبارامونت وغيرها.

المخرج تيم ميلر يقود إنتاجا ضخما وتجري الوقائع في عدة أماكن تم التصوير فيها، من البرازيل إلى هنغاريا إلى الولايات المتحدة وإسبانيا وبريطانيا وغيرها وقد رصد له حوالي 190 مليون دولار ليحقّق عائدا بلغ 240 مليون دولار.

قاد المخرج شخصيات خارقية على جميع المستويات وخارقيتها تدفعها إلى مقارعة خصوم يشكلون خطرا كونيا ومن ذلك المدعو ريف 9 (الممثل غابرييل لونا)، هذا الكائن العجيب وذو القدرات الخارقة الذي لا يمكن قهره، وهو يذكرنا بآرنولد شوارزنيغر في بداياته، فهو حتى وإن تقطعت أواصله أو تمت إصابته بعدد هائل من الرصاص، إلاّ أنه ما يلبث أن يعود إلى قوته.

يلاحق ريف 9 الفتاة الشابة داني راموس (الممثلة ناتاليا رايس) ويعبر بنا إلى المستقبل، لأن الأساس هو أنها سوف تقوم بإنقاذ غريس (الممثلة ميكنزي ديفز) في الزمن المستقبلي، فلما تعود إلى الحاضر يحصل العكس في منازلة لا نهاية لها من حيث الشراسة وقدرة كل طرف على إلحاق الهزيمة بالطرف الآخر.

"الفاني" منذ الفيلم الأول وحتى الأخير، شكل علامة فارقة في مسار سينما الخيال العلمي، حيث قدّم الإنسان الآلي بشكل مبتكر
"الفاني" منذ الفيلم الأول وحتى الأخير، شكل علامة فارقة في مسار سينما الخيال العلمي، حيث قدّم الإنسان الآلي بشكل مبتكر

هنا ثمة تحولات في هذا الفيلم تتعلق بأجيال مستقبلية ومنها أن داني لا يراد لها أن تحمل وتنجب ممّن يسمّى بمنقذ البشرية من الهلاك، ولهذا يتم استهدافها من قبل ريف الذي بإمكانه أن يتحوّل إلى شكل وأن يرتدي ملابس شتى في إطار  التنكر والمضي في المهمة إلى النهاية.

لا تبدو ليندا هاملتون ولا آرنولد شوارزنيغر في هذا الفيلم كما كانا في الفيلم الأول قبيل قرابة نصف قرن، بل كأنه فيلم وداع بعدما بلغا من العمر عتيا ولم يعودا يتمتعان بذلك التألق الذي كانا عليه إبان ظهور ذلك الفيلم.

في المقابل فإن الفيلم بسبب القدرات الإنتاجية الهائلة التي أتاحت له التنقل بين المدن تباعا لكشف أبعاد الصراع والزج بالشخصيات في دوامة العنف والقتل، بات علامة فارقة.

يمكن الدخول إلى الفيلم من خلال العديد من المقاربات، فهو من جهة كونه فيلم خيال علمي متقن وهناك القدرات الخارقية وقدرات النفاذ عبر الزمن وهناك من جهة أخرى العنف والحركة التي تشكل ركنا آخر لهذا الفيلم، ولهذا تم إشباعه بالخدع السينمائية وحركات الكاميرا وتنوّع مستوياتها.

يقدّم الفيلم الصراع في نهاياته، وكيف يعود ريف إلى حقيقته الافتراضية في عبور حواجز الزمان والمكان والخوض فيها إلى درجة أنه يستطيع أن يعيد صناعة نفسه بشتى السلب.

بالطبع هناك كمّ كبير من الأسئلة التي يمكن طرحها عند مقاربة الجزء السادس بالأجزاء السابقة والأدوار المختلفة التي أُنيطت للشخصيات، لكن وبكل تأكيد فإن “الفاني” منذ الفيلم الأول وحتى الفيلم الأخير شكل علامة فارقة في مسار سينما الخيال العلمي، وقدّم الإنسان الآلي بشكل مبتكر، وكان الفضل في ذلك إلى عبقرية جيمس كاميرون مخرجا ليعود لنا في هذا الفيلم منتجا، أي أن لمساته وأسلوبه لا تخفى.

من جهة أخرى قدّم الفيلم ما يمكن اعتباره امتدادا لآرنولد من خلال شخصية ريف وخصمه اللدود غريس، وبذلك وفّر تنويعا مكملا لآرنولد إلى درجة أنه لم يستطع أن يغادر الكثير من المشاهد التي برع فيها منذ فيلمه الأول.

الإنتاج الضخم والتنوع في الزمان والمكان والتصوير والخدع السينمائية والغرافيك وحلول لا حصر لها، كل ذلك يمكن القول إنه باقة متكاملة اختتم فيها صانعو “الفاني” مسيرته مع أنهم لم يتخلصوا من تكرار الثيمات والشخصيات والأحداث، لكن بقيت متعة مشاهدة “الفاني” قائمة.

16