فيلم "اُركضي".. تراجيديا نفسية تحاصر امرأتين من جميع الجهات

مواجهة بين أم وابنتها تنتهي إلى اكتشاف حقائق صادمة.
الأحد 2021/04/11
محنة العزلة والنسيان

من أبرز أسباب نجاح أي فيلم الكتابة الدرامية والحبكات الثانوية المتقنة في السيناريو، هذا علاوة على دقة بناء الشخصيات، كل هذا يؤدي إلى عمل متماسك يقدم دراما فيلمية مغرية للمشاهدين وذات دلالات عميقة. ولعل أهم الأجزاء في نحت الشخصيات هو عمقها النفسي وتطورها مع تطور الأحداث. كل هذه العناصر نجدها عن جدارة في فيلم “اركضي” الذي يمثل دراما مميزة على مختلف الأصعدة.

من الأنثوية إلى الأمومة إلى البحث عن الذات، سوف تتكامل صورة بناء نفسي عميق مثقل بالتداعيات وبالخبرات وما يدّخره اللاوعي في نفس امرأة ما تعيش بلا ماض واضح، سوى أنها تعيش لحظة عاصفة بأن تصبح أمًّا ثم تفقد تلك الصفة وتنتقم بسبب ذلك.

تلك هي الإشكالية المركّبة التي يقدمها لنا فيلم “اركضي” للمخرج الأميركي من أصل هندي أنيش تشاغانتي، وهو نفسه كاتب السيناريو بالإضافة إلى سيف أو هانيان.

المواجهة الحاسمة

النزعة العنيفة والانتقامية للأم لا يحدّها حد إلى درجة أنها تقتل موظف البريد لأنه وقف إلى جانب ابنتها
النزعة العنيفة والانتقامية للأم لا يحدّها حد إلى درجة أنها تقتل موظف البريد لأنه وقف إلى جانب ابنتها

تبدأ تلك التراجيديا التي تم رسمها بعناية من خلال فقدان داين شيرمان (الممثلة سارا بولسون) لطفلتها في مرحلة الولادة في مشهد مشحون ومحزن، لننتقل بعد ذلك مباشرة وبعد 17 عاما إلى جلسة تروي فيها مجموعة من النساء معاناتهن مع أطفالهن المعاقين وعلى أساس أن عند داين ابنة معاقة لكنها تدهش الجميع في إشادتها بانتها وأنها ليست حزينة ولا منكسرة القلب.

على الجهة الأخرى هنالك كلوي (الممثلة كلارا ألين) التي  يقدمها الفيلم على أنها ابنتها، وهي فتاة في السابعة عشرة من عمرها تعاني عددا من الأمراض وأهمها شلل الأطراف السفلية، مما يجبرها على تعاطي عدة أنواع من أدوية أمراض القلب والسكري وغيرهما.

الفتاة الذكية مشغولة بالإلكترونيات والقراءة بنهم إلى درجة كونها جاهزة لدخول الجامعة، لكن ذلك لن يحصل قط، وتمضي أيام انتظارها وصول رسالة من الجامعة سدى في ظل إصرار الأم على أن شيئا من ذلك لم يحصل، ومع ذلك تصر على فتح كافة الرسائل بنفسها.

تلك الدائرة السردية التي لا تتعدى المرأتين اللتين تعيشان روتينا يوميا متكررا وكأننا نشاهد عرضا مسرحيا سرعان ما تتسع وتتعقد بشكل تدريجي مع أول بذرة شك تولد لدى كلوي.

واقعيا هنالك أسئلة بلا إجابة في تلك الدوامة اليومية؛ فالمرأتان كأنهما مقطوعتان عن العالم الخارجي، لا أحد يزورهما ولا يزوران أحدا ولا شاشة تلفزيون ولا هاتف نقّالا ولا إنترنت، وهو ما يثير التساؤل حول سبب إصرار الأم على تلك العزلة، حتى أننا لا نشاهد كلوي وهي خارجة للتنزّه ولو لمرة واحدة.

على أن حبكة ثانوية وتفصيلا جزئيا بسيطا سيكونان السبب في ولادة بذرة الشك وشروع كلوي في التحرّي عن الحقيقة، إنه نوع غريب من الدواء في شكل كبسولة بيضاء وخضراء تكتشف كلوي أنه دواء مشكوك في أمره، حيث تصرّ الأم على أن تتعاطاه كلوي يوميا دون أن تعرف ماهيته.

اسم الدواء يتحول إلى أحجية ومصدر قلق بالنسبة إلى كلوي لغرض أن تعرف ما هو وما استخداماته ولماذا تخفيه الأم عنها، حتى تكتشف في لحظة فاصلة أنه دواء مخصص للكلاب ويساعد في إشعار الكلب بحركة أطرافه إذا ما أجريت له عملية جراحية.

تلك النقطة الفاصلة كانت كافية لاتضاح صورة أننا أمام امرأة سايكوباثية تحاصر فتاة شابة لسبب ما وتدمّر صحتها وتعزلها عن العالم الخارجي، تلك هي الخلاصة التي سوف توصل المرأتين إلى المواجهة الحاسمة.

تحولات صادمة

لا شك أن من أبرز ميزات الفيلم الناجح الإيقاع المتسارع والنمو المتواصل للأحداث، وهذا ما ينطبق على هذا الفيلم وذلك من خلال نجاح المخرج في الدفع بتلك الدراما الفيلمية إلى نقطة مواجهة لا رجعة فيها.

وخلال ذلك استند المخرج إلى دعامتين أساسيتين على صعيد الشخصيتين الرئيسيتين، الأولى هي المشكل النفسي الذي تعاني منه الأم والذي يجعل منها شخصية عدوانية مريضة تخبئ عدوانيتها بغلاف الأمومة المخلصة والحريصة، في مقابل الذكاء الفطري لكلوي وسرعة بديهتها وإيجادها الحلول والاستنتاجات، وهي نقطة تحسب لكاتبي السيناريو في إقناعنا بقوة وجدارة كلتا الشخصيتين.

وتأكيدا على ذلك ولتمضي الأم في مشكلتها النفسية تحجر كلوي بشكل كامل وتغلق عليها الأبواب، وهنا سوف نكون أمام سلسلة من المشاهد المصنوعة بإتقان من خلال تسلل كلوي رغم إعاقتها، وتمكنها من النفاذ إلى سطح المنزل في مخاطرة شديدة تنتهي بها إلى حجر آخر في قبو المنزل.

النزعة العنيفة والانتقامية للأم لا يحدّها حد إلى درجة أنها تقتل موظف البريد لأنه قرر الوقوف إلى جانب كلوي.

بعد كل هذا التراكم من التحوّلات في الدراما والأعباء النفسية والصراعات سوف يتساءل المشاهد عن دوافع داين في كل ما قامت به، ولماذا هي تنتقم من الفتاة بهذا الشكل العدواني؟

يزيح المخرج الغطاء عن جوانب من الحقيقة أثناء احتجاز كلوي، عندما تكتشف هذه الفتاة ثلاث حقائق؛ أنها لم تكن مشلولة القدمين منذ طفولتها كما تزعم داين، والصور التي عثرت عليها تثبت ذلك، ثم اكتشافها أنها قد تم قبولها للدراسة في الجامعة وأن داين أخفت رسالة القبول، وأخيرا اكتشاف أنها ليست ابنة داين بل هي طفلة رضيعة اختطفتها داين انتقاما لفقدانها طفلتها.

بالطبع سوف يكرس المخرج هذه التحولات ببراعة وفي الوقت المناسب، وهو ما يدفع باتجاه تصعيد آخر ينتهي بمحاولة كلوي الانتحار بشرب مادة سامة ولتقع المواجهة الأخيرة بين داين ورجال الشرطة تنتهي بداين في السجن في مصحة عقلية بينما تحرص كلوي على زيارتها لكي تلقمها نفس تلك الكبسولة التي كانت تجبرها على أخذها.

15