فيلم "باترسون" يعاني غياب النفس الفلسفي رغم وجود الشعر

شاهدنا في مهرجان كان فيلمين أساسهما الشعر، الأول هو الفرنسي للمخرج التشيلي الأسطوري أليخاندرو خودوروفسكي (87 سنة) بفيلمه الجديد “شعر بلا حدود”، وهو الجزء الثاني من خماسية السيرة الذاتية التي شرع في إخراجها قبل ثلاث سنوات، وبدأها بفيلم “رقصة الواقع” الذي عرض في تظاهرة “نصف شهر المخرجين” بمهرجان كان، شأن فيلمه الجديد الذي قوبل بحفاوة كبيرة وظل الجمهور يصفق له بعد انتهاء عرضه لنحو 15 دقيقة بشكل متواصل، والفيلم الثاني هو “باترسون” للمخرج الأميركي المستقل جيم جارموش.
الجمعة 2016/05/20
بطل ينعش حياته الباردة بالشعر

كان (خاص) - في فيلم “شعر بلا حدود” الذي عرض مؤخرا بمهرجان كان السينمائي الدولي في دورته الـ69، تركز اهتمام مخرجه أليخاندرو خودوروفسكي على تصوير علاقته في شبابه المبكر بالشعر وكيف اكتشف العالم من خلاله، ولكن الفيلم يستحق بالتأكيد مقالا تفصيليا مستقلا.

الفيلم الثاني الذي شاهدناه في كان هذا العام والمهتم أيضا بالشعر، هو “باترسون” للمخرج الأميركي المستقل جيم جارموش، المعروف بأفلامه التي تتمتع بروح المرح والسخرية والإيقاع البطيء والشخصيات البسيطة التي تبدو غريبة رغم واقعيتها مثل “قطار الغموض” و”أغرب من الفردوس”. ومع ذلك، فجارموش يغالي هنا في تصوير المصادفات، كما يغالي في استخدام الشعر بطريقة مباشرة، حينما يجعل بطل فيلمه، وهو سائق حافلة عامة (باص) يكتب الشعر في أوقات الفراغ، يردد أبيات الشعر وهو يقود الحافلة لكي نراها مكتوبة على الشاشة مرة بعد أخرى، واسم بطلنا هو باترسون، وهو يقيم في بلدة تدعى باترسون أيضا قرب نيوجيرسي مع صديقته الإيرانية (التي تقوم بدورها ببراعة الممثلة الإيرانية جولشيفته فرحاني) التي تحتفظ بكلب ليس على وفاق دائما مع باترسون، وهي لا تفعل شيئا سوى تصميم كل شيء في المنزل بتكوينات من المربعات البيضاء والسوداء، وهي تتطلع إلى أن تصبح مغنية لأغاني الريف، كما تريد أن تبيع ما تصنعه من حلوى إلى من يشتريها.

مشكلة الفيلم أنه، أولا، يبدو بلا أي أساس درامي، فلا تصاعد في الأحداث بل لا تجد أحداثا أصلا ولا حبكة سينمائية ولا تطورا في الشخصيات، وثانيا يبدو الفيلم كأنه من أفلام الماضي ليس فقط في شكله وتصميمات مشاهده وديكوراته وشخصياته النمطية، ولكن بسبب طغيان الأسلوب الماضوي ربما بشكل متعمد، فالفيلم عن الأحلام أكثر منه عن الواقع. فباترسون يعتبر مثله الأعلى الشاعر وليم كارلوس وليامز الذي ينتمي إلى سبعينات القرن التاسع عشر، وكان ينتمي مثل بطلنا إلى بلدة باترسون أيضا، وعندما يذهب باترسون وصديقته إلى السينما يشاهدان فيلما قديما ينتمي إلى الثلاثينات، وهي المرة الوحيدة التي يخرجان فيها معا خارج المنزل، وعندما يعودان يكتشفان أن الكلب قام بتمزيق كل ما دونه باترسون من أشعار.

ومع ذلك، فباترسون غير مقتنع أصلا بتدوين أشعاره بطريقة تحفظها من الضياع، بل وغير مهتم بالبحث عن ناشر لها رغم إلحاح صديقته عليه، فهو لا يستسيغ ما تطبخه له من طعام لكنه لا يستطيع التعبير عن رأيه لكي لا يصدمها، وهو أيضا يلتقي مصادفة بفتاة في العاشرة من عمرها تكتب الشعر ومن المعجبين مثله بالشاعر وليامز كارسون وليامز، وعندما يلتقي برجل ياباني في الحديقة يكتشف أنه محب للشعر بل ويكتبه أيضا، ولكن باليابانية، وأنه مطلع على الشاعر وليامز.

وهكذا يبدو أن كل شيء في الفيلم تمت صياغتة لخدمة هاجس شخصي لدى المخرج جيم جارموش لا يهم أحدا غيره، ففيلمه يعاني من الفراغ وغياب النفس الفلسفي رغم وجود الشعر، لكنه شعر لا ينطبق على ما يعيشه سائق الحافلة من حياة باردة، متكررة، أقرب إلى الملل والفراغ، لذلك فمن غير المتوقع أن ينال هذا الفيلم أي جائزة في “كان”.

16