فيلم بشخصيات غير مرئية يبحث عن أناس منسيين

الفيلم اللبناني "طرس رحلة الصعود إلى المرئي" يعتبر واحدا من الأفلام الوثائقية الهامة صنفه البعض على أنه تجريبي قدمه المخرج غسان حلواني بشكل جديد ومستحدث.
الجمعة 2018/11/23
عدسة تبحث عن الحقيقة

تنجح السينما في إثارة أكثر القضايا تعقيدا، حيث تجسدها صوتا وصورة وتخرجها من التهميش والنسيان أو التناسي لتركز عليها ضوء الكاميرا، تلك العين التي يمكنها تحويل أي حدث إلى فكرة مؤثرة. وتعد الأفلام الوثائقية من الفنون الأكثر التصاقا بالواقع، لذلك نجدها الأكثر تأثيرا في وجدان الجماهير واستثارة للمهمش من القضايا والأشخاص والأحداث.

بعد مرور ما يقارب الأربعين عاما على انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، ورغم ما خلفته تلك الحرب الدامية من ألم يسعى الكثيرون إلى نسيانه أو حتى تجاهله لتستمر الحياة، مازالت قضية المخطوفين أو المفقودين قسرا، الشغل الشاغل للأهالي والأقارب الذين مازالوا يواصلون معركتهم للحصول على معلومات لمعرفة مصير أقاربهم وأبنائهم ورجالهم.

يعتبر الفيلم اللبناني “طرس… رحلة الصعود إلى المرئي”، واحدا من الأفلام الوثائقية الهامة، التي شاركت في إطار المسابقة الرسمية لمهرجان قرطاج السينمائي الدولي، ويخوض الفيلم في قضية هؤلاء المخطوفين، وهي قضية إنسانية هامة يجهلها على الأقل أبناء جيل كامل لم يعاصروا الحرب الأهلية اللبنانية، أو بمعنى أصح لم يعوا هذه الحرب لصغر سنهم، والغريب وربما على سبيل الصدفة، أن بعض الفضائيات اللبنانية، وعبر شريطها الإخباري، وتزامنا مع عرض الفيلم في قرطاج، كانت تناشد أصحاب الشأن الكشف عن مصير هؤلاء المفقودين الذين باتت قضيتهم هزلية لدى البعض.

فيلم تجريبي

فيلم “طرس… رحلة الصعود إلى المرئي”، للمخرج غسان حلواني، وثائقي صنفه البعض على أنه تجريبي، على اعتبار أن المخرج يقدم فيلمه بشكل جديد ومستحدث، فلا مكان فيه للشخصيات على الشاشة، والمخرج وإن اختار هذا الأسلوب في العرض، فإنه ليجنح قليلا نحو الرتابة وربما الضيق، في الدقائق الأولى من الفيلم، التي كانت عبارة عن “ستوب كادر” صورة ثابتة لمكان ما، يجري المخرج حوارا حوله مع شاهد على ما جرى هناك، وتدريجيا تبدأ أحداث الفيلم بالدخول إلى أعماق القضية، ألا وهي أين هم المفقودون؟ ولماذا طمست صورهم؟

ويبدو أن المخرج أراد أن ينجز فيلمه بهذه الطريقة المستحدثة، ليشابه عنوانه ومضمونه “الصعود إلى المرئي”، فأبطال الفيلم حقيقة، ليسوا مرئيين، فهم في عداد المفقودين أو المختفين، وبناء عليه فإن الفيلم الذي تدور أحداثه في 76 دقيقة، لا نرى فيه أي شخصية إنسانية، باستثناء بضع دقائق في نهاية الفيلم تظهر فيها يد المخرج ولاحقا وجهه، عدا ذلك فإننا نتابع باهتمام رحلة بحث عن صور جدارية كان قد طمرها الطرس، والطرس تعني باللغة العربية “الصحيفة، التي محيت ثم كتبت”.

غسان حلواني يقدم من خلال فيلمه وثيقة تحكي عما خلفته الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ــ 1990)
غسان حلواني يقدم من خلال فيلمه وثيقة تحكي عما خلفته الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ــ 1990) 

يلاحق المخرج غسان الحلواني بعض الجدران في لبنان، لا نعرف المكان بالتحديد، فيقتلع بطريقة فنية العشرات من الملصقات التي ثبتت زمنيا فوق بعضها البعض، ليصل إلى اللوحة التي شكلت في محتواها صورا لوجوه العشرات من المختطفين والمفقودين، الذين شاءت حتى تلك الجدران أن تنساهم، أو بمعني أصح أن تستعيض عنهم بصور لإعلانات ومنشورات باتت على الأقل من وجهة نظر أصحابها هي الأهم.

قضية متوارثة

يتجاوز الفيلم بطبيعته كونه فيلما وثائقيا، ليصبح وثيقة تحكي عما خلفته الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ــ 1990) في نفوس بعض اللبنانين الذين فقدوا أقاربهم ومازالوا حتى اليوم يبحثون على الأقل عن مقابر جماعية لهم، وغسان الحلواني مخرج الفيلم، ربما هو أنسب الأشخاص للخوض في تلك القضية، ليس فقط لأنه ابن زياد الحلواني أحد المختطفين المفقودين، ولكن لأنه أيضا ابن السيدة وداد الحلواني، التي كرسّت معظم حياتها لتلك القضية، فزوجها الذي اختطف أمام عينيها في عام 1982، في رأس النبع في بيروت، لا يزال مصيره مجهولا حتى اليوم.

ليس هذا فحسب فوداد الحلواني والدة المخرج وزوجة المخطوف، كانت قد أسست «لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان» والتي ضمت في صفوها زوجات وأمهات وشقيقات هؤلاء الشباب والرجال الذين خطفوا أو اختفوا إبان الحرب اللبنانية.

وهاهو الابن غسان، يعاود فتح هذا الملف ولكن هذه المرة سينمائيا، ليجعل من قضية المفقودين قضية رأي عام عالمي وليس فقط لبناني، وربما وسيلة للمشاركة الوجدانية مع تلك القضية التي بدأ التعاطي معها بشكل رسمي بعد سنوات من انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، تحديدا في العام 1995 بعد إصدار قانون «الأصول الواجب اتباعها لإثبات وفاة المفقودين» والذي من خلاله يمكن لأهالي المفقودين إشهار وفاتهم في المحاكم الروحيّة. وهي ليست المرة الأولى التي يتم فيها التطرق إلى قضية هؤلاء المفقودين سينمائيا، فقد سبق لهذه القضية وأن ألهمت السينمائيين وعلى رأسهم الزوجان مي المصري والراحل جان شمعون رائد السينما الوثائقية اللبنانية، من خلال الفيلم الوثائقي “أحلام معلقة ” الذي قدم في التسعينات، والذي كان هدفه غير المابشر التعاطف مع السيدة وداد الحلواني في قضيتها، ولاحقا في الفيلم الروائي الطويل والوحيد للمخرج جان شمعون الذي عنون بـ”طيف المدينة” 2002 والذي يدور حول قصة زياد الحلواني نفسه.

هذا وقد حصل الفيلم على الجائزة البرونزية في مهرجان قرطاج السينمائي ضمن المسابقة الرسمية للفيلم الوثائقي الطويل، كما حصل على تنويه من لجنة التحكيم في مهرجان لوكارنوا في دورته الـ71، وهو فيلم أنتج بدعم من صندوق الثقافة آفاق.

14