فيلم "بلادي الحلوة.." قصة رومانسية تتحدى القيم الاجتماعية

الجمعة 2014/05/09
جمع الفيلم بين سحر الطبيعة وصولة الحب

لندن- في رصيد المخرج العراقي الكردي هونر سليم تسعة أفلام مُنجزة فيما يضع لمساته الأخيرة على فيلمه العاشر “الطبول”، ولكل فيلم من أفلامه العشرة ثيمة رئيسة يتمحور حولها الفيلم، إضافة إلى عشرات الثيمات الثانوية التي تمنح الفيلم نكهة خاصة تدفعه باتجاه مسارات غير متوقعة.

آخر أفلام هونر سليم الذي عرف ترحيبا كبيرا من الجمهور والنقاد جاء تحت عنوان “بلادي الحلوة.. بلادي الحادّة” فيلم لم يحد عن قاعدة السخرية السوداء التي عوّد بها المخرج جمهوره.

يرتكز فيلم “بلادي الحلوة.. بلادي الحادّة” على قصة حبّ رومانسية تتأجج بين باران “كوركماز أرسلان” وغوفيند “كولشفته فراهاتي”، حيث تقع هذه الأخيرة في حبّه، وتتماهى مع شخصيته الإنسانية المتحضرة التي تبجل العلم والمعرفة، وتنتصر لحقوق المرأة خاصة، وتسعى إلى تكريس القانون، وتحقيق العدالة.

غير أن هذه القصة تتشظى إلى شذرات متناثرة تصعب الإحاطة بها جميعا، على الرغم من حدوثها جغرافيا في منطقة “قمريان” النائية التي تقع في قلب المثلث العراقي الإيراني التركي، تلك البقعة القصية التي تحاصرها الثلوج على مدى ستة أشهر في السنة الواحدة، آخذين بنظر الاعتبار أن الوسيلة الوحيدة للتنقّل في هذا المثلث الوعر هي الجياد التي تستطيع أن تتغلّب على مصاعب الحياة الشاقة في تلك المضارب المثلجة.

لا يخلو هذا الفيلم من النفس التهكمي مثل سائر أفلام سليم الأخرى التي تحاول أن تُطعِّم أحداثها ووقائعها بالسخرية السوداء حينا، وبالمواقف الطريفة حينا آخر، فهو، كما يبدو على قناعة تامة بأن حضور التراجيديا لا يغيّب الكوميديا بالضرورة، خصوصا إذا كان النفس الكوميدي هادفا ومعبرا وضاربا في الصميم. فلا غرابة أن تصبح السخرية السوداء جزءا من تقنيته الخاصة التي يعوّل عليها كثيرا، ويعتمدها في غالبية أفلامه الروائية المثيرة للجدل دائما.

لا يتكئ هونر سليم على المهيمنة الرئيسة في أي فيلم من أفلامه، وإنما يراهن على الثيمات الثانوية التي يبثها هنا وهناك. ففي هذا الفيلم تحديدا يمكن أن نلمس عشر ثيمات فرعية، وربما ضعف هذا العدد إذا ما تمعّنا في ثنايا هذا الفيلم جيدا وعلى رأسها: الخيانة، الشنق، التمرّد، التهريب، الهيمنة العشائرية، القمع، التعليم، الموسيقى، الويسترن الشرقي، العزلة الاجتماعية، الأحلام المجنّحة…

هذا إضافة إلى الحضور السلبي للسلطة المركزية وبعض أتباعها من الكرد الذين نالوا جزاءهم العادل. كما هو الحال مع المتهم أنور أحمد رؤوف الذي شُنق، لكنه لم يمت لأن حبل المشنقة انقطع، ولا يجوز إعدامه مرتين الأمر الذي شكّل فاتحة جيّدة للولوج إلى الكوميديا الهادفة التي أدخلنا إليها المخرج منذ بداية الفيلم.

لا يخلو الفيلم من التهكم كسائر أفلام سليم التي تحاول أن تطعم أحداثها بالسخرية السوداء، وبالمواقف الطريفة

يرصد هونر سليم تناقضات المجتمع الكردي بعد عشر سنوات من سقوط النظام السابق. فعلى الرغم من غياب السلطة المركزية إلاّ أن القانون لم يجد طريقه إلى غالبية المناطق الكردية النائية مثل قمريان وبقية القرى.

يميل الفيلم إلى التغريب بعض الشيء فالمشاهد لم يعهد مواطنا كرديا يضع القبّعة الأميركية، مثبتا المسدس في حزامه، وممتطيا جواده المطهّم وهو يجوب في المضارب القروية الكردية. لكننا رأينا ذلك لدى إحدى شخصيات الفيلم وهي التفاتة ذكية تنطوي على كثير من السخرية والتهكم الذي لمسناه في العديد من مقاطع الفيلم.

تحضر التراجيديا بقوة في هذا الفيلم حينما يدهم أزلام الآغا عزيز منزل باران وكولشيفته، حيث يرديهم “الحاكم الجديد” قتلى ثم يُطلق النار على الآغا نفسه في إشارة واضحة إلى هيمنة القانون وسيادته في خاتمة المطاف.

وحين يأتي أشقاء غوفيند (البطلة) مهددين إياها بغسل العار الذي ألحقته بهم، تتملص منهم لتنادي في خاتمة المطاف باران الذي يسمع صوتها المدوّي في الآفاق، فيركض صوبها إلى أن يلتقيا في منتصف المسافة في مشهد لا يخلو من الميوعة العاطفية التي ألفناها في بعض الأفلام المصرية والهندية.

ومع ذلك فإنها نهاية مقبولة في هذه القرى البعيدة التي تخضع لمنظومة القيم والتقاليد العشائرية، التي تحاول قدر المستطاع التصدّي لمظاهر الحداثة الجديدة التي تنتصر للقيم المدنية الحديثة.

بقي أن ننوّه بقدرة الممثلة الإيرانية كولشيفته فراهاتي التي سبق لها أن مثلت في خمسة أفلام باللغة الكردية، وهذا هو فيلمها الثاني مع هونر سليم وهي سعيدة جدا باشتراكها في هذا الفيلم لأنها معجبة بكل أفلامه، وتحب رؤيته الإخراجية.

أما الممثل التركي الكردي كوركماز أرسلان فقد تألق هو الآخر في تأدية دور حاكم المدينة والعاشق المتيّم بالمعلمة غوفيند، حيث خطف الأضواء بأدائه العاطفي المُميّز.

يمكن القول إن كولشيفته وكوركماز كانا السبب الرئيس وراء نجاح الفيلم الذي يحمل توقيع هونر سليم، المخرج الذي يمتلك دون شك رؤية إخراجية فذّة تضعه في مصاف المخرجين الكبار الذين يزاوجون بين ضراوة الواقع ورقة الخيال.

16