فيلم تاكسي الإيراني كشف لخبايا الحياة اليومية في طهران

تعاني الأعمال الدرامية والفنية في إيران مثل باقي المجالات الإبداعية والفنية من التضييق والرقابة ومن وابل من الممنوعات، غير أن الأعمال السينمائية الإيرانية ما فتئت تحقق نجاحات محلية ودولية وتحصد العديد من الجوائز لعوامل عديدة منها التقني والفني ومنها ما يتعلق بتقييد الحريات الذي ولّد ردود فعل مضادة معبرة على رفضها. هكذا ظهر فيلم "تاكسي" للمخرج الإيراني جعفر بناهي، حيث عرض العديد من التجارب وقدم مشاهد من الحياة اليومية الإيرانية رمى من خلالها إلى تبليغ رسائله وانتقاداته لقادة الجمهورية الإسلامية.
الأربعاء 2016/02/03
أمل في التحرر

طهران - يعتبر التاكسي وسيلة نقل عمومية رغم أن ملكيتها تعود لشخص واحد، إلا أنه يمثل فضاء يمر عبره عدد كبير من الناس ومن التجارب يدير الحديث حولها سائق التاكسي، هذه الصورة التي يحظى بها التاكسي في المخيال الجمعي استعان بها المخرج الإيراني جعفر بناهي، وكانت منطلقا لفكرة فيلم يصوره في طهران على أنه سائق تاكسي يصعد معه زبائن من فئات اجتماعية وعمرية مختلفة ومن مناطق مختلفة.

التاكسي، الوسيلة والفيلم، مكنت بناهي من ممارسة نشاطه السينمائي كمخرج وأيضا كإحدى شخصيات الفيلم، بما أنه ممنوع من الإخراج لمدة 20 عاما فقد تم اعتقاله عام 2010 وتوقيفه في السجن لمدة ثلاثة أشهر ليحكم عليه بعدها بحظر مزاولة الإخراج السينمائي لمدة 20 سنة والسجن ستة أعوام، وذلك بتهمة نشر "دعاية معادية للنظام"، إلا أنه لم يتم تنفيذ الحكم بالسجن، ولعل ذلك يرجع لشهرة بناهي العالمية التي فرضت على السلطات الإيرانية مراعاة مكانته تجبنا لإثارة الاحتجاجات المحلية والدولية ضد هذه الممارسات مع مبدعين من طراز عالمي.

هذا لم يمنع السلطات الإيرانية ووزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي والشرطة من الإفراط في محاصرة ومراقبة بناهي ومنعه من السفر ومن التحرك بحرية داخل بلده، وقد فرضت عليه الإقامة الجبرية والتتبع القانوني في حال حاول العودة لممارسة مهنته كمخرج، لكن هذا السيف المسلط على رقبة هذا المخرج الإيراني العاشق للسينما وللإبداع لم يمنعه من التفكير في حل يجنبه المضايقة من الشرطة والسلطات المحلية وفي الآن ذاته يمكنه من القيام بعمل سينمائي يبعث من خلاله بالرسائل التي تستجيب لآرائه للإيرانيين وللعالم بأسره. ورغم أن ما صوره لن يصل للجمهور الإيراني لأن فيلم تاكسي ممنوع من العرض في دور السينما الإيرانية إلا أنه عرض في العديد من الدول.

وقد حاز العام الماضي على جائزة الدب الذهبي، جائزة لجنة التحكيم الكبرى في الدورة 65 لمهرجان برلين السينمائي الدولي، ليس فقط لأنه فيلم سياسي شجاع، وإنما لأنه عمل فني ممتاز أيضا، حسب آراء لجنة التحكيم، وقد قال عنه مدير اللجنة المخرج دارين أرونوفسكي "لا يمكن تجاهل تلك الرائعة" التي وصفها بـ"رسالة حبّ إلى السينما"، وقد وزع الفيلم في أكثر من 30 دولة في حين أن عرضه ما زال ممنوعا في إيران.

الإعجاب الذي يثيره الفيلم يعود إلى تأرجحه بين مشاهد تمثيلية ووثائقية تتيح الفرصة لإلقاء نظرة على الحياة في طهران

ويعود الإعجاب الذي يثيره الفيلم لدى المشاهدين إلى تأرجحه بين مشاهد تمثيلية ووثائقية بطريقة تصويرية وإخراجية طريفة، كما أنه يتيح الفرصة للمشاهد لإلقاء نظرة على الحياة في مدينة مثل طهران يسكنها ملايين الأشخاص لا يعرف الكثير عن تفاصيل حياتهم اليومية وأسلوب عيشهم وأسرار حياتهم الخاصة وعلاقتهم بالسياسة في ظل ما تمارسه سلطات بلدهم من سياسات تعتيم وتصدير صور بات معروفا لدى الجميع أنها تناقض الحقيقة، ويقول ديتر كوسليك مدير مهرجان برلين السينمائي الدولي عقب إعلان الجوائز “أعتقد أن من الأهمية بمكان أن يكون لدينا مثل هذه الأفلام السياسية لأنها تعكس بالفعل ما يجري هناك”.

ولأن المخرج بناهي يقبع تحت الإقامة الجبرية، فقد تم تهريب فيلمه الأخير إلى خارج إيران ليصل إلى برلين ومنها إلى بقية دول العالم، والحال أنه عمل سينمائي نجح فنيا وتقنيا وجماهيريا، وعوض أن تحتفي به وزارة الثقافة الإيرانية وعوض أن يلقى مخرجه الاحترام والتقدير والعرفان بالجميل لمساهمته في تطوير الدراما إلا أنه يحرم من حقه في العمل ويلقى صنوف التضييق والمحاصرة ويهرب عمله الفني كـأنه من البضائع الممنوعة التي تهرب خلسة.

وتسلمت جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم نيابة عن بناهي فتاة تدعى هناء سعيدي التي ظهرت في الفيلم، وهي ابنة أخ المخرج، ونظرا للحساسيات المرتبطة بالفيلم فإن الممثلين الذين ظهروا فيه لم ترد أسماؤهم في المقدمة المعهودة للأعمال الفنية.

ويسرد الفيلم قصة سائق سيارة أجرة يقوم بتوصيل تشكيلة متنوعة من الركاب في شوارع العاصمة الإيرانية طهران. وقد عرّى الفيلم برؤيته الغريبة والجديدة والعميقة للحياة الاجتماعية في إيران ما تتعرض له صناعة السينما من عراقيل وصعوبات.

وصورت لقطات الفيلم من داخل سيارة الأجرة، فيما كان المخرج يتحاور مع زبائنه كل حسب وضعيته والوجهة التي يقصدها، وفي تجربة تجمع بين الواقعية والتمثيل وبين الارتجال والسيناريو المعد مسبقا لا يستطيع المشاهد أن يميز بين اللحظات العفوية واللحظات المحبوكة دراميا، يطلعنا المخرج على آراء أفراد المجتمع فيما يدور حولهم ويتطرق معهم بالحديث في مواضيع عديدة منها السينما والسياسة وحقوق الإنسان والإعدامات التي طرحها في حديثه مع نسرين ستودة المحامية والناشطة المعارضة المشهورة في إيران وخارجها.

اختار بناهي أن يرسم صورة مدينته وصورة إيران والمواطنين الإيرانيين على اختلاف انتماءاتهم من خلال ركاب التاكسي الذين يلعبون أدوار الشخصيات الرئيسية في الفيلم ويتناولون في نقاشهم مع السائق كل التفاصيل السياسية والدينية والاجتماعية في إيران.

12